كتاب الصلاة 7

كتاب الصلاة 7

الدرس في كتاب الصلاة 7، الدرس السابع:من( ما يؤخذ من الحديث:1-بيان أول الصلوات الخمس ... عن أبي هريرة مرفوعاً:لو يعلمون ما في العتمة والفجر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام صلاة العشاء وتسميتها

يتناول هذا الفصل أحكام صلاة العشاء مثل أفضلية تأخيرها وكراهة النوم قبلها والحديث بعدها، كما يتناول كراهة تسميتها بالعتمة لورود النهي عن ذلك في السنة.

تسمية العشاء بالعتمة وآراء العلماء

يشرح هذا الفصل سبب نهي النبي عن تسمية صلاة العشاء بالعتمة، ويوضح آراء العلماء حول ورود تسميتها بالعتمة في بعض الأحاديث وتفسيرهم لذلك.

تعريف الشفق وخلاصة آراء العلماء حوله

يناقش هذا الفصل تعريف الشفق واختلاف العلماء فيه بين الشفق الأحمر والأبيض، ويخلص إلى أن المسألة فيها خلاف والأمر واسع مع التأكيد على أهمية التبكير بالصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح -رحمه الله تعالى-: ما يأخذ من الحديث أولًا: بيان أول أوقات الصلاوات الخمس، وأن آخر جزء من وقت أي صلاة هو أول جزء من وقت الصلاة التي بعدها، فليس بين وقتيهما وقت فاصل، وهو كما قال -رحمه الله تعالى- إلا ما استثني من وقت صلاة الفجر وصلاة العشاء، كما سيأتي إن شاء الله، فإن وقت صلاة العشاء إلى منتصف الليل، ووقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وبين طلوع الشمس والظهر وقت، وبين كذلك منتصف الليل وطلوع الفجر وقت. قال ثانيًا: بيان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصليهما في أول وقتها، عدى العشاء، كان يصليها في أول وقتها، يعني كل الصلاوات الخمس: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، لكن قال: عدى العشاء، يعني العشاء كان يؤخرها، يحب أن يؤخرها إلا أن يشق على أمته، كما جاء في الرواية السابقة: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، فكان يحب التأخير إلا أن يشق على الأمة، وهكذا كذلك الظهر ربما أبرد بها، كما مر معنا، فهذا مما يستثنى. قال ثالثًا: أن الأفضل في العشاء التأخير إلى وقتها المختار، وهو نصف الليل، لكن تقيد أفضلية تأخير العشاء بعدم المشق على المصلين، كما تقدم، وسيأتي معنا الكلام عليه إن شاء الله في حديث عمر، ويكون الكلام عليه هناك إن شاء الله. قال رابعًا: كراهة النوم قبل صلاة العشاء؛ لأن لا يضيع الجماعة أو يوقعها بعد وقتها المختار، وهذا تقدم، يكره النوم قبل صلاة العشاء لأجل أن لا تضيع صلاة الجماعة، ولأن لا يتأخر عنها فيصليها بعد ذهاب وقتها، ولأنه وقت فاضل يستغل فيما ينفع من العلم والعمل الصالح، أو على أقل الأحوال يحتسب عشاءه المبكر لينام بعد صلاة العشاء، وقد كان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- يشغلون هذا الوقت بالصلاة أو العلم، كما جاء في قول الله -عز وجل-: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، فسر أنه صلاتهم بين المغرب والعشاء. قال خامسًا: كراهة الحديث بعدها؛ لئلا ينام عن صلاة الليل أو عن صلاة الفجر جماعة، لكن كراهة الحديث بعد العشاء لا تستحب أن تنسحب على مذاكرة العلم النافع أو الاشتغال بمصالح المسلمين، وقد بوّب البخاري -رحمه الله- في صحيحه بابًا يدل على ما أشار إليه المؤلف -رحمه الله-، فقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- أحيانًا يحدثهم بشيء من العلم بعد صلاة العشاء، وهكذا كذلك كان أحيانًا يقعد مع أبي بكر وعمر في مصالح المسلمين