كتاب الجنائز 12

كتاب الجنائز 12

الدرس في كتاب الجنائز 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مراحل زيارة القبور وتطور حكمها

يشرح الدرس المراحل التاريخية لزيارة القبور، بدءًا من النهي ثم الإذن ثم الحث، مع التركيز على تطور الحكم وتأصيله الشرعي. يبين أن الحكم يتغير مع علته وجودًا وعدمًا، ويتناول خصوصية زيارة النساء للقبور.

كيفية زيارة القبور وآدابها

يتطرق هذا الفصل إلى كيفية أداء زيارة القبور، مشيرًا إلى استقبال القبلة عند الدعاء وعدم استقبال القبر، ويحذر من تخصيص القبور بالزيارات الجماعية أو الموسمية أو أداء العبادات عندها. كما يشدد على أهمية اتباع هدي الصحابة في التعامل مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

أحكام وآثار زيارة القبور

يناقش هذا الجزء الأحكام الشرعية لزيارة القبور، مؤكدًا جواز الوقوف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء، وفوائد الزيارة في التذكير بالآخرة والدعاء للموتى. كما يبين آداب الزيارة ويحرم المرور فوق القبور.

خاتمة الدرس والختام

يختتم الدرس بالحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيرًا إلى نهاية الموضوع المطروح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي بعض المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، ومن تلك المسائل ما أشار إليه المؤلف رحمه الله من مشروعية زيارة القبور في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروا» الحديث. وقد مرت معنا أحاديث أخرى كذلك تدل على هذا المعنى، وعلمنا من ذلك أن زيارة القبور مرت بمراحل. ما هي هذه المراحل؟ وكم هي؟ نعم، هذه المراحل هي: النهي، الأذن، ثم الحث، ثم المنع للنساء. طيب، والصحيح من باب التوضيح والتأكيد أن هذه المراحل هي معلقة بعلل، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. لهذا اختلف أهل العلم في حكم وأصل زيارة القبور، فمنهم من قال بالمنع، ومنهم من قال بالجواز مطلقًا، ومنهم من فصل. والصحيح التفصيل؛ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فإذا رجع الزمان إلى وجود فتنة في زيارة القبور فيرجع الحكم كما كان. لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. لماذا منع النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام المسلمين من زيارة القبور؟ لماذا؟ لأن الشركيات والوثنيات في المقابر وعند زيارة القبور كثيرة. فلما رباهم النبي صلى الله عليه وسلم وعلّمهم التوحيد واستقر ذلك بقلوبهم وأعمالهم، أذن لهم بزيارة القبور، وأحثهم على ذلك بعد ذلك للتذكير بالآخرة. لما استقرت قلوبهم على التوحيد والعقيدة الصحيحة، ومع ذلك في مضان الفتنة قيدت الزيارة. ففي حديث عائشة في الصحيح: «لعن الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم...» وفي رواية: «...صالحيهم مساجد». ماذا قالت عائشة؟ «ولولا ذلك لأبرز قبره عليه الصلاة والسلام». إذن هذه علة في منع الصحابة من إبراز قبر النبي صلى الله عليه وسلم للناس؛ لأجل لا يفتتن الناس بقبر النبي صلى الله عليه وسلم. صار محفوظًا مصونًا من الذي يحرسه؟ خيار الصحابة، أهل التوحيد والعقيدة يحرسون قبر النبي صلى الله عليه وسلم من أن لا يفتتن به أحد. وهذا معناه أنهم كانوا يعتنون بهذا الباب، وفي قصة دانيال المشهورة لما وجده الصحابة رضي الله عنهم وكان الناس يعظمونه ويعبدونه من دون الله عز وجل، فلما فتح الله عز وجل عليهم ووجدوا جثة دانيال كما هي ما تغيرت -نبي من الأنبياء من بني إسرائيل أراد الله أن يجعل في جسده آية فبقيت جثته كما هو مئات السنين- فلما غزا المسلمون فارس ووجدوا قبر دانيال وجثته، ماذا فعلوا؟ حفروا أكثر من بضعة عشر حفرة في مناطق متفرقة ودفنوه ليلًا. فأصبح الناس يبحثون عن دانيال: «وين دانيال؟» مثل المجانين ما يدرون وين راح دانيال. لماذا فعل هذا الصحابة رضي الله عنهم؟ حماية لحمى التوحيد وسدًا لذريعة الشرك. إذن كما قال بعض مشايخنا وعلمائنا وأشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه في رده على البكري وغيره: أنه قبر من يظن الافتتان به لا يزار ويمنع من زيارته ويخفى عن الناس. عالم كبير في بلد فيه شركيات ووثنيات، أهل هذا العالم ولو كان العالم على التوحيد وسريرته على التوحيد، ينبغي أن يخفى قبر هذا العالم، ما يمكن الناس من معرفة مكان قبره، يأخذوه ليلًا ويحفرون عشرين، ثلاثين، أربعين حفرة في عدة مناطق ويدفنونه ليلًا. يأتي الناس: «أين قبر الشيخ فلان؟ الحبيب فلان؟» ما يدرون. لماذا؟ لأنه يخشى مع الزمان أن يفتتن الناس بهذا القبر، فتكون الزيارات والشركيات والوثنيات كما هو الحاصل اليوم في كثير من بلاد المسلمين. وهذه السنة من أين أخذناها؟ من سنة الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، ومن الأدلة التي مرت معنا وسبقها. فهذه نقطة مهمة جدًا ينبغي التنبه لها في مبحث الزيارة. وكان على هذا فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم؛ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فلا نقول أن الأصل في الزيارة الجواز والحث، وأن النهي قد نسخ. لا، ما نسخ النهي؛ لم ينسخ؛ لأن النهي معلق بعلة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وننتبه لهذه القضية؛ أي ما اهتمام نهتم بها؟ أي ما اهتمام؛ فهي مسألة مهمة جدًا. ومن المسائل التي مرت معنا قضية زيارة النساء للقبور، وقد رفعت بعض الأسئلة من بعض الإخوة في كون زائرات إذا كثرت زيارتها فكيف ننهى عن من لا تكثر الزيارة؟ أجبنا على هذا فيما تقدم في الدرس بإشارات خفيفة، ونزيد توضيحًا. فنقول: زيارة النساء اختلف العلماء فيها، وعند النظر إلى الأدلة بعدل وإنصاف نجد أن أدلة المنع أقوى من أدلة الجواز والإباحة. أدلة الجواز إذا نظرنا إليها نظرًا إجماليًا فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منها صحيح ولكنه عمومات لا تدل صريحًا على الرفصة. فمن الأدلة التي استدلوا بها ما في صحيح مسلم من حديث بريدة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». قالوا: هذا عام يشمل الرجال والنساء. والصحيح أنه ليس كذلك؛ لأنه عورض بأدلة خاصة مرفوعة موقوفة كما سيأتي معنا إن شاء الله. النوع الثاني: أن منها ما هو صريح لكنه ضعيف لا يصح، وهي كثيرة. ومن هذا ما ورد في قصة المرأة التي زجرها عمر رضي الله عنه حين تبعت جنازة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعها يا عمر». والحديث ضعيف لا يصح؛ فيه سلمة بن الأزرق مجهول العين. وبمعنى حديث آخر هي كذلك ضعيفة. القسم الثالث: صحيح ولكنه ليس بصريح، مثل حديث عائشة رضي الله عنها في الدعاء إذا مرت بالمقابر. والصحيح كما تقدم معنى وأجيب عن دلالته بأن هذا فيمن مر لا فيمن زار، وفرق بين من يمر وبين من يزور. استدل بعضهم بقصة أصلها صحيح وبعض زياداتها ضعيف: أن عائشة رضي الله عنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن. ولكن الصحيح أن عائشة رضي الله عنها مرت في طريق سفرها إلى مكة بقبر أخيها عبد الرحمن. وقد نبه الحفاظ أن لفظة الزيارة غير محفوظة. والصحيح أنها مرت بقبر أخيها في طريقها إلى مكة. بل وكانت عائشة ممن تنهى النساء عن زيارة القبور، وقد ندمت وتأسفت على فعلها هذا. وقد نقل ابن المنذر رحمه الله عن جماعة من الصحابة نهيهم عن زيارة القبور، ومن هؤلاء عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وابن مسعود، وابن عمر، وابن أمامة، وجماعة. بل قال: وهذا قول أكثر الصحابة؛ أي المنع من زيارة النساء للقبور. وإذا أتينا إلى أحاديث النهي، فقد جاءت أحاديث صريحة لكنها غير صحيحة، مثل نهي النبي صلى الله عليه وسلم ولعنه لزائرات