الدرس في تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تأثر جبير بن مطعم بالآيات القرآنية التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض، مما أدى إلى إسلامه بعد لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر. كما تضمنت الآيات تسلية لأهل الإيمان والصبر على البلاء.
يستدل القرآن على توحيد الربوبية بإثبات وجود خالق للكون وهو الله الواحد، ويشرح كيف يمكن استخدام الحجج العقلية لإقناع الملحدين والمشركين بوجود الله وربوبيته وألوهيته.
يحاجج الله المشركين والكافرين بأنواع الحجج لإثبات صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن المعاندين يفتقرون إلى الحجة والبرهان ويستحقون العقوبة.
كانت نتائج غزوة بدر هامة حيث قتل سبعون من الكفار وأسر مثلهم، مما يظهر نتيجة الصراع بين المسلمين والكفار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون. أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون أم لهم سلم مرقى يستمعون فيه فليأتوا بمستمعهم بسلطان مبين. أم له البنات ولكم البنون. أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون. أم عندهم الغيب فهم يكتبون. أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون. قال المفسر رحمه الله تعالى: أم خلقوا من غير شيء، أي من غير خالق، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ ولا يُعقل مخلوق بغير خالق، ولا معدوم يخلق، فلا بد لهم من خالق، وهو الله الواحد، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله ومتابه؟ أم خلقوا السماوات والأرض، ولا يقدر على خلقهما إلا الله الخالق، فلم لا يعبدونه؟ بل لا يؤمنون به، وإلا لآمنوا بنبيه. أم عندهم خزائن ربك من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصون من شاءوا بما شاءوا؟ أم هم المسيطرون المتسلطون الجبارون؟ وفعله سيطر، ومثله بيطر وبيقر. أم لهم سلم مرقى إلى السماء يستمعون فيه، أي عليه كلام الملائكة، حتى يمكنهم منازعة النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم؟ إن ادعوا ذلك، فليأتوا بمستمعهم بسلطان مبين، بحجة بينة واضحة. ولشبه هذا الزعم بزعمهم أن الملائكة بنات الله، قال تعالى: أم له البنات ولكم البنون؟ تعالى الله عما زعمتموه. أم تسألهم أجرا على ما جئتهم به من الدين، فهم من مغرم مثقلون؟ والمعنى أنك لم تسألهم شيئا، إنما أنت تبذل ولا تأخذ. أم عندهم الغيب، أي علمه، فهم يكتبون ذلك حتى يمكنهم منازعة النبي صلى الله عليه وسلم في البعث وأمور الآخرة بزعمهم؟ أم يريدون كيدا بك، ليهلكوك في دار الندوة؟ فالذين كفروا هم المكيدون المغلوبون المهلكون. فحفظه الله منهم، ثم أهلكهم ببدر. فهذه الآيات تتمة لما سبقها في محاججة المشركين، وكذلك التهديد والوعيد لهم لما صنعوا، وتسلية وتبريد لأهل الإيمان لما يلقون من الأذى، حتى يستمر في الصبر. والآيات آيات مكية، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في العهد المكي. دخل جبير بن مطعم على النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد غزوة بدر، بعد أن قتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، فتحقق وعد الله، فصار صناديد قريش ورؤوسهم الذين كانوا يتكبرون ويخطرون قتلوا، فصاروا صرعى في قليب بدر. ليس هذا فحسب، بل سبعين معهم أسروا في قبضة المؤمنين، فصاروا في ذلة ومهانة. قال جبير بن مطعم: فدخلت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بسورة الطور، وهذا قبل إسلامه، قال: فلما بلغ قول الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾، قال: كاد قلبي أن