بعد صلاة العشاء، فإن كان في هذين المعنيين أو ما كان بمعناهما فلا بأس بالحديث بعدها، وإلا فالأصل لا ينشغل المسلم بالحديث بعدها بل ينام. قال سادسًا: قوله: «التي تدعونها العتمة» دليل على كراهة تسمية صلاة العشاء بالعتمة، وسميت العشاء عتمة؛ لأنها تأتي في وقت عتمة الرؤية، يعني يتعتم، ومعناه: إلى يحصل أمر الرؤية مع صلاة العشاء لكثرة الظلمة. قال: وقد جاء في صحيح مسلم مرفوعًا: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم؛ فإنها في كتاب الله العشاء»، وكان ابن عمر يغضب من هذه التسمية، يعني امتثالًا لحديث النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي رواه، وجاء في الحديث أن الأعراب يعتمون بالإبل: أن يدخلونها في ظلمة الليل؛ لأجل ما يحلبون منها، فلذلك يسمونها العتمة، ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تسميتها العتمة. قال العلماء: هذا النهي من وجهين: الوجه الأول: لأنها سميت في كتاب الله صلاة العشاء، وتعظيمًا لكلام الله ولخبره ينبغي أن تسمى بما سماها الله، كما قال بعض أهل العلم: ألا ترى أن ملكًا من الملوك لو سمى شيئًا في مملكته باسم، فغلبه الناس وسموه بغير ما سماه، كان هذا مناف لاحترامه وتعظيم كلامه، فكلام المولى -سبحانه وتعالى- أولى وأعظم، ولهذا جاء في الحديث الذي أشار إليه فيما رواه مسلم: «فإنها في كتاب الله العشاء»، أن الله -عز وجل- قال: «من بعد صلاة العشاء» أي في العورات التي تستر، فإذا كان كذلك فمن تعظيم كلام الله وامتثال أمره أن تبقى على ما سماها الله صلاة العشاء. وثانيًا: أن تسميتها بالعتمة قد يجر إلى تغيير وقتها؛ لأن الأعراب يتأخرون بالصلاة، وربما إذا سميت الصلاة بالعتمة جر ذلك إلى تأخيرها إلى آخر وقتها أو إلى ما بعد ذلك، وهذا شيء مذموم؛ لأنه تغيير لشرع الله في أمر وقتها للصلاة، فلهذا ولما سبق ولغيره نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تسميتها بالعتمة. قال: وورد ما يدل على الجواز؛ أن الغضب من التسمية للكراهة فقط، ففي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لو تعلمون ما في العتمة والفجر» يعني سمى صلاة العشاء العتمة، وأجاب العلماء عن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سماها بهذا الاسم لوجهين: الوجه الأول: ذكر ما فيها من المشقة القاضي بما يكون فيه من الأجر؛ لأن المنافقين تثقل عليهم هذه الصلاة لمشقتها، فكونه يذكر معنى المشقة في ذكر الصلاة هذا مهيج للمحافظة عليها معاء هذه المشقة، بل يزداد الإنسان حماسًا لها؛ لأن فيها مشقة؛ لأن فيها زيادة أجر، ألا ترى المؤمن كلما ازداد إيمانه ازداد حبًا في الأعمال التي فيها مشقة لزيادة الأجر في تلك الأعمال التي فيها مشقة، فمحافظة المسلم على صلاة الفجر أشد من محافظتي على غيرها، بخلاف المنافق: العكس، تجده أضعف ما يحافظ عليه من الصلاوات صلاة الفجر؛ لماذا؟ لأجل المشقة، هو العكس عند المسلم هو لعلمه بفضلها وما فيها من مشقة يزداد حبًا لها، وكذلك رغبة فيها، وهذا سبب سماها النبي -عليه الصلاة والسلام- العتمة لما فيها من المشقة عند اعتام الليل فيها. وهكذا معنى آخر: أنه سماها به لكونها تسمى كذلك، وهو قد استقر عنده أن الناس قد استقر عندهم عدم تسميتها بهذا الاسم، فتسميته لها بهذا الاسم مع نهي عنها يشير إليهم أنه كأنه يقول: من يسميها من يسميها بالعتمة يحدثهم بحسب تحديث من يسميها بهذا الاسم. وهكذا كذلك روي نحو ذلك في صلاة