القبور. والصحيح أن هذه اللفظة ضعيفة. والذي صح من حديث ابن عباس، وحسان بن ثابت، وأبي هريرة: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور» بالفتح. وهذا معناه من تكثر الزيارة. وجاء بلفظ «زوارات» بالضم، وهذا كذلك صحيح، ومعناه النساء. نهى عن النساء التي تزور القبور؛ فالروايتان تدل على الكثرة وعلى الأحد. فلا يجوز زيارة النساء لا بوجه التكرار ولا بغير التكرار. وإذا نهي عن زيارتهن مجتمعات، فمن باب أولى أن ينهى عن زيارتهن منفردات؛ لأن الفتنة في الانفراد أكثر. ولأجل هذا وغيره، الصحيح أنه ينهى النساء عن زيارة القبور سدًا للمفاسد الكثيرة التي تترتب على زيارة النساء للقبور. والغالب أن النساء لا يصبرن ولا يتحملن المصيبة، فيصدر منهن من الأقوال والأفعال والمواقف ما لا يليق. وأما الاستدلال بحديث معقلة: «نهينا عن زيارة القبور ولم يُعزم علينا»، فالصحيحة أولًا أن بعض أهل العلم تكلم في لفظة «لم يُعزم علينا». وعلى القول بتصحيحها، فالصحيح أنه لم يُعزم علينا في أول الأمر، ثم بعد ذلك قد عُزم على ذلك؛ بلعن النبي صلى الله عليه وسلم زوارات القبور، وزوارات القبور كما صح عنه من غير وجه عليه الصلاة والسلام. ثم حديث معاوية: «هذا مشعر لكل منصف أن حكم النساء في زيارة القبور مختلف عن حكم من؟ الرجال». أن حكم النساء مختلف عن حكم الرجال، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. ولهذا كان الراجح -والله أعلم- نهي النساء عن زيارة القبور، ويكتفى بهن بالدعاء من مكانهن. وإذا مرت المرأة بالمقبرة في طريقها، فلا بأس أن تدعو بالدعاء المشروع المأذون به كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وأما كونه يقف الزائر مستقبلًا للقبلة، فلحديث أنه جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة لما خرج إلى المقبرة». أخرج أبو داود من حديث البراء، وهو صلى الله عليه وسلم خرج في هذا الحديث مع جنازة، فأفاد مشروعية قعود من خرج مع الجنازة مستقبلًا حتى تدفن. وهذا الحديث حديث صحيح، وقد جاء معناه في أحاديث أخرى كثيرة. وهكذا فعل الصحابة رضي الله عنهم مع قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا ينهون من يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم في أن يستقبل القبر ويستدبر القبلة. بل كانوا ينهون أن يقف الإنسان عند قبره عليه الصلاة والسلام كما صح ذلك من غير وجه عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وهذا يفيدنا لحكم مهم جدًا من المباحث المهمة في زيارة القبور، وهو المبحث الثالث. المبحث الأول: تكلمنا على أصل زيارة القبور، وعلمنا أن الأصل ماذا؟ الرخصة والمنع. لا، ما قلنا المنع، ولا قلنا الرخصة. الصحيح التفصيل؛ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. طيب، والمسألة الثانية: في زيارة النساء. والمسألة الثالثة: في كيفية الزيارة. فهذه المسألة التي أشار إليها من كيفية الزيارة؛ فالزيارة المأذون فيها والمشروعة هي التي لا تصاحبها في كيفيتها شيء ينافي الشرع، فتكون في حدود المأذون للممنوع. ومن ذلك: أنه لا تشد الرحال إليها. ومن ذلك: كما جاء بحديث أبي سعيد: «لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد». أن لا تكون عيدًا؛ يعني يحتفى ويحتفل بها أو يعاد بالزيارة إليها في كل موسم. الثالث: أن لا تكون فيها شيء من مظاهر الوثنية والشرك؛ فلا تعبد من دون الله، ولا يفعل عندها كل ذريعة ووسيلة تفضي إلى التعظيم والشرك. ومن ذلك: الزيارات الجماعية؛ لا يؤذن بالزيارات الجماعية ولا الموسمية، ولا بأداء شيء من العبادات عندها؛ لا بدعاء ولا بقراءة قرآن ولا بصلاة ولا غير ذلك مما هو يفضي لتعظيم هذه القبور. بل الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يجوز تخصيص زيارة قبور الأنبياء والصالحين والعلماء؛ فإن هذا من ذرائع الشرك والافتتان بها. وصنيع الصحابة رضي الله عنهم خلاف هذا؛ كانوا يحرصون على أن لا تكون هناك ذريعة لفتنة في قبر. ومن هذه المسائل: استقبال القبلة بالدعاء لا استقبال القبر والميت؛ بل يستقبل القبلة. فإن قال قائل: هل يجوز أن يجعل القبر بينه وبين القبلة؟ في هذا خلاف؛ أكثر أهل العلم على المنع؛ يعني لا يجعل القبر بينه وبين القبلة؛ حتى لا تكون فتنة في أن الداعي يسأل القبر لا يسأل الله سبحانه وتعالى. ولهذا أغلق طريق الزيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم من خلف القبر، وأذن أن يكون الزيارة من أين؟ من أمام القبر؛ لأجل الذي يدعو يدعو مستقبل القبلة، مستدبر القبر. لا يكون مستقبل القبر ومستقبل القبلة؛ استقبال القبر واستقبال القبلة ذريعة للإفتتان بهذا القبر. لهذا الكثير من المتصوفة والوثنيين من الباطنية وغيرهم ما يستدبرون قبر النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا؛ يمشون وهم مستقبلين القبر منكسين داعين. وهذا من الشرك الذي لا يجوز؛ إن لم يصل إلى الشرك الأكبر فهو الشرك الأصغر. لماذا؟ لأنهم فعلوا ما هو وسيلة للشرك الأكبر. حتى لو قالوا: «نحن ندعو الله». يقال: «بهذه الطريقة لم تدعوا الله بالوجه الصحيح». ولهذا كان الصحابة ينهون عن استقبال قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء. بل كانوا ينهون أن يقف الإنسان عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم عند الدعاء، فيطردون الناس من التجمع حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يزال هذا بفضل من الله إلى يومنا هذا ممنوع؛ ما في أحد يستطيع يتجمع ولا يقف فيدعو. ونسأل الله أن يديم هذا الخير وهذا التوحيد. قال رحمه الله تعالى: «قال: فأفاد مشروعية قعود من خرج مع الجنازة مستقبلًا حتى تدفن، وكذلك مشروعية الاستقبال للزائر لكونه قد خرج إلى المقبرة كما يخرج من معه جنازة، وقعد كما يقعد». وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الزيارة: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإن إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». فينبغي للزائر أن يقول ذلك. وهذا الدعاء يدل على افتقار المزور إلى دعاء من يزور هذا القبر. وما كان كذلك فلا حرج فيه. وأما الأدعية التي فيها الشفاعة بالجاه وبالصلاح وغيره، فالصحيح أنها من ذرائع الشرك؛ أنها من ذرائع الشرك التي ينبغي أن تغلق وتسد. وهناك تفاصيل كثيرة لا يسع ذكرها في مثل هذا الكتاب. نحن في كتاب فقه. لكن نسأل الله عز وجل أن يوفق ويسر بقراءة الكتب الخاصة في هذا الباب. وقد تم قراءة بعضها، ونسأل الله أن يسر البعض الآخر. طيب، نكتب بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونترك الباقي في درس لاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال: «هل لا يجوز تعزية أهل الميت بعد اليوم الثالث من موت الميت؟» هذا ما عرفناه. نعم، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن التعزية بعد ثلاث. يقول: «كيف يفعل من لا تطاوعه نفسه وعلى تعظيم شيخه ويعلم أنه على خطر؟ فما هو العلاج؟» العلاج: أن يقرأ في سيرة الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من أئمة الدين: كيف كانوا يجمعون بين الاحترام والعدل الذي ينبغي أن يكون في التعامل مع أهل العلم والفضل دون غلو ولا ذلة. وقد كان الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان من أئمة الدين وعلماء كذلك إلى يومنا هذا ينهون عن مواطن الفتنة والمدلة. كان شيخنا محمد مصطفى الثمين رحمه الله يغضب إذا أحد يمشي خلفه، عقب نعليه وخلف جسده، فيقول: «لا تعرض نفسك وغيرك للفتنة، تعال عن يميني أو عن شمالي». وكذلك في التوطيء في التحية كان السلف ينهون عن ذلك. وبعضهم يسميه: «السجود الصغرى» التوطيء في