تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف نعيم أهل الجنة واجتماعهم مع ذريتهم

يصف نعيم أهل الجنة واجتماعهم مع ذريتهم وتكرمة الله لهم. يتحدث عن ما يتنعمون به من فاكهة ولحم وخمر.

كرامة الله للمؤمنين المتقين ورفع درجاتهم

يذكر كرامة الله للمؤمنين المتقين بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة ورفع درجاتهم. يشترط أن يكون الآباء والأبناء من أهل الإيمان والتقوى.

شروط شفاعة الآباء للأبناء يوم القيامة وتأثير الأعمال الصالحة

يشترط لشفاعة الآباء وجود الصلاح عند الأبناء وسيرهم على نهج آبائهم. كثرة السجود تعين على نيل هذه الشفاعة ورفع درجة الأبناء.

شمول الدعوة للذرية وضرورة التوحيد والإيمان

الدعوة تشمل الصغار والكبار بشرط التوحيد والإيمان واتباع طريق الآباء في التقوى. نسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين المتقين.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين. وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون، يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم، ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين، فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم، إنا كنا من قبل ندعوه، إنه هو البر الرحيم. قال المفسر رحمه الله تعالى: والذين آمنوا مبتدأ، وأتبعناه، وفي قراءة واتبعتهم، معقوف على آمنوا، ذريتهم، وفي قراءة ذريتهم، الصغار والكبار بإيمان، من الكبار ومن الآباء، ومن الصغار، والخبر ألحقنا بهم ذريتهم المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم، وإن لم يعملوا بعملهم، تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم. وما ألتناهم، بفتح اللام وتسكينها، نقصناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين، مرهون، مؤاخذ بالشر، ويجازى بالخير. وأمددناهم، زدناهم في وقت بعد وقت، بفاكهة ولحم مما يشتهون، وإن لم يصرخوا بطلبه، يتنازعون، يتعاطون بينهم فيها، أي الجنة، كأسا خمرا، لا لغو فيها، أي سبب شربها يقع بينهم، ولا تأثيم به، يلحقهم، بخلاف خمر الدنيا. ويطوف عليهم للخدمة غلمان، لهم كأنهم لؤلؤ مكنون، مصون في الصدف، لأنه فيها أحسن به في غيرها. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، يسأل بعضهم بعضا عما كانوا عليه وما وصلوا إليه، تلذذا واعترافا بالنعمة. قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين، خائفين من عذاب الله، فمن الله علينا في المغفرة، ووقانا عذاب السموم، النار، لدخولها في المسام. وقالوا إنا كنا من قبل ندعوه، نعبده موحدين، إنه هو البر الرحيم. وما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة العظيمة التي فيها التخفيف والتهديد للمشركين والكافرين، وكذلك التسلية والتبشير للمؤمنين المتقين. ومر معنا في الآيات السابقة ما ذكر الله عز وجل من حال أهل الإيمان والتقوى بعد أن ذكر أهل الشرك والكفر والفجور. والقرآن مثاني كما تقدم معنا، وما زلنا في ذكر صفتي المؤمنين المتقين. فمن إكرام الله عز وجل لهم أنهم متكئين على سرر مصفوفة، كما تقدم، أي جنبا إلى جنب، بحسب أحوال هؤلاء المقربين المصفوفين. فالأزواج في جهة، والأولاد في جهة، والأصحاب في جهة. وهذا هو قوله: وزوجناهم بحور عين، ثم قال: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم. وفي قراءة وأتبعناهم، وفي قراءة ذريتهم، وهي قراءات سبعية. فكذلك من إنعام الله عز وجل أن الله عز وجل يكرم أهل الجنة بدخولهم، ولأجل أن لا يقع الحزن في قلوبهم، إكراما وتفضلا منه سبحانه وتعالى الكريم الرحمن المنان، يكرمهم بإلحاق أهاليهم إليهم، ولو كانت أعمال ذريتهم لا تعينهم على أن يصلوا إلى هذه المراتب العالية التي وصل إليها الآباء. لكن ذلك مشروط بثلاثة شروط: الشرط الأول أن يكون الآباء من أهل الإيمان والتقوى، لأن الآية قبلها ذكرت هذين الشرطين: إن المتقين في جنات ونعيم. ثم ذكر الآيات إلى أن وصل إلى قوله: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان. والشرط الثاني أن تكون هذه الذرية من أهل التوحيد وأهل الإيمان. وفي هذه الآية فضيلة من فضائل وكرامات التوحيد، فإن من فضائل التوحيد أن الله عز وجل يكفر به السيئات ويرفع به الدرجات. وهذا من فضائل التوحيد، ولهذا قال أهل العلم: هذه خصيصة يجعلها الله عز وجل لأهل التوحيد. والشرط الثالث أن يكون عند الأبناء سبب يعين الآباء على أن يشفعوا لهم، وهذا السبب هو وجود شيء من الصلاح. فوجود الأعمال الصالحة مع عدم الكبائر من أسباب تحقق هذه الشفاعة. ولما جاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله أن يكون معه بالجنة، قال: وغير ذلك؟ قال: بذاك يا رسول الله. ماذا؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعني على ذلك بكثرة السجود. أن يكون من أسباب تحقق هذه الشفاعة، فإنه يتحقق له. وهذا جمعا بين الأدلة، فالله سبحانه وتعالى كما أنه وافر رحيم، وهو كذلك شديد العقاب سبحانه وتعالى. ولم يذكر الله عز وجل التجاوز عن أهل الكبائر، ولكن إذا شاء فهو يفعل ما شاء سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير. وقوله رحمه الله: وأتبعناهم، في قراءة واتبعتهم، قال: معقوف على آمنوا. وفي هذا دليل على الشرط الثاني الذي تقدم معنا، فإن الأبناء ساروا بسير الآباء، لأنه قال: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، هذا هو الخبر والجواب. فالخبر خبر هذا الحكم والجائزة والمكافأة لمن وفر هذين الشرطين، أي من الأبناء كونهم من أهل الإيمان، وكونهم ساروا بسير آبائهم في الصلاح. ولكن صلاحهم وتقواهم لا يكفيهم لأن يصلوا إلى مرتبة الآباء، فتكرم الله الكريم الرحمن المنان بأن رفع درجة الأبناء إلى درجة الآباء. وقوله: الصغار والكبار، اختلف أهل التفسير: هل قوله سبحانه: ذريتهم، المراد الذرية من الصغار أم الذرية من السلالة، الجيل الأول والذي قبله أو الذي بعده؟ ففي هذا خلاف. والصحيح كما ذكرها هنا رحمه الله، وقال به جماعة من المفسرين: أنه يشمل الصغار والكبار من الجيل الأول والذي قبل ذلك الجيل، يعني الذرية القريبة والذرية البعيدة، إذا توفر ما ذكر من الشرطين: وجود التوحيد والإيمان، واتباع طريق الآباء في التقوى والاستقامة. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء المؤمنين المتقين. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.