المغرب، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنهى عن تسمية المغرب صلاة العشاء، فقال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب»، قال: وتقول الأعراب: هي العشاء، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مغفل، وهذا لا ينافيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر: «أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة»، وهكذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث علي: «أنه صلى يوم الأحزاب العصر ما بين العشاءين»، فسمى المغرب عشاء، والجمع بين هذا النهي وهذا الجواز أن يقال: أنه أولًا لأنها سمية المغرب في شرع الله، وثانيًا لأن تغيير اسمها قد يكون داعيًا لتغيير وقتها، فلأجل ذلك وما سبق نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تسمية المغرب بالعشاء؛ لأنه ليس اسمها الشرعي، ولأنه ربما يستدعي ذلك تغيير وقتها. وما جاء من تسميتها بذلك أولًا: إما لأجل التغليب، فإنهم يقولون: القمران، وإنما هو قمر واحد، والعمران، وإنما هو عمر واحد، وهكذا كذلك العشاءين في الحديث، وإنما هو عشاء واحد، لكن من باب التغليب، وهذا كثير في لغة العرب. والثاني: أنه ذكر مقيدًا: العشاء الأولى والعشاء الآخرة، وهذا خلاف ما تسمي الأعراب بالعشاء مطلقًا بدون تقييد بالأولى أو تقييد بالآخرة، وهذا مع ما قبله يدل -كما ذكر المؤلف- أن هذا من باب الكراهة، أو أنه من باب إذا أطلق فيكون المنهي المطلق. وقد بوب البخاري -رحمه الله- في صحيحه بابًا قال: «باب ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعًا»، والصحيح أن الأفضل والأكمل ترك العبارة المطلقة، وإذا ذكرت مقيدة فلا بأس، لا تقول لصلاة العشاء: العتمة إلا وتقييدها، ولا تقول: صلاة المغرب العشاء إلا وتقييدها، امتثالًا لنهي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهنا قال -رحمه الله-: ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، نسي ما قال في المغرب، ومر معنا أن أول المغرب غروب الشمس، وأما آخر المغرب وهو أول وقت العشاء فقد اختلف أهل العلم في ذلك اختلافًا كبيرًا؛ وذلك لعدم صراحة الأدلة التي وردت في هذا الباب، والاختلاف بعض ألفاظها. فقد روي عن جماعة من أهل العلم أن آخر وقت المغرب هو إلى ذهاب الشفق الأحمر، هم متفقون إلى أن آخر وقت المغرب هو ذهاب الشفق، لكن اختلفوا: ما هذا الشفق الذي يذهب؟ فروي عن جماعة من أهل العلم منهم الثوري ومالك والشافعي والأوزاعي وجماعة، فروي عن بعض الصحابة منهم عمر وأبو هريرة وابن عباس وعمر وعبادة بن الصامت وجماعة ذكرهم ابن رجب -رحمه الله- وغيره: أن المراد به الشفق الأحمر، واستدلوا له أولًا ببعض الروايات التي وردت وفيها ذكر معنى الأحمر، وفي بعضها ذكر صريح الأحمر. فقد جاء في وقت المغرب في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر: «ووقت المغرب ما لم يغيب الشفق»، وجاء في رواية في صحيح مسلم: «في وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق»، وجاء عند أبي داود: «ما لم يسقط فور الشفق» بالفاء، وجاء عند ابن خزيمة، ورواية أبي داود صححها بعض أهل العلم ومنهم الشيخ الألباني -رحمه الله-، وجاء عند ابن خزيمة بلفظ: «حتى تذهب حمرة الشفق»، وقال الألباني -رحمه الله- في «الثمر المستطاب»: إسناده جيد، بينما ذكره في «الضعيفة» -رحمه الله تعالى-. وأكثر الأحاديث ليس فيها التقييد، فجاء في حديث أبي هريرة ونحو حديث عائشة في البخاري، وحديث أنس في صحيح