كتاب الجنائز 14

كتاب الجنائز 14

الدرس في كتاب الجنائز 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم أفعال معينة عند القبور

يتحدث الدرس عن تحريم الجلوس على القبور وسب الأموات، ويستند إلى أحاديث نبوية شريفة. هذه الأفعال محرمة لأنها قد تؤدي إلى الإساءة للأموات والأحياء.

مشروعية التعزية وآدابها

التعزية مشروعة لمواساة أهل الميت وتخفيف مصابهم، والأفضل أن تكون باللفظ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ينبغي تجنب الاجتماعات التي تزيد الحزن وتسبب إسرافًا وإضاعة المال.

مسائل فقهية متعلقة بدفن الموتى

يتطرق الدرس إلى مسائل متعلقة بدفن الموتى، مثل كراهة الدفن في أوقات معينة وتحديد من ينزل إلى قبر المرأة. يتناول أيضًا كيفية التعامل مع القبور في المساجد أو بجانبها.

ختام الدرس وتأليف على الله

المؤلف يعزو الصواب لله والخطأ لنفسه وللشيطان، ويستغفر الله ويختم كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله- من مسائل تتعلق بزيارة القبور، ومن تلك المسائل تحريم اتخاذ القبور مساجد، وعلمنا أن لها صورًا. ما هي صورها؟ نعم، حتى الأول: أن تدعى في المسجد. نعم، أن تجعل القبور في المساجد. الثاني: أن يجعل المسجد على القبر أو بجانبها. ثالثًا: الصلاة إليها أو عندها أو تجعل بينها وبين القبلة، ونحو ذلك. الرابع: أن يجعل عندها أي شيء من العبادات. نعم، حسنت. ومر معنا من المسائل كذلك النهي عن التشبه بأهل الكتاب فيما يفعلون في قبورهم، ومن ذلك زخرفتها، ووضع التصاوير عندها. وما هو الدليل على ذلك؟ نعم، دليل. دليل. ها، أربع. صوتك. هم. حبيبة. نعم، أولئك إذا مات فيهم. نعم، نعم، صحيح. حسنت. عليهم حبيبة بالصحيح، فإنها ذكرت تصاوير يجعلونها عند القبور، وأشياء فيها معنى التزيين، فذكر لها النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا مسلك شرار الخلق، ولكن أما أبيهم العبد الصالح، والرجل الصالح -يعني صنعوا هذا- وهذا لا يجوز بالإسلام. وهكذا كذلك النهي عن الإسراج، وكذلك زخرفة المساجد يدخل في النهي عن الإسراج والتجصيص الذي ورد في حديث، من حديث. ها، مرة معنا حديث جابر. نعم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، أن يقعد إليه، أن يبنى عليه، أن يكتب عليه. وقلنا أن لفظة "أن يكتب عليه" فيها كلام، كما أشار في التعليق، والصحيح أن هذه العنعنة التي أشار إليها -عنعنة ابن جريج- عن الزبير، قد رويت في بعض الروايات بالتصريح بالتحديث، ولهذا حسن العلماء هذا الحديث، وأصل الحديث بصحيح مسلم. والمعنى العام الذي نأخذه من هذه الأحاديث ما هو؟ ما هو المعنى العام أو العلة في النهي عن هذه الأشياء؟ سد ذريعة ماذا؟ الشرك والغلو والافتتان بهذه القبور. فكل ما كان بمعنى هذه الأفعال يدخل فيها، فليس الأمر مخصوصًا بالمذكور، بل كل ما كان بمعنى وأولى منه، فنهي عن اتخاذها أوثانًا يدخل فيه كل ما كان يؤدي إلى عبادتها؛ لأن الوثن ليس معناه أن تكون صنمًا، كما قال بعض المتصوفة، ولكن المقصود أن يفضي إلى عبادتها ببناء، بتزيين، بزيارة، بأي صورة من الصور. وهكذا النهي عن التجصيص والكتابة والبناء وغيره، هو هذا المقصود: سد الدرائع المفضية إلى الغلو في هذه القبور والافتتان بها. وأما كونه قد وقع في أزمنة الكتابة على القبور والتعريف بأهلها، فهذا الفعل ليس يعارض، ولا يصلح أن يعارض به الأدلة الصحيحة الصريحة، بل هو من الخطأ، وربما إن وقع من أحد من أهل الفضل، يكون هذا بسبب جهله بما ورد في هذا الباب، وإلا لم يعرف في عهد الصحابة، بل لا التابعين، ولا أتباع التابعين، ولا أحد من الأئمة المعروفين، إلا النهي عن ذلك؛ لما بلغه من الأحاديث والآثار الكثيرة في هذا الباب، والله أعلم. قال -رحمه الله تعالى-: "وأما تحريم القعود عليها، فلما أخرجه مسلم وأحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر". وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن عمر بن حزم قال: "رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا على قبر، فقال: لا تؤذ صاحب هذا القبر". وهذه المسألة سبقت الإشارة إليها، وهي تدخل في عموم أذية الأموات، فإن الأموات يتأذون مما يتأذى منه الأحياء، فينبغي أن يعطى للأموات حقهم، وكذلك احترامهم. وهذا معنى من معاني كثيرة، فلا يجوز الجلوس على القبور، والنهي هذا يدل عليه. وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك أن يكون له من العقوبة ما هو أشد من أن يجلس على جمر فيصل إلى جلده، معناه أن صاحبه يستحق النار. وهكذا كذلك ما أشار إليه في الاتكاء على القبر، والحديث وإن كان فيه كلام، لكن يرتقي إلى الصحة كما أشار في التعليق، فلا يجوز الاتكاء، ولا يجوز الجلوس، ولا يجوز التخطي، ولا يجوز المشي بينها بالنعال، كما صحت الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال -رحمه الله تعالى-: "وأما تحريم سب الأموات، فلقوله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا". وأخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرج أحمد والنسائي من حديث ابن عباس: "لا تسبوا أمواتنا، فتؤذوا أحياءنا". وفي إسناده صالح بن نبهان، وهو ضعيف، ولكنه يشهد له ما ورد بمعنى من حديث سهل بن سعد والمغيرة. والمعنى أن بعض أهل العلم حسن هذا الحديث، والحديث على كل حال، ولو كان لفظه ضعيفًا، لكن لفظه ومعناه صحيح، فيدل عليه عدة أحاديث وآثار، فقد تقدم معنى، وهذا يدخل من هذا المعنى أن كل ما يؤذي الحي، فإنه يؤذي الميت، فلا يجوز أن يؤذى الميت كما لا يجوز أن يؤذى الحي، ومن ذلك سبه. قال -رحمه الله تعالى-: "وأما كون التعزية مشروعة، فلحديث: من عزى مصابًا فله مثل أجره". أخرجه ابن ماجة والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود، وقد أنكر هذا الحديث على علي بن عاصم. وأخرج ابن ماجة من حديث عمر بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مؤمن يعزي أخاه لمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة". ورجال إسناده ثقات. وأخرج الشافعي من حديث جيعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائد، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب". وفي سناده القاسم بن عبد الله بن عمر، وهو متروق. وأخرج البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا لها -أو ابنا لها- في الموت، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إليها، فقال: لعله". وفي نسخة: "له". فقال: "له أو ماذا؟" نعم. فقال للرسول: "إذن". نعم، المرسل. فقال للرسول: "ارجع إليها، فأخبرها أن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده في أجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب". قال: "فينبغي التعزية بهذا اللفظ، بهذه الألفاظ الثابتة في الصحيح، ولا يعدل عنها إلى غيرها". أشار في هذا الموضع إلى حكم التعزية ومشروعيتها، الأصل في التعزية هو الإعانة على الصبر والثبات مع المصيبة بالقول والفعل، بالقول مثل هذا الدعاء: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". كما جاء في الصحيحين وغيرها من ألفاظ. وأشار هنا إلى فضل التعزية بأحاديث أكثرها فيها ضعف، كما أشار في التعليقات. وبالجملة، معناها صحيح، يعني ينبغي للمسلم أن يواسي ويقف مع أخيه المسلم في مواضع الشدة والمصيبة، وله في هذا أجر لا شك؛ لعمومات الأدلة في هذا الباب. قال -رحمه الله تعالى-: "وأما مشروعية إهداء الطعام لأهل الميت، فلحديث عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم". خرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وصححه وابن السكن، وحسنه الترمذي. وأخرج أحمد والطبراني وابن ماجة من حديث أسماء بنت عميس ثم عبد الله بن جعفر. وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة بإسناد صحيح من حديث جرير قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة". ولا يعارض هذا ما قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأوردها هنا معنيين اثنين: المعنى الأول: وقد صح في مواساة أهل الميت