الدرس في كتاب الجنائز 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس يشرح حكم زيارة القبور، حيث يبين أن الأصل في زيارة القبور هو الجواز ولكن الحكم يتوقف على وجود المانع أو المفسدة. يستدل بفعل الصحابة في التعامل مع قبور الأنبياء والصالحين لمنع الغلو والشرك.
يتناول تحريم اتخاذ القبور مساجد وزخرفتها وتسريجها، مستندًا إلى أحاديث نبوية ثابتة في الصحيحين. يشرح الصور الأربع لاتخاذ القبور مساجد ويحذر من الوقوع في الشرك كما فعل اليهود والنصارى.
يذكر أن علماء السنة والتوحيد استخدموا المقدمات المنطقية في كتب الأصول لتمكين الدارسين من فهم العلم ورد الباطل. يُفضل بعض العلماء تسمية هذا العلم بعلم البحث والمناظرة بدلاً من علم المنطق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهده لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهده أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي مجموعة من المسائل متعلقة بإحكام الجنائز وما يتعلق بزيارة القبور. ومن ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بزيارة القبور. علمنا من هذه المسائل أن زيارة القبور الأصل فيها الجواز. طيب، هات أولًا مراحل حكم الزيارة. أولًا، كان النهي، ثم جواز، ثم الحث مع نهي النساء. طيب، هذا يفهم منه أنه نسخ النهي عن زيارة القبور. إذن، الصحيح أن الحكم في حكم زيارة القبور التفصيل. فإذا وجدت علة النهي يبقى الحكم على المنع والنهي. هذه مسألة مهمة قل من ينتبه لها. فالأصل في زيارة القبور والصحيح في المسألة التفصيل، فليست ممنوعة مطلقًا ولا مشروعة مطلقًا، ولكن يشرع في المواضع التي لا يكون معها مانع ومفسدة مما جاء النهي عنه في الإسلام. ومرت معنا أمثلة تدل على ذلك من فعل الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. من ذلك ما يستانس بدليل لأجل لا يفتتن الناس بقبر. لما فتح المسلمون بلاد فارس وما بعدها، فإنهم وجدوا قبر رجل يقال له دانيال، والصحيح أنه نبي، وكان الناس يستسقون به ويعبدونه من دون الله، فحفروا له عدة حفر بعد مشورة عمر رضي الله عنه، ودفنوه وأخفوا قبره لأجل أن لا يفتتن الناس به. وهكذا بحديث عائشة رضي الله عنها في كون قبر النبي صلى الله عليه وسلم جعل في حجرتها لأجل الحفاظ عليه وامتثالًا لأمره صلى الله عليه وسلم، بل أوامره في حفظ قبره أن لا يكون وثنًا ولا كذلك يعبد ولا عيدًا يعاد. فقالت رضي الله عنها بعد أن ذكرت لعن الله اليهود والنصارى اتخاذ قبر أنبياء مساجد: «لولا ذلك لأبرز قبره». يعني الذي منع الصحابة من إبراز قبره في مقابر المسلمين هو هذا. وهل معنى أن هذا هو السبب الوحيد؟ ما هو السبب الآخر؟ نعم، الأنبياء يدفنون حيث ماتوا، وهذا فيه علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل الصدق رسالته. ادعى الله دعاءً فاستجاب الله دعاه، دعا الله سبحانه وتعالى ألا يجعل قبره وثنًا يعبد، فحفظ الله عز وجل جسده فمات في حجرته، في حجرته لأجل أن يدفن في حجرته وتحفظ يحفظ جسده الكريم عليه الصلاة والسلام من أن يكون فيه مظهر من مظاهر الغلو. سؤال مهم جدًا: إذا مات صالح من الصالحين أو عالم من العلماء البارزين وغلب على الظن أن أهل بلده سيغلون فيه، يعني سيزار ويجعل له من مظاهر الغلو ما قد يكون به فتح باب شرك، فكيف يصنع؟ يخفى قبره، نعم، هذا الصحيح لأن الحكم يدور مع علتي وجودًا وعدمًا. فقبره يخفى، يدفن في مكان لا يعرف، ويعمى على الناس حتى ولو حافظ ورثته وأهله وخاصته عليه في فترة حياتهم، فإذا غلب على ظنهم بعد موتهم ستحصل الفتنة مثل كثير من البلاد التي فيها شركيات ووثنيات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وأما تحريم اتخاذ القبور مساجد، فالأحاديث بذلك كثيرة ثابتة في الصحيحين وأجرهما». ولها ألفاظ منها: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وهو حديث عائشة المتقدم في الصحيحين. وفيه دليل أن اليهود والنصارى وقعوا في الشرك واستحقوا اللعن بهذا. وفيه أن هذا الفعل من الشرك اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. واتخاذها مساجد يكون بأربعة صور: الصورة الأولى أن تجعل في المساجد يؤتى بالقبر فيوضع في المسجد. والصورة الثانية أن يكون القبر أولًا ثم يجعل المسجد على هذا القبر أو بجانب هذا القبر. ولذلك تجد غالبًا معابد اليهود والنصارى بالقرب من المقابر. وهكذا كذلك للأسف سار بسيرهم واستنى بسنتهم من تشبه بهم من وثنية من ينتسب إلى الإسلام من الصوفية والرافضة والباطنية بفرقهم المتنوعة. فإنهم اتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، بل زادوا على ذلك حتى أدخلوا المشعودين والكهنة والعرافين وكذلك القبور المختلقة المدعاة. والصورة الثالثة أن يسجد إليها، يسجد إلى هذه القبور. ففي مذاهب بعض اليهود والنصارى اتجاه القبلة عندهم أن تجعل بينك وبين القبلة قبر أحد الأنبياء والصالحين. ولذلك يحرصون على أن يجعلوا في كل مسجد قبر، ولهذا عندهم المسجد الذي فيه قبر فضله أكثر. وهذه السنة موجودة عند الصوفية. والصورة الرابعة من صور اتخاذ القبور مساجد أن يفعل عندها أي عبادة من العبادات مثل قراءة القرآن، الذكر الجماعي، الدعاء الجماعي، أي عبادة من العبادات تجعل عند القبور حول القبور بجانب القبور. فهذا من اتخاذها مساجد لأن المساجد هي فقط المخصوصة لذكر الله وقراءة القرآن. قال رحمه الله: «وفي لفظ قاتل الله اليهود»، الحديث وهو كذلك من ألفاظ هذا الحديث عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة كما أشار. وقد جاء هذا الحديث عن أكثر من سبعة من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. قال: «وفي لفظ لا تتخذوا قبري مسجدًا»، هذا اللفظ لم يثبت، ولكن معناه ثبت. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد كما جاء في حديث أم حبيبة، ذكرت له ما رأت في أرض الحبشة، فقال: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو النبي الصالح اتخذوا قبره مسجدًا، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى». يحذر ما صنعوا عليه الصلاة والسلام، فهذا صنيع من صنيع اليهود والنصارى ومن ضل من أهل الكتاب، فيحذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصنع مثل ما صنعوا بقبره وبقبور المسلمين من بعده. قال: «وأما تحريم زخرفتها وتسريجها، فلحديث لعن الله زائرات القبور». وفي رواية: «زوّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». والسرج أخرجوه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه في سنده أبو صالح باذام، وفيه مقال. والصحيح أن هذه الرواية هي رواية زائرات، أما رواية زوّارات فقد صحت من غير طريقة بصالح باذام وحسنها جماعة من أهل العلم. والراجح أن الحديث يرتقي إلى الحسن بلفظ زوّارات. وزوّارات بالضم وبالفتح. ثم معنى هذا الحديث موجود في عدة أحاديث إذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذها مساجد وعن اتخاذها عيدًا كما صح عنه عليه الصلاة والسلام. والعيد هو الزيارة المتكررة في أسبوع أو في شهر أو في سنة. وكذلك نهى أن يبنى عليها. فهذه الأحاديث تدل على معنى عام قطع كل وسائل الغلو والافتتان بهذه القبور. كل ما كان بمعنى ذلك مما نص عليه أو لم ينص عليه يدخل في الحكم. فالإسراج عليها بشمع بفانوس بلمبة بمصابيح بحبال مسرجة بلواصق بأي نوع من أنواع التزيين يعتبر من أسباب ووسائل الفتنة. قال رحمه الله تعالى: وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن جابر قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه». وزاد الترمذي: «وأن يكتب عليه وأن يوطأ». وصححه. هذا الحديث فيه عدة أحكام. حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه فيه أنه نهى أن يجصص القبر. ويجصص يعني يبنى بالجص. والصحيح أنه يدخل فيه البناء بكل أنواع البناء. كان بالجص كان بالإسمنت كان بالرخام كان بالحجارة أو كان بالطين. وما جاء عن الحسن وروي عن الشافعي وجماعة من جواز تطيين القبور، الصحيح أنه محمول على تطيينها قبل دفنها. يعني تطيين اللبن داخل القبر. وبعض أهل العلم حمله على وضع الطين الباقي من تلبين القبر قبل دفنه أن يوضع بعد الدفن لتثبيت الرمل. ليس على هيئة البناء. فإن كان الأول أو كان الثاني فهذا جائز. أما أن يخلط طين جديد يطين ويجعل حوالين القبر على هيئة البناء، فالصحيح أنه يدخل في النهي والتحريم حتى ولو كان من الطين. ولم يرد شيء صحيح صريح عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أتباع التابعين ولا أئمة الموثوقين المعروفين جواز ذلك. وما روي عن الحسن والشافعي وجماعة، الصحيح أنه يحمل على الذي سمعنا. لا يعمل على صورة فيه بناء أبدًا. فليس هذا في كلامهم، ولابد أن نحسن الظن بهم. ولو ثبت صريحًا لقلنا خطأ، العبرة بالنص. وأن يقعد عليه، القعود على القبر منهي عنه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قعد على قبر فكأنما قعد على جمر ونار. وأن يبنى عليه، هذا الثالث. وهذا تأكيد على التجصيص. معناه بناء أو تجصيص. والتجصيص فيه معنى البناء وزيادة. وهو بناء على وجه التزيين بالجص. تعرفون شغل الجص الذي يجعل على السقف للتزيين والأبواب والنوافذ وهكذا. البناء يفعل له الجص للتزيين. إذن معناه أن الحديث فيه نهي عن تزيين القبور. فكل ما كان من تزيين القبور فإنه لا يجوز حتى بالأزهار وبالحديقة وبالشجرة وبغيره من أنواع التزيين. كله يدخل فيه النهي لأن معنى التزيين والزخرفة منهي عنه في معنى التجصيص. يقول: هل يجوز لي أن أتعلم علم المنطق؟ وهل علم المنطق هو علم الكلام؟ علم الكلام لا يجوز تعلمه. وعلم المنطق فيه تفصيل. إن أراد به علم الكلام فلا يجوز. وإن أراد به المقدمات المنطقية التي يذكرها علماء السنة في كتب أصول الفقه فهذا يجوز. لأجل أن تأخذ السلاح الذي تستطيع به أن ترد على أهل الباطل. علماء السنة والتوحيد لما وضعوا هذه المقدمات المنطقية في كتب الأصول وضعوها لأجل يتمكن الدارس لهذا العلم مما يعين على فهم هذا العلم أولًا وعلى رد الباطل الذي أدخل فيه ثانيًا. وإن كان الصحيح الذي ينبغي ألا يسمى هذا العلم بعلم المنطق. ولهذا سمى بعض العلماء هذا العلم بعلم البحث والمناظرة. فيستحسن لمن درس مباحث ومقدمات علم المنطق لا يسميه علم المنطق. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.