مسلم: «أن آخر وقتها حتى يغيب الشفق» لم يذكر شفق أحمر أو شفق أبيض، وجاء في صحيح مسلم من حديث ابن موسى كذلك: «حتى يغيب الشفق»، وفي لفظ عند سقوط الشفق، لم يذكر أحمر ولا أبيض، وجاء كذلك في مسلم من حديث بريدة: «أنه أمر بالعشاء حين وقع الشفق»، فهذه الروايات أكثرها -كما ترى- فيها ذكر الشفق وليس فيها تقييد. وجاء في رواية مسلم التقييد، ومعنى «ثور الشفق»: قال بعضهم: شدة الشفق، ورواية أبي داود «فور الشفق»: قالوا: فورانه يعني حمرته أو شدته، وفي رواية ابن خزيمة صريحة: «حمرة الشفق» يعني الشفق الأحمر. واستدلوا كذلك -أي من قال بأن المراد بالشفق الشفق الأحمر- بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أتاه جبريل فصلى به في المغرب، صلى به في وقت واحد في الصلاتين، يعني في اليومين في اليوم الأول والثاني صلى به المغرب في نفس الوقت، قالوا: فدل على أن وقت المغرب قصير، فهو لا يمتد إلى الشفق الأبيض، بل حسبه أن يكون إلى الشفق الأحمر، وهكذا كذلك أخذوا بآثار روية عن بعض الصحابة في ذلك. وأما من قال بأن الشفق هو الشفق الأبيض، ورواية ذلك عن أبي حنيفة والمزني وعمر بن عبد العزيز وزفر، قال ابن رجب: إنه روي كذلك عن الثوري والأوزاعي، وهو ممن قال بالقول الأول، ورواية عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، واستدلوا على ذلك بأن الشفق أطلق، والأصل في الإطلاق يتناول الأحمر والأبيض، ولأنه لا دليل يدل على التقييد بالأحمر صحيح صريح، وبأنه كذلك لا دليل على وجود وقت فاصل بين صلاة العشاء وصلاة المغرب، ليس هو من صلاة المغرب، ولا هو من صلاة العشاء، وهو عند هؤلاء الشفق الأبيض، وهو الشفق الأبيض، فلأجل هذا كله قالوا: أن الصحيح نهاية وقت المغرب إلى غياب الشفق الأبيض. وأما ما ورد من الأدلة فأجيب عنها كما أجاب الحافظ ابن رجب -رحمه الله- بأن رواية حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم: «ثور وفور» هي رواية شاذة، والصحيح فيها الوقف، أي أنها موقوفة على عبد الله بن عمر، وأن رواية «حتى تذهب حمرة الشفق» عند ابن خزيمة معلة، تفرد بها محمد بن يزيد الواسطي دون سائر أصحاب شعبة، وهو لا يصلح للتفرد، وبهذا رد هذه الرواية -رحمه الله- وعدها معلة ضعيفة لا تصح، فبقي لفظ الشفق على إطلاقه يتناول الأحمر والأبيض معًا. وذهب بعض أهل العلم، روي ذلك عن أحمد وجماعة من أصحابه: التفصيل، فروي عن إمام أحمد أنه كان يقول: إذا كان في البنيان فالشفق الأبيض، وإذا كان في غير البنيان في الصحراء فالشفق الأحمر، يعني نهاية المغرب، وروي عنه أنه قال: إذا كان في الحضر فالشفق الأبيض، وإذا كان في السفر فالشفق الأحمر، وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. وهذا القول -كما ترون- يدل على أن الإمام أحمد -رحمه الله- يرى أن القول بالأبيض في المدن أو في البنيان لأجل ماذا؟ لأجل أن الأحمر قد لا يرى؛ لأجل الأحمر أنه قد لا يرى. فخلاصة هذه الأقوال يقال: أن المسألة فيها خلاف، والأمر في هذا واسع لمن لم يجزم بأحد المسائل بأحد الأقوال، مع أن الأقرب بما دلت عليه الأدلة أنه لا دليل بالتقييد والأحمر، بل يشمل الشفقين: الشفق الأحقيقة والأبيض، ومن احتاط فهو أمر حسن، فهو أمر حسن لا شك، والتبكير بالصلاة أمر مطلوب، وأحب الأعمال إلى الله الصلاة في وقتها. طيب نتكب بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله لدرس لاحق، والله تعالى أعلم، والأسئلة أجل لوقت آخر؛ لأننا قد انتهينا في الوقت.