بصنع الطعام لهم، فإن عندهم ما يشغلهم، والحديث صحيح بمجموع طرقه. وكذلك ما كان بمعناه من إعانة أهل الميت، مثل عندهم أطفال، فيقوم أهل الميت بأخذ الأطفال ورعايتهم، وإعطائهم ما يحتاجون في فترة العزاء، حتى يخفف عنهم ما يشغلهم عن الرعاية بحقوق هؤلاء الأطفال. والمعنى الثاني: أنه لا ينبغي أن يجعل اجتماعات بسبب هذا المصاب، فقد جاء بحديث جرير الذي أشار إليه، وفيه ضعف، لكنه الصحيح يرتقي إلى الحسن بمجموع طرقه، وقال: حسنه جماعة من أهل العلم. والذي ينبغي أن يحرص الناس على التخفيف، ومن التخفيف عدم الاجتماعات. وجرير يقول: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة". وهكذا روي بمعنى عن عمر -موقوفًا-، وجاء عن جماعة من الصحابة أنهم نهي عن ذلك. وكذلك جاء عن الأوزاعي، وروي نحوه كذلك، وكتبه الإمام الشافعي بكتابه "الأم": أنهم كانوا ينتقدون ما كان يقع بزمانهم من الاجتماع للعزاء، وصنع الطعام؛ أنه من النياحة، ومن ذلك إسراف وإضاعة المال؛ من الإسراف وإضاعة المال؛ لأنه يبدل في ذلك أموالًا لا حاجة إلى بذلها في هذا الوقت. ثم إنه كذلك يزيد في الحزن، يزيد في الحزن، وليس هذا بمطلوب، بل المطلوب التخفيف على أهل الميت. أحسن ما تقدمه للميت وأهله أنك تذكرهم بحق الميت مع حقوق الله -بعد حقوق الله سبحانه وتعالى- وتصبرهم على هذا المصاب، فإنها أعظم فرصة للإحسان في هذا الباب: أن يحسن هؤلاء إلى أنفسهم بالتوبة والرجوع إلى الله، والتخلص من الحقوق إن كان هناك حقوق على الميت. وكذلك للإحسان إلى الميت، فنلاحظ أنه في أول أيام الحزن الجميع يتفاعل، حتى إذا كانت هناك ديون يبادرون بتزديتها، أو حقوق يبادرون بالتخلص منها، وهكذا كذلك صدقة أو إحسان للميت يبادرون إلى فعله في ذلك الوقت؛ ما زالت القلوب تتذكر وفيها من الحزن ما يجعلها تتفاعل مع هذا الأمر. فإذا مر الوقت -إلا من رحم الله- نسوا هذا الميت -رحمه الله- وغفلوا عنه، وهو في حاجة إلى أن يخفف عنه، فلذلك ينبغي أن يبادر بأداء مثل هذه الحقوق في أول الأمر، فإن كان هناك دين عجل بأداء هذا الدين، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي -أجل ماذا؟- على صاحب الدين؛ أن يدفع أهل الميت، ومن قريب منه، أن يسددوا عن هذا الميت دينًا، في هذا خير لهذا الميت، وفيه إعانة له. والغالب أن التعاطف يكون في البداية، التعاطف يكون في البداية. وكذلك من المسائل التي تضاف في هذا المعنى، ولم يشر إليها المؤلف، وهي كثيرة، لكن حسبنا أن نشير إلى أهمها منها. أما هذه المسائل: أنه قد جاء وقت الكراهة في الدفن، من ذلك كراهة الدفن ليلًا، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك. وكذلك في بعض أوقات الكراهة، كما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- فيما جاء من عدة أوجه في أحاديث كثيرة: ثلاث ساعات كان ينهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، أو أن نقبر موتانا. إن تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع -يعني وقت الإشراق-، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل -يعني وقت الكراهة عند الزوال-، قال: "حتى تميل الشمس". وحين تقيض الشمس للغروب حتى تغرب. والحديث بصحيح مسلم. ومعنى أن هذه الأوقات -عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند اعتدالها أو قائم- كراهة الدفن فيها، كما يكره الصلاة، يكره فيها دفن الموتى. والسبب هو أن لا يكون في ذلك تشبه بالمشركين في هذا الباب. وهكذا كذلك من المسائل في دفن النساء: فالأحب بالدفن الأولياء والمحارم، ويؤكد أن لا يكون الرجل الذي ينزل قد قارف أهله في ليلته، كما جاء في البخاري وغيره، وجاء معنا عن عدد من الصحابة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينزل رجل قارف الليلة. لا يدخل الرجل قارف الليلة. والحكمة من ذلك -كما قال العلماء- أن الرجل الذي قارف يكون قريب عهد برؤية جسد المرأة، فنزوله قد ينزغ الشيطان فيذكره العهد القريب الذي رأى، فيتصور هذه المرأة بصورة لا تحب هذه المرأة أن