يطير. يعني كأن التاريخ يمر أمامه كالشريط، وكل آية منها فيها تهديد ووعيد للمشركين تحققت أمام عينيه. فكانت الآيات لها وقع عظيم في قلب هذا الرجل، فكانت سببا في إسلامه، لأن كل ما وعدوا به وهددوا تحقق. ففي هذا تسلية لأهل الإيمان أن ما يصيبهم وما أصابهم عليه من يصبروا، فكما حقق الله عز وجل للأنبياء وغلب مع أتباعهم بعد بلاء وشدة، وكان معها من الصبر، حقق لهم النصر. فإنما النصر مع الصبر. فلذلك صارت هذه السورة سورة عظيمة، وآياتها فيها معاني جليلة، تخويف وتهديد ووعيد للمشركين والكافرين، وتسلية وتبريد للمؤمنين. قال رحمه الله: أم خلقوا من غير شيء، قال: من غير خالق، أم هم الخالقون، أي أنفسهم. قال: ولا يعقل مخلوق بغير خالق، ولا معدوم يخلق، فلابد لهم من خالق، وهو الله الواحد. وفي هذا استدلال على توحيد الربوبية، وعلى إثبات توحيد الربوبية، وبه على توحيد الألوهية. فلا يوجد أحد خلق نفسه، ولا يوجد أحد من غير خالق، فعلم أن له خالق، فإذا كان له خالق، وأعظم من هذا خلق السماوات والأرض، فالواجب هو توحيد الله وعبادته سبحانه وتعالى باتباع رسوله والإيمان بكتابه والاستسلام لشرعه. ولهذا أتبعت بالآية الأخرى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾، لأجل التدرج من الأدنى إلى الأعلى. فخلق السماوات والأرض أمر عظيم، لا أحد يدعي أنه خلقها، ولا يمكن لأحد عاقل يدعي أنها خلقت من غير خالق. وفي هذا كذلك محاججة عظيمة للملحدين، ولذلك قد تحاج الملحد بالدليل العقلي، ما هو أعظم من الدليل الشرعي. كثير من الملحدين يقولون كلاما غير معقول، ولكنهم إذا حوججوا عرفوا أنهم يقولون ما لا يعتقدون. فإذا قال لك المشرك: إن هذه الدنيا خلقت صدفة، أو وجدت من غير خالق، فأشر إليه إلى أقرب ما تراه حولك، ولو كان بنيان صغير، قل له: أترى هذا البنيان؟ سيقول لك: نعم. قل له: هل تظن أنه خلق نفسه؟ سيقول: لا. هل تظن أنه وجد بدون خالق ولا صانع؟ سيقول: لا. ألفت انتباهه إلى صورة وورقة، أترى هذه الرسمة؟ سيقول: نعم. هل تظن أنها رسمت نفسها؟ سيقول: لا. هل تظن أنها وجدت من غير الرسام؟ سيقول: لا. وهذه أصل هذه الصورة، إن كانت شجرة أو جبلا أو منظرا جميلا، أجمل من الورقة، هل أوجدت نفسها؟ الجواب: لا. هل وجدت من غير من يوجدها ويخلقها؟ سيقول: لا. فكيف بهذا الكون العظيم البديع، هذه السماوات العظيمة الواسعة، وهذه الأرض التي لا يعرف قدر سعتها، وما أعظم منها من الكواكب والأفلاك، وما في ذلك من الجمال والكمال والإتقان؟ هل يمكن أن يوجد من غير خالق؟ فسيكون الجواب: لا. فإذن لها خالق. من هذا الخالق؟ هل تدعي أنك أنت الخالق؟ سيقول: لا. إذن من الخالق؟ خالق هذه المخلوقات هو الله العظيم الذي يستحق أن يعبد وحده سبحانه وتعالى. وغير ذلك من الحجج العقلية التي يحاجج بها أهل الإلحاد والشرك والكفر، ويتدرج معهم حتى يصلوا إلى التسليم بربوبية الله، ولازم ذلك التسليم بألوهية الله. إذا أثبت الربوبية وجب أن يثبت الألوهية. يا أيها الناس، اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، لأنه خلقكم وخلق الذين من قبلكم، فعلم أنه لا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى. وهذا هو قوله رحمه الله: ولا يقدر على خلقهم إلا الله الخالق، فلما لا يعبدونه؟ فأمه هنا بمعنى لم. يخلقوا أم خلقوا السماوات والأرض، استفهام استنكاري، معناه أنتم لم تخلقوا السماوات والأرض، فما هو الواجب؟ الواجب الاعتراف بربوبية الله وتوحيد الله عز وجل، عبادته. بل لا يوقنون، قال: به، وإلا لآمنوا بنبيه صلى الله عليه وسلم، معناه: لازم إثبات الربوبية الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم. أم عندهم خزائن ربك، أم هم المسيطرون؟ قال: من النبوة والرزق وغيرهما، فيخص من شاءوا بما شاءوا؟ لأن من أسباب كفرهم، وهذا بعض المشركين، لماذا نزلت النبوة في النبي صلى الله عليه وسلم خاصة؟ وهذا قال بعض المشركين، وهكذا أهل الكتاب من اليهود وغيرهم. فالله عز وجل يقسم الأرزاق، وعنده خزائن هذه الأرزاق. أم هم المسيطرون؟ قال: المتسلطون الجبارون، وفعله سيطر، ومثله بيطر وبيقر. يشير رحمه الله تعالى إلى هذه الصيغة، وهذه الصيغة تدل على طلب التسلط. ومعناه أن من موانع إيمانهم طلبهم للسلطة والجبروت، فهم ظنوا أن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم سينزع منهم ما هم فيه. أم لهم سلم مرقى إلى السماء يستمعون فيه؟ والمقصود أن الله عز وجل يحاججهم بأنواع الحجج، أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق، وأنه لا يمكنكم أن تكذبوه عليه الصلاة والسلام، وأنتم ليس عندكم علم، ليس عندكم إمكانية لمعرفة ما يدور في السماء ولا ما يدور في الأرض. ولهذا جاءت هذه الآيات محاجة لعنادهم وكفرهم. فليأتوا بمستمعهم، أي مدعي الاستماع، إن كان أحد يدعي ذلك، بسلطان مبين، بحجة بينة واضحة. والجواب: لا وجود لذلك كله، إذن هم معاندون، يستحقون العقوبة العظيمة. قال رحمه الله: ولشبه هذا الزعم بزعمهم أن الملائكة بنات الله. ووجه الشبه هو التحكم، تحكموا، فجعلوا لأنفسهم البنين، وجعلوا لله البنات، فسموا الملائكة بنات الله. وهذا التحكم من أين أتوا بهذا الحكم؟ هوى وتغطرس وقسمة ظالمة، فكذلك فعلوا مع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا ذكر بعده هذا، ولا شك أن المنصف من المشركين والكافرين يعرف أن هذه الأحكام التي حكموا بها أحكام باطلة، كلها عبارة عن تغطرس وقسمة ظالم جبار معاند. وهذا كذلك فيه تهديد وتخويف لهم، إذا كانوا فيما يقولون ويعتقدون أنه باطل في قضية الملائكة، فكذلك في قضية النبي صلى الله عليه وسلم. أم عندهم الغيب؟ قال: أي علمه، أو قبضه. أم تسألهم أجرا، أي على ما جئتهم به من الدين، وهم من مغرم مثقلون؟ والمعنى أنك لم تسألهم شيئا، إنما أنت تبذل ولا تأخذ. ولهذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يأخذون الصدقة، بل يأخذونها من الأغنياء، ويردونها في ماذا؟ في الفقراء، حتى لا يقول مشرك ولا كافر ولا معاند: إنما جاء بالنبوة ليأخذ أموالنا. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما سألهم أجرا، حتى الصدقة التي يأمر بها، إنما يأخذها من أغنيائهم، فترد إلى فقرائهم، لا يأخذون منها شيئا عليه الصلاة والسلام، ولا يحل له أن يأخذ شيئا. وهذا لأجل إضاح أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث مرسل من عند الله، لا يريد منهم شيئا من متاع الدنيا الذي في أيديهم. وهكذا كذلك أم عندهم الغيب؟ كذلك استفهام استنكاري، الجواب: لا يعلمون الغيب، فإذا هم يستحقون العقوبة على هذا الذي يفعلونه، والعناد الذي يصرون عليه. فهم يكتبون، قال: ذلك حتى يمكنهم منازعة النبي صلى الله عليه وسلم في البعث وأمور الآخرة بزعمهم. فعلم أن كل عناد عاند به من غير حجة ولا برهان. أم يريدون كيدا؟ قال: بك، ليهلكوك في دار الندوة. والآية أعم من أن يخص بهذا الحدث، صحيح أرادوا ذلك في دار الندوة، ولكن أرادوه كذلك قبل هذا، فقد أرادوا أن يقتلوه حيا وغائبا، كما قال الله عز وجل: ﴿إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وهذه الآية مثلها: أم يريدون كيدا، فالذين كفروا هم المكيدون، أي المغلوبون المهلكون. فحفظه الله، ثم أهلكهم ببدر. وهذا هو الذي وقع كما مر معنا، قتل منهم ومن كبارهم سبعون، وأسر كذلك سبعون آخرون.