التحية؛ فلا ينبغي فعل ما فيه فتنة لك ولغيرك. فالاحترام يكون بالتعامل بالكلام، تحبب على رأسه، هذا مواضع مأذون فيها مشروع فيها، ونحو ذلك. وبعضهم يكره حتى هذا؛ يقول: «ما هو علاج ضعف الهمة في طلب العلم ووداعة الأعمال الصالحة؟» العلم والعمل: تقرأ كلام أهل العلم وتطبق وتعمل، وتحرص على مرافقة الصالحين الذين يحثونك بأعمالهم واجتهادهم على العمل. وتعرف في حديث أبي هريرة قصة الرجل أرشده العالم أن يذهب إلى الأرض الفلانية؛ فإن فيها قومًا صالحين يعبدون الله؛ يذهب يعبد الله معهم. وقد جاء في الإسلام ما يدل على ذلك في مواضع كثيرة؛ شرع الاعتكاف لأجل أن يعان الناس في الاعتكاف حين يكون بعضهم مع بعض على ماذا؟ على تفرغ للطاعة والاجتهاد في العبادة. الإنسان في بيته ما يستطيع يجتهد كما يجتهد في العشر الأواخر -أليس كذلك؟- بلى، وهذا مجرب ومشاهد. لكن حين يأتي إلى المسجد ويتفرغ النهار بالصيام والليل بالقيام وقراءة القرآن، ماذا؟ يسعد على ذلك؟ انتقاله من بيئة فيها فتور إلى بيئة فيها ماذا؟ نشاط، حيوية، وجد، واجتهاد، وأناس صالحين ثابرون مجتهدون؛ فيحتقر نفسه ويبدأ يجتهد ويصلح من حال نفسه. وهكذا كذلك يفعل الإنسان: والهجرة من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر، ومن بلاد البدعة إلى بلاد السنة، ومن بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة؛ كل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل معانة على الخير. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين؛ المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما؛ يعني لا ينبغي أن يغترب خيمة بعضهما من بعض، وسكن بعضهما من بعض». وهكذا كذلك الذي يريد الخير والصلاح يساكن أهل الخير والصلاح، يغترب منهم. فهذه المراكز الطيبة المباركة كذلك عون لك بإذن الله على حب الخير والإقبال عليه. وكونك تجلس بحلق العلم كذلك. والنبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث: «ألا أخبركم بنبأ ثلاثة؟ أما الأول: ماذا؟ آوى فآواه الله». اقترب من الحلقة ودخل، وجد فرجة فأعانه الله. وفي الحديث: حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: «ما تقرب إلي عبدي بمثل ماذا؟ ما افترضت عليه». «وإذا تقربت شبرًا تقرب الله منك ذراعًا، وإذا تقربت ذراعًا تقرب الله منك باعًا». وهكذا؛ فأنت اقترب من الله وستجد من الله الإعانة في قربك. ونسأل الله نعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء. يقول: «امرأة تخرج لترعى الغنم فتمر في وسط المقبرة، هل تعتبر هذه زيارة؟» أولًا: لا ينبغي لها أن تمر بغنمها في وسط القبور. نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمشي الرجل على القبور، والبهائم كذلك. كونك تمر بالبهائم فوق القبور، فهذا ليس من احترام القبور وأهلها. بل ينبغي إذا أرادت أن تمر لا تمر فوق المقبرة، تمر عن يمينها، عن شمالها، أمامها، خلفها، لا تمر فوق القبور. وإذا مرت بجانبها فتسلم كما علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها. ولا يدخل هذا في الزيارة المنهي عنها. يقول: «ما هي الفائدة من زيارة القبور؟ وهل ينتفع المقبور؟» الفائدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور؛ فإنها تذكر الآخرة». وهكذا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «زوروا القبور؛ فإنها تذكر القبر». وهي رواية صحيحة؛ تذكر القبر؛ يعني تذكرك بأول منازل الآخرة. وهكذا كذلك فيه منفعة لهذا المزور بالدعاء له وللمسلمين الذين في المقبرة. فأنت لما تذهب علمك النبي صلى الله عليه وسلم دعاء تدعو فيه لنفسك ولهؤلاء المقبورين: «نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا وارحمنا وسائر المسلمين، واجعلنا هداة مهتدين». وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.