تكون، وهذا مما يؤذيها ويؤذي أهلها، مما يؤذيها ويؤذي أهلها، ومما يفتح باب الشيطان. ولذلك -وهذا من أدب الإسلام- نهى النبي صلى الله عليه وسلم من ينزل إلى قبر المرأة: رجل قارف في ليلته -قارف في ليلته- يعني أتى أهله في تلك الليلة. وهكذا من المسائل التي يكمل بها ما يتعلق بهذا الباب: ما أشار إليه -رحمه الله تعالى- من استقبال القبلة. وقلنا أن بهذا إشارة إلى الكيفية التي ينبغي أن يتأدب بها بأدب الإسلام في التعامل مع القبور. وقد سبقت الإشارة إلى النهي عن شد الرحال، واتخاذها عيدًا. وهكذا كذلك أي مظهر من مظاهر التعظيم، ومن ذلك جعل العبادات، أو كذلك التزيين، أو غير ذلك. ومن هذا الوجه ما سبقت الإشارة إليه كذلك في تخصيص زيارة العلماء والصالحين، بل وحتى الأنبياء، بأي نوع من أنواع التخصيص؛ لأن هذا التخصيص يفضي إلى التعظيم والغلو الذي ينهى عنه الإسلام، الذي ينهى عنه الإسلام، فينبغي أن ينتبه لهذا المعنى؛ فهو ملحظ مهم جدًا. وكذلك من المسائل: وكذلك المسائل الكثيرة، ولكن كما قلنا: حسبنا أن ننبه على الأهم. فالهم ما قد يقع من دفن بعض القبور في بعض المساجد، فأراد الناس أن يصلح الحال، كيف يفعلون؟ الحل أن ينبش القبر من المسجد، ويخرج ويدفن في مقابر المسلمين. وما كان من مسجد في المقبرة، فيهدم المسجد، ويخرج، ولا يصلى في هذا المسجد. وما كان من مسجد بينه وبين المقبرة جدار، المسجد يبنى جدار آخر يفصل بينه وبين المقبرة. وما كان من قبور بجانب المسجد -فردية- تأخذ وتدفن في المقبرة، ولو كانت ليست داخل المسجد؛ لأنه تقدم معنى من صور اتخاذها مساجد: أن تكون حول المساجد ماذا؟ قبورًا، ولو كان قبرًا واحدًا، ولو كان قبرًا واحدًا. فتخرج هذه القبور وتدفن في مقابر المسلمين. وهكذا كذلك كل صورة من الصور التي فيها هذه المظاهر المنهي عنها، فإنه يخرج القبر ويبعد. وهكذا كذلك من المسائل التي يسأل عنها ويكثر السؤال في بعض البلاد: يشق حفر القبور؛ يشق حفر القبور؛ لأنها بلاد جبلية، مثل بلاد يافع، وبعض البلاد الأخرى التي يصعب الحصول على موضع للمقبرة، ويعرف الناس هذا في المناطق الجبلية -سواء عندنا أو في المناطق الشمالية-. ففي مثل هذه الحال إذا تعسر وجود القبور، واحتاجوا أن يدفنوا في الموضع الواحد أكثر من قبر، هل يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز. يجوز. وينبغي أن يستفاد مما يفعله بعض الناس -مثل ما يفعل في الحرمين- في مقبرة البقيع والمعلاة، فلكثرة من يدفن فيها، ولحاجة الناس إلى القبور، جعلوها بالصفة والكيفية التي يمكن أن يدفن فيها أكثر من قبر في نفس المكان، وذلك بأن يؤرخ لكل قبر، فيما يكون به تفاني ذاك القبر، فيوضع بعده قبر آخر، وهكذا. فيستفيدون من المكان الضيق لدفن القبور الكثيرة. وكذلك مما يبتلى بالسؤال عنه: أنهم في فترة ماضية -لضيق المكان- قبروا في بعض الأماكن التي صارت بعد ذلك طرقًا، وليس للناس طريق إلا هذا. وللأسف في فترة سابقة -بسبب بعض أهل السوء- فرشت هذه الطرق على بعض المقابر، فرشت هذه الطرق على بعض المقابر. فكيف يصنعون؟ الجواب: تنبش القبور، وترجع إلى مقابر المسلمين. وهكذا كذلك يسألون: إذا احتاجوا إلى فتح طريق في جهة مقبرة، في بعض البلاد الضيقة، يمتلئ البنيان، فلا يجدون طريقًا إلا أن يمر بالمقبرة، إن كان الأمر كذلك صحيح، وفعلًا لم يجد من الناس من يتسامح ويتفاعل بفتح طريق. وللأسف بعض الناس في شدة شح، ما يريد أن يتسامح بفتح الطريق، كل واحد يبخل ببيته وببنائه، أرضه. فإن كانت الدولة تستطيع أن تجبر الناس على ذلك، فالواجب إجبارهم على فتح الطريق، ولو أدى إلى هدم بعض البيوت، أو كذلك أخذ بعض الأراضي، وتعويضهم في مكان آخر. فإن لم تستطع لسبب أو لآخر، وتضرر الناس، فيجوز فتح الطريق بنبش هذه القبور، ووضعها في مكانها الذي يليق بها، الذي يليق بها. هذه أهم المسائل التي ناسب ذكرها في هذا الباب. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم. وإلى هنا والله تعالى أعلى وأعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا.