كتاب الحج 12

كتاب الحج 12

الدرس في كتاب الحج 12، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب السفر في الحج

يتحدث عن آداب وأحكام السفر من عرفة إلى مزدلفة ومن ثم إلى منى، مع التركيز على مخالفة المشركين ورخص السفر للنساء والضعفاء. يشمل تفاصيل حول توقيت الخروج والوصول.

رمي الجمار وتفاصيله

يشرح تفاصيل رمي الجمار في الحج، بما في ذلك كيفية الرمي واتجاهه ومكان الجمرة الكبرى وتغييراتها عبر الزمن، مستندًا إلى حديث جابر عن صلاة النبي ورميه الجمرة.

ترتيب أعمال يوم النحر

يشرح ترتيب أعمال يوم النحر وهي الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف والسعي، ويبين كيفية نحر النبي لإبل بيده واستدلالات حول جواز النحر في مكة ومنى.

أحكام الذبح والحلق

يتناول أحكام الذبح في الحج، مثل جواز الذبح بنفسه أو توكيل غيره وتقسيم الدبائح على أيام التشريق، واستحباب حلق الرأس بعد النحر وفضل الحلق على التقصير.

رمي الجمرات وأحكام متعلقة

يشرح رمي الجمرات في الحج، ويتطرق إلى حكم الدعاء بعد رمي الجمرة الكبرى وحكم أخذ الأجرة على الحج والعمرة البدل، ويوضح أن الجمرات ثلاث وترتبط بأعمال أيام معينة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي بعض ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل وأحكام وآداب في الوقوف بعرفة وما يتبعه. وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متى خرج إلى عرفة؟ نعم، يوم التاسع. في أي وقت بعد الظهر، قبل الظهر، بعد الظهر؟ مشى من منى إلى عرفة. هكذا يوافقون نعم. عندك هنا، متى مشى إلى مزدلفة؟ يعني نزل في مزدلفة. ها، بعد الإشراق نزل في مزدلفة؟ لا، أنا أريد متى خرج من منى وإلى أين نزل؟ بعد الفجر مباشرة، إلى أين؟ أين نزل؟ نمرة، فضربت له قبة في نمرة. نعم، ثم نزل بها عليه الصلاة والسلام. إذن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليس بعد الإشراق، ولكن في الضحى، ليس بعد الإشراق مباشرة وإنما بعد ذلك، وضربت له قبة في نمرة، فنزل بها عليه الصلاة والسلام حتى زالت الشمس، صلى لأصحابه الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، وخطب بهم، ثم ذهب إلى جهة الصخرات وتوجه للقبلة يدعو. ماذا يسمى الموضع الذي ذهب إليه عليه الصلاة والسلام؟ ماذا يسمى؟ جبل الرحمة. فهل يستحب الوقوف عنده؟ لا يستحب، الصحيح لا يستحب تخصيصه بالوقوف، بل كل عرفة موقف. قال عليه الصلاة والسلام: «وقفتها هنا وعرف كلها موقف، وعرف كلها موقف». نعم. ومر معنا كذلك أنه يبقى في عرفة يتفرغ للدعاء حتى متى؟ متى يخرج من عرفة؟ ها، بعد غروب الشمس. نعم. وكانت قريش ترى أن الخروج من عرفة لمن يذهب إلى عرفة -يعني من غير أهل مكة من غير أهل الحرم- يخرجون قبل غروب الشمس، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خالفهم في ذلك. وهذه من المواضع التي خالف فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المشركين وتابع فيها سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. ومن آداب الانطلاق من عرفة إلى مزدلفة من أهم الآداب: السكينة والرفق حتى لا يحطم الناس بعضهم بعضًا. وماذا فعل في مزدلفة؟ ماذا فعل؟ صلى جمعًا وقصرًا، العشاء. نعم. حسنت. ولا بأس أن يؤخر قليلًا. فثبت أنه صلى المغرب، ثم أنزلوا المتاع، ثم صلوا العشاء -يعني أن يكون فاصل بين الصلاتين لحرج-. وهنا يأتي سؤال ويتكرر: هل أوتر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة، والأمر واسع، وهذا مما يسع به الخلاف. والصحيح على عموم الأدلة أن الوتر لا يترك لا في سفر ولا في حضر. فكونه لم ينقل أنه أوتر لا يعني أنه لم يؤتر، فعدم النقل ليس نقلًا للعدم، بل قد يكون معناه أنه إن أوتر أوتر شيئًا خفيفا يسيرًا لم ينتبه له من معه أنه فعل ذلك. وكذلك مر معنا من المسائل أنه كذلك يصلي الفجر في مزدلفة وينطلق متى من مزدلفة؟ متى ينطلق؟ بعد طلوع الفجر، حين يسفر جدًا. هذا هو الضابط: يسفر جدًا وقبل شروق الشمس. خالف في هذا الموضع كذلك المشركين، فكان المشركون في الجاهلية من سنتهم أنهم أولًا لا يخرجوا من كان من أهل الحرم من مزدلفة، وقوفهم يوم عرفة في مزدلفة. فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخرج في جميع من معه إلى منى. وما كانوا يظنون ذلك ويظنون أن أهل الحرم يبقون في الحرم وأهل غير الحرم هم الذين يخرجون إلى منى فقط. فخالفهم في هذا عليه الصلاة والسلام فخرج لجميع منى. والثاني: أنهم كانوا ينفرون من مزدلفة بعد شروق الشمس، فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخرج حين أسفر جدًا ولم تشرق الشمس قبل شروق الشمس. واستمر من بعد الفجر يدعو كما أمره الله عز وجل أن يدعو عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا فانطلق عليه الصلاة والسلام. وكذلك قلنا: أنه يرخص لمن يمشي ومتى؟ عندك في الليل، متى في الليل؟ بعد صلاة العشاء، قبل صلاة الفجر -يعني بنصف ساعة فقط- نصف الليل أحسن. نصف الليل وهو وقت غروب القمر في تلك الليلة. تلك الليلة ليلة العاشر. وليلة العاشر يغرب القمر بعد منتصف الليل. القمر له شروق وغروب، والقمر له شروق وغروب معروف بالحساب. فمن قال من الرواة بعد غروب القمر أصاب، ومن قال بعد منتصف الليل كذلك ماذا أصاب؟ وكلا الروايتين رويت وصحت. فرخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للنساء والضعف ومن في رفقتهن. وأفتى علماؤنا ومشايخنا أن أهل المركوب الواحد لهم نفس الحق. مثلًا باص النساء فيه النساء الآن أكثر الحملات تتحرك بماذا؟ الباصات، طيب الحافلات. فالحافلة التي فيها النساء عزموا أن يتحركوا بعد منتصف الليل، وفي هذه الحافلة النساء ومحارم النساء وأحيانًا معهم بعض العزاء. فماذا يصنع العازر؟ إن أراد أن ينزل جاز له أن ينزل، وإن أراد أن يبقى لوجود المشقة في نزوله فله أن يبقى. لماذا؟ لأنه قد يشق عليه إذا فارق الرفقة المشي على الأقدام، وكذلك ضياع الرفقة وعدم معرفة الطريق وغير ذلك من الأمور الأخرى. بل ربما لا يسمح له ببعض الحملات لا يثقون ببعض الناس ويخافون أن ينشغلوا بضياعه أو يصيبه شيء بسبب الزحام وعدم معرفته الترتيبات والطريق. فلا يسمح لأحد الخروج من المركوب. فيسأل الكثير من الناس: هل يسمح لنا أن نمشي ونترخص بعد منتصف الليل؟ الجواب نعم، متى؟ إذا كان ماذا؟ ما هو الشرط؟ والمركوب واحد، إذا كان مع نفس المركوب الذي فيه رخصة فإنه يرخص له كذلك. وقد صح عن ابن عباس كان مع رفقة النساء رضي الله عنه وارضاه، فرخص للجميع عليه الصلاة والسلام. وقلنا: أنه يسن الإسراع في موضع واحد، متى وأين؟ عند وادي محسر، متى؟ حين ينطلق من مزدلفة إلى منى. ووادي محسر واد بين مزدلفة ومنى. ويقول العلماء: أنه هناك في الحج في مواضع الحج واديان، وادي بين حرمين، ووادي بين حرم وحل. الوادي الذي بين موضعين هما من المواضع التي فيها الحرمة -يعني من الحرم- هو وادي محسر بين منى ومزدلفة، ووادي بين حرم وحل وهو وادي عرنة يفصل بين جهة مزدلفة وجهة عرفة. فلذلك قال العلماء: أن هناك واديان يفصلان بين مواضع الحج وهما مما سمعتم. ووادي محسر بين مزدلفة ومنى، ووادي عرنة قبل عرفة. آخر ما قرأناه رمي الجمار، قرأنا حديث جابر، الصحيحين وغيرهما من حديث جابر، قال رحمه الله تعالى: وفي حديث جابر عند مسلم رحمه الله تعالى وغيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا -يعني بين المغرب والعشاء لم يصل نافلة-. ثم اتجه حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. وقوله: «حتى طلع الفجر» استدل بهذه اللفظة بعض أهل العلم أنه لم يوتر، ولكن الصحيح أنه لا يلزم ذلك. لأنه لم يذكر كل الوقت، ثم قد يكون لم يطلع لأنه نام ولم يدري ما حصل بعد اتجه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان من عادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وتره أنه لا يجعله متصلًا بالفجر، بل كان يوتر في الثلث الأخير من الليل الغالب. وإلا فكان يوتره من كل الليل، ولكن في الغالب يوتره في الثلث الأخير، ثم ينام بعد هذا الوتر. ينام بعد هذا الوتر أو يتجه ولا ينام، أحيانًا يقوم ولا يتوضأ. ومعناه أنه اتجه ولم ينم. وثارة يتوضأ عليه الصلاة والسلام. والغالب أنه لا يتوضأ -أي أنه لا ينام-. قال رحمه الله تعالى: قال حتى يتبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا. فعلى ما أمره الله عز وجل أن يأتي المشعر الحرام فيدعو ويذكر الله كثيرًا. وكان أهل الجاهلية يذكرون آباءهم ويفتخرون بها في هذا الموضع، فأمر الله عز وجل أهل الإيمان والإسلام أن يذكروا الله أعظم من ذكرهم لآبائهم -يعني ما كان يفعله أهل الجاهلية في جاهليتهم- فيدعى الله ويذكر بالذكر المشروع الذي فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من التكبير والتهليل والتوحيد، وكذلك الدعاء. قال: «فدفع قبل أن تطلع الشمس». وهذا الموضع كما قلنا الذي خالف فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المشركين، فكانوا يطلعون بعد طلوع الشمس وشروقها. ولذلك كان من مقولتهم المشهورة كما جاء في الحديث: أنهم يطلبون من جبل أشرق ثبير كيما نغير -يعني يطلبون من جبل هناك اسمه ثبير أن تطلع الشمس لأن الشمس تطلع من جهته كي ينطلقوا فينتهوا من أعمال يوم العاشر-. وأما في الإسلام فإن السنة أن يخرج الناس من مزدلفة قبل شروق الشمس عند أن يسفر جدًا -يعني يكون الضوء قد انتشر-. وهذا بخلاف أهل الرخصة فإنهم يمشون بعد منتصف الليل كما تقدم. قال: «حتى أتى وادي محسر». أحرك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة التي تخرج على الجمرة الكبرى». وهذه الطريق الوسطى هي الطريق التي تسمى اليوم بطريق المشاة. اليوم تسمى طريق المشاة. وقد جعلت لها الضلالة طريقًا مهيئًا هي الطريق الوسطى لأنها تأخذ صاحبها مباشرة إلى الجمرة الكبرى. لأن منى عبارة عن أودية، واليوم سهلت بالشوارع، وهناك أرقام لهذه الشوارع. لعله يسر الله يأتي التنبيه عليها في درس لاحق حتى يعرفها الحاج. فهذه الأرقام تعين الحاج أن يعرف الطريق والاتجاهات. ومنها أن الطريق الوسطى هي الطريق التي تؤدي مباشرة إلى الجمرة الكبرى. قال: «حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف». رما من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر. الجمرة الكبرى كانت في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طرف جبل، وفي طرف هذا الجبل شجرة. وكانت ترمى من جهة واحدة -يعني لا يستطيعون أن يرمونها من كل الجهات-. فالذي يرميها يضطر أن يرميها من جهة واحدة، فتكون منع عن يمينه ومكة عن يساره، ويرميها من جهة واحدة لأنها في ظهر هذه الجمرة جبل، وفي طرفه شجرة. لكن مع توسع الناس وتوسعة موضع حجاج الناس وسع القائمون على تلك المواضع مكان الجمرة، فكسروا هذا الجبل ومسحوه حتى صار حول الجمرة الكبرى ساحة. ولكن ترى في مؤخرته من الجهة المذكورة نفسها أنه في طرفه جبل. هذا الجبل كان ممتدًا في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصل إلى الجمرة الكبرى. ولهذا ترمى من جهة واحدة. وأما اليوم فيجوز أن ترمى من كل الجهات على الصحيح. لكن يبقى سؤال: هل يستحب أن ترمى من جهة واحدة؟ الجواب لا. لأن هذا كان له سبب، وما دام أن السبب زال فيمكن رميها من كل الجهات. فالمستحب هو أن تخفف عن الحجيج، فترمى من المكان الذي لا يكون فيه زحام. قال رحمه الله تعالى: «يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف» -يعني لما يرمي بسبع حصيات يقول أولًا بسم الله، ثم مع كل رمية الله أكبر-. لا يرمي الحصيات كلها دفعة واحدة، ولا اثنتين منها أو أكثر دفعة واحدة، بل لابد لكل حصاة رمية. فإذا رمى اثنتين أو أكثر مرة واحدة حسبت واحدة. حتى لو وضع عشرًا وخطأ أن يفعل هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». وقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد مردود على صاحبه». ولابد أن نتقيد لأنها عبادة، ونحن مأمورون بالاقتداء في هذه العبادة. ومثل حصى الخذف لا تكبر ولا تصغر، زيادة حصى الخذف هو ما يوضع بين الأنملة والإبهام -سواء السبابة أو المسبحة أو التي تليها- فأنت الذي تستطيع تضعه تقريبًا أصغر من حبة نواة التمر. أصغر من حبة نواة التمر -يعني مثل حبة البازيلاء الكبيرة-. والحجر لا يأتي مستدير مثل حبة البازيلاء، لكن يكبر قليلًا ويصغر قليلًا لا بأس. المهم أن يكون في هذا الحجم الذي ماذا؟ ما هو المقصود من هذا الحجم؟ لا يكسر عظمًا ولا يجرح لحمًا. بخلاف الكبير فإنه قد يكسر وقد يجرح. ثم يراعي أن يرمي في الحوض حتى لا يؤذي الناس. يراعي أن تكون الرمية في الحوض. ليس المقصود أن تصيب الشاخص هناك. شاخص داخل الحوض -يعني عمود-. ثم لما وسع الحوض وسع هذا الشاخص، فصار بدل ما كان عمودًا صار جدارًا. اليوم صار جدارًا. فالمقصود ليس أن ترمي هذا الجدار، ولكن المقصود أن يقع الحجر في الحوض. فلذلك إذا رميت الجدار فخرج الحجر برع خارج هذا الحوض عليك أن ترمي مرة أخرى حتى تسقط داخل الحوض. فلا ترمي من بعيد حتى لا تؤذي الناس، واقترب وارمي داخل الحوض. كذلك من هذه الأمور يخطئ بعض الناس يظن أنهم يرمون الشيطان، وإنما نحن نتعبد لله عز وجل بفعل هذا الرمي. ولو كان أصل القصة مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع الشيطان، لكن الآن ليس هو الشيطان، الآن فقط نحن نتعبد لله بهذه العبادة اقتداءً بإبراهيم عليه الصلاة والسلام. وكذلك بهذا الموضع فرص على الرفق وعدم الأذية والإضرار بالآخرين عند الرمي. قال: «رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر». من بطن الوادي -يعني الجهة التي قلنا بأن يجعل مكة عن يساره ومن عن يمينه- فمن الرمي من هذا المكان. وكان المكان ليس فيه الزحام، فلا بأس إذا كان هناك الزحام يرمي من أي مكان ليس فيه الزحام. لأنه إذا عارض الاقتداء بالزحام ما هو الذي يقدم؟ دفع الزحام والمشقة والضرر هذا الذي يقدم. فهو الأصل في الحج. وقوله: «ثم انصرف إلى المنحر» -يعني أنه كان العمل الثاني بعد الرمي هو النحر-. هذا لمن تأخر له النحر في يوم العاشر. ومن أراد أن يؤخر النحر يوم العاشر إلى الحادي عشر أو ما بعده. وأيام النحر أربعة: العاشر، الحادي عشر، الثاني عشر، والثالث عشر. كلها أيام ذبح ونحر. طيب والنحر والنحر يكون للإبل، والذبح يكون لبهيمة الأنعام من غير الإبل كالغنم والبقر ونحوها. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نحر إبلًا. كم كان إبله عليه الصلاة والسلام التي نحرها؟ ما ثلاثة وستين نحرها بيده. وكلها التي بإسمه مئة. والتي نحرها بيده ثلاثة وستين -يعني ما شاء الله قوة عليه الصلاة والسلام-. اليوم لا، طبعًا. نحن كنا مرة في دماج أكثر من ثلاثين شخص نريد ننحر جمل. في النهاية ماذا فعلنا؟ الجمل كلنا يتردد. امسك السكين، امسك السكين، امسك السكين. ما أحد تجاسر أن ينحر حتى جاء أضخمنا فنحر الجمل. فكان الجمل جالسًا وقام فهرب. فوقيت السكين في رقبته وقطع الحبل -يعني ثلاثين ما استطعنا للجمل قلة خبرة وقلة قوة وشجاعة-. يعني التعود على الشيء يعطي خبرة وسهولة. ليس من السهل أن تنحر الجمل أبدًا. لا تظن أنه أمر سهل. لكن على من تعود وعنده قدرة فإنه يتيسر له. فالشاهد أن هذا هو العمل الثاني بعد الرمي. قال رحمه الله تعالى في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أيضًا قال: «رمى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجمرة يوم النحر ضحى». وأما بعد فإذا زالت الشمس. ومعناه يوم العاشر يستحب الرمي أول شيء. لأنه إذا خرج من مزدلفة حين يسفر جدًا فسيصل سيصل إلى موضع -يعني الرمي في أول الضحى-. قدر المشي تقريبًا إذا كان ما في زحام حول عشرين دقيقة أو أكثر قليلًا على حسب مشي صاحبه. ربما أكثر على حسب الإنسان. وأما في غير يوم العاشر فبعد الزوال كما سيأتي معنا إن شاء الله في الأحاديث الأخرى -يعني بعض الظهر-. وكان الصحابة يتحينون كما سيأتي. قال: «وفيهما أيضًا من حديث ابن مسعود أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومن عن يمينه ورمى بسبع». وقال: «هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة» -يعني ابن مسعود فعل هذا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قال: «وفيه رواية حتى انتهى إلى جمرة العقبة». وهذا الفعل كما قلنا الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعله ليس على وجه التعبد كما قال غير واحد من أهل العلم. لأنه لم يكن هناك خيار آخر. لم يكن هناك خيار آخر. فلذلك إن تيسر الرمي بدون مشقة من هذا المكان فلا حرج يرمي. وإن كان فيه مشقة رمى من أي جهة كانت. بعد توسعة الحوض في الجمرة الكبرى. قال: «وفي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: أنا ممن قدم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله» -يعني أنه ممن تعجل فخرج من الليل-. والذي يخرج من الليل هل يجوز له أن يعمل أعمال يوم العاشر؟ هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه يجوز له أن يعمل أعمال يوم العاشر. وما هي أعمال يوم العاشر؟ هي أربعة أعمال. من يذكرها؟ فضلًا. الرمي، والنحر، والحلق، ثم الطواف. طيب. والسعي أيها؟ فهذه أعمال يوم العاشر: أن يرمي أولًا، وأن ينحر ثانيًا -يعني ترتيبها التي فعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأن يحلق ثالثًا، ثم يطوف ويسعى إن كان عليه طواف وسعي أو يطوف فقط. وما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «لا يفعل ولا حرج عليه الصلاة والسلام». إلا أنه لا يقدم الحلق قبل الرمي. فالحلق يكون بعد الرمي. فمن رمى الجمرة تحلل التحلل الأول كما سيأتي معنا في حديث عائشة رضي الله عنها وارضاها وغيرها من الأحاديث. قال رحمه الله تعالى: «وفي الصحيحين وغيرهما قالت: كانت سودة امرأة ضخمة فبطة فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من جمع بليل». والمعنى أنه ليس كل النساء طلبوا الإذن. ليس كل النساء طلبوا الإذن. بل الذي طلب الإذن بعض النساء التي تجد المشقة. وهل يجوز للمرأة لكونها امرأة حتى ولو كانت شابة قوية؟ هل يجوز لها أن تترخص؟ الجواب نعم. على الصحيح يجوز لها أن تترخص. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في رواية: «رخص للنساء». وفي رواية: «للضعفة من أهله». فمعناه أنه يجوز لكل النساء والضعفة من النساء ومن غير النساء لهم الأولوية. والنساء عمومًا لهن الرخصة ابتعادًا عن الزحام. والأفضل إذا لم يكن هناك زحام أن تبقى في مزدلفة وتدرك الدعاء في المشعر الحرام. قال رحمه الله تعالى: طيب هنا الرواية مطلقة: «أن تفيض من جمع». وجمع اسم لمزدلفة كما تقدم معنا. لأن الناس يجتمعون بها بليل. ليل مطلق قيد بالروايات الأخرى: «أنه بعد منتصف الليل». قال: «وفي الباب أحاديث صحيحة». مسلم رحمه الله تعالى وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس». وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها. ومعناها أنه بدأ بالرمي. ثم أتى منزله بمنى ونحر. وكان في ذاك الزمان ينحر الإنسان حيث تيسر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومكة كلها منحر ومنى كلها منحر». فيجوز النحر في مكة وفي منى. لكن في هذا الزمان لا ينحر الإنسان ولا يذبح إلا في الأماكن المخصصة. وقد جعلت غرامات ليست بالسهلة لمن يذبح أو ينحر في غير الأماكن المخصصة. لماذا؟ لأجل دفع الضرر. لأن الناس لما لم يضبطوا كانوا يذبحون في كل مكان. وربما بعضهم يذبح ولا يأخذ ذبيحته حتى فانتشرت الذبائح النتنة في شوارع وطرقات ووديان منى ومكة. ولأجل هذا الضرر وغيره جعلت مثل هذه القرارات المشددة حتى لا يحصل الضرر وتنتشر الأمراض. فإذن لا بد على المسلم أن يلتزم بالأنظمة والضوابط التي جعلت في أمر الذبح والنحر. وهناك أماكن خاصة يمكن أن تفعل فيها ذلك. بل يمكن أن تدبح بنفسك إذا ذهبت للمجزرة أو الأماكن المخصصة وطلبت من الجزار أن تذبح يسمح لك تذبح. ثم هو يسلف لك. وإن تريد أن تأخذ لحمك كذلك في أماكن مخصصة يسمح لك بأخذ اللحم. بل يمكن كذلك تتفق مع بعض المطابخ والمطاعم أن تأخذ دبيحتك وتطبخها. فتستفيد منها ومن معك من الرفقة أن تأكل من دبيحتكم. وهذا من أحسن ما ينبغي أن يفعل في وقت الحاج. الناس منشغلون. فمن يذهب للذبح يجمع حسنات: الحسنة الأولى دبح دبيحته، والحسنة الثانية تصدق على نفسه وإخوانه لأخذ الدبيحة والتنسيق مع مطبخ. ثم تأتي بعض الظهر، بعض العشاء، ويأكل الناس من هذه الدبيحة. فإنه يسن أن يأكل من هذه الدبائح. وهنا يأتي سؤال: هل يجوز تقسيم الدبائح بحسب الأيام لأجل أن يستفاد منها في إطعام الحجيج؟ نعم يجوز ذلك. يجوز مثلًا حملة من الحملات قسم الدبائح الحملة على دفعات. دفعة تدبح في اليوم العاشر ويذهب بها إلى المطبخ ويتغدون ويتعشون منها. ودفعة في اليوم الحادي عشر. ودفعة في الثاني عشر. ودفعة في الثالث عشر. هذا جائز لا حرج بهذا. وإن كان فيه مشقة وتصدق بها فكذلك جائز. وهنا يأتي سؤال يكثر وهو: هل يجوز التعامل مع البنوك التي تأخذ منك مالًا فأنت توكلها في الذبح؟ اختلف أهل العلم بهذا. فمن أهل العلم من أجاز التعامل مع هذه البنوك باعتبار أنك وكلتها. وهذه من ذمتك إليهم وهم المسؤولون عن أدائها بشروطها. ومن أهل العلم من قال: أنه ثبت عن بعض البنوك أنها لا تذبح في مكة فتذبح خارج مكة. وبعضها لا تذبح. فلذلك الأحوط أنك لا تفعل هذا. فالأول يفتبه كثير من المشايخ والعلماء. وأكثر مشايخنا على جوازه. وبعض المشايخ مشايخنا على المنع -كالشيخنا الشيخ الفوزان حفظه الله- وجماعة من أهل العلم لثبوت تلاعب بعض الشركات هذه. إلا إذا علمت شركة موثوقة قد زكاها أهل العلم فلا بأس في ذلك. وينبغي للمسلم والحاج أن يحذر التعامل في أمر الذبائح مع غير الموثوقين أو مع الموثوقين الذين لا يعملون على الوجه المأذون فيه. لأن هذا فيه مفاسد. أولها أن أكثر هؤلاء إلا من رحم الله يغشون فلا يذبحون على الوجه الشرعي. ولا يعطون الوصف الشرعي للدبيحة. وبعضهم قد يكون ثقة لكن من خلفه ليس بثقة. يتعامل مع من هو ليس بثقة. فالأحوط والأسلم في هذا أن تتعامل مع من يتعامل بالوجه المأذون فيه لتسلم من المشاكل والمساءلة والضرر وغير ذلك. وقوله: «ثم قال للحلاق: خذ» -يعني معناها أنه حلق بعد النحر فحلق له الحلاق وبدأ بالجانب الأيمن-. وفي هذا استحباب حلق الجانب الأيمن قبل الأيسر اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: «ثم يعطيه الناس» -يعني تبركون بشعره عليه الصلاة والسلام-. وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. وليس بهذا شيء من الوثنيات التي يستدل بها بعض الناس. ومسألة التبرك مسألة دقيقة فيها تفصيل بكلام أهل العلم. وخلاصتها أنها خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبما دل الشرع على أن ذلك يتبرك به ويؤذن ويرخص فيه. فليس كل موضع يتبرك به. وليس كل شخص يتبرك به. وإن بما دل عليه الدليل. وما سوى ذلك فالأصل المنع. قال: «وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله والمقصرين قال: اللهم وللمقصرين». ومعنى أنه دعا للمقصرين ثلاث مرات. وللمقصرين مرة واحدة. والسبب في ذلك أن الذي يحلق يترك الترفه والزينة لله سبحانه وتعالى. ولذلك بعض الناس يشق عليه جدًا أن يحلق. ويقصر تقصير خفيف جدًا. شفاضًا على شعره وزينته. وهذا نقصان في الأجر. كمال الأجر بالحلق الذي به يكون ترك هذه الزينة لله سبحانه وتعالى. وأمر آخر ينبني عليه هنا: أن الحلق يستحب ويفضل إذا كان هناك وقت طويل بالنسبة لصاحب العمرة كما تقدم بين العمرة وبين الحج. فإذا كان الوقت بين العمرة والحج قصير يقصر حتى يجعل الحلق إلى وقت الحج. وأما في الحج فيفضل الحلق مطلقًا على التقصير. قال: «واخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلى النساء». وهذا الحديث فيه: «الحسن العقدي لم يسمع من ابن عباس». ولكن هو حسن بمجموع طرقه. هو حسن بمجموع طرقه. وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله من حديث ابن عباس. من حديث عائشة. ومعناه من حديث ابن عباس كذلك. فجاء من حديث ابن عباس. من حديث عائشة بإسناد صحيح. وحديث ابن عباس فيه ضعف. وتحسنه بعض أهل العلم بمجموع طرقه وشواهده. وفيه أن رمي جمرة العقبة -يعني الجمرة الكبرى يوم العاشر- حل له كل شيء إلا النساء. وهو التحلل الأول. وفي حديث عائشة: «طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أن رمى جمرة العقبة». ومعناه أنه تحلل التحلل الأول بعد أن رمى الجمرة مباشرة. وفي هذا دليل على صحة وترجيح هذا القول. خلافًا لمن قال: لا يصح التحلل إلا بعمل عملين من ثلاثة. وهذا لم يصح به حديث صحيح صريح. فهذه القاعدة ليس لها أصل صحيح صريح. بل الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم التحلل بعد رمي الجمرة مباشرة. ولكن التحلل الأصغر ليس التحلل الأكبر. أما التحلل الأكبر فيكون بعد طواف الحج كما سيأتي معنا إن شاء الله. نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. أقول السائل: السلام عليكم. هل يلزم من حج وكيلًا عن شخص ميت أن يقول: «لبيك اللهم حج عن فلان»؟ نعم. الحج له لفظ فتقول: «اللهم إنه حجة عن فلان». ثم تلبيه كما سمع النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي حسن بعضها للعلم. قال: «لبيك عن شبرما قال: من شبرما قال: أخ لي أو ابن أخ لي». فقال: «هل حج عن نفسك ثم حج عن شبرما». والحديث فيه ضعف. لكن صحيح أنه يرتقي للحسن في مجموعة طرقه. والله أعلم. يقول: هل يجوز لبس السروال لمن خشي أن يتكشف لعدم استطاعة لبس الإحرام جيدًا؟ لا يجوز لبس السروال إلا لضرورة. أما خشي التكشف ليس عذرًا. أكثر الناس يخشون التكشف. لماذا؟ لأنهم ما تعودوا لبس الإزار. لكن الحل أنك تتعلم. تتعلم لبس الإزار. والآن توجد -يعني مع الوسائل الحديثة- وسائل كثيرة تستطيع أن ترفع فيديوهات في تعليم كيف تلبس الإزار. ليس مشكلة. يقول: ما حكم لبس الحزام للمحرم؟ لا بأس في هذا. الأصل كما قلنا: الحل الممنوع قليل. والمسموح كثير. وكل ما لم يذكر ممنوعًا فهو من الحل الذي حله الله. يقول: ما الفرق بين الجمرات الكبرى والوسطى والصغرى؟ سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في رمي الجمرات في يوم الحادي عشر. فهناك جمرات ثلاث. صغرى وهي أول ما تبدأ لمن يأتي من منى إلى جهة مكة. ثم وسطى وهي الثانية. ثم الكبرى وهي الثالثة. وسميت صغرى ووسطى وكبرى لأمرين. الأمر الأول: أنها من جهة الحجم كانت صغيرة بالنسبة للأخيرة التي هي الكبرى. وكذلك من جهة المعنى. فهي ترمى فقط اليوم الحادي عشر. وتلك ترمى في العاشر. فكانت منزلتها أكبر وأعمالها أكثر. يقول: هل الدعاء بعد رمي الحجر عند جمرة العقبة واجب؟ لا يوجد دعاء عند الجمرة الكبرى. وسيأتي الكلام عليه في أعمال يوم الحادي عشر إن شاء الله. يقول: ما حكم أخذ الأجرة عن الحج والعمرة البدل؟ يحرص الإنسان أن لا يشوش على نفسه ولا يذهب على نفسه الأجر. لا يجعل الأمر تجارة. وإنما يأخذ