الدرس في تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات التي ترد على افتراءات المشركين حول النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبت الأمر بالتذكير والدعوة إلى الله. الآيات ترد على قولهم إنه كاهن أو مجنون أو شاعر.
يتناول التفسير استخدام صيغة "أم" في القرآن الكريم، خاصة في سياق الرد على اتهامات المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم، موضحًا كيف تضيف هذه الصيغة معاني الشك والتخويف.
يناقش نقد أقوال المشركين ضد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويبين أن هذه الأقوال تفتقر إلى العقل والحكمة، مع طرح التحدي بإتيان مثيل القرآن إذا كانوا يزعمون أنه مختلق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون. قل تربصوا فإني معكم من المتربصين. أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون؟ أم يقولون تقوله؟ بل لا يؤمنون. فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين. قال المفسر رحمه الله تعالى: فذكرهم على تذكير المشركين، ولا ترجع عن ذلك لقولهم لك كاهن مجنون. فما أنت بنعمة ربك بإنعامه عليك بكاهن ولا مجنون. أم بل يقولون هو شاعر نتربص به ريب المنون حوادث الدهر فيهلك كغيره من الشعراء. قل تربصوا هلاكي، فإني معكم من المتربصين هلاككم، فعذبوا بالسيف يوم بدر. والتربص انتظار. أم تأمرهم أحلامهم بهذا القول، أم هم قوم طاغون بعنادهم؟ أم يقولون تقوله اختلق القرآن؟ بل لا يؤمنون استكبارًا. فإن قالوا اختلقه، فليأتوا بحديث مختلق مثله إن كانوا صادقين. بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله رب العالمين، واشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه الآيات تثبت ما قبلها في هذه السورة العظيمة بمحاجة المشركين والتخويف والتهديد لهم. فقول الله سبحانه: «فذكر» قال المفسر رحمه الله: «دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنه». وأخذ هذا المعنى تأكيدًا لما سبق من الأمر بالتذكير، فإن إعادة المبنى يدل على إعادة المعنى، أي داوم على التذكير المستمر ولا يضرك ما يقولونه. ولهذا قال بعده: «فما أنت بنعمة ربك» أي بإنعامه عليك بكل معاني الإنعام، سواء الديني والشرعي، وهكذا الكوني القدري. يوحي الله به، والقدري الكوني بحفظه ورعايته وكلاءته. وقوله: «بكاهن» أي خبر ما، يعني فما أنت أي لست بكاهن ولا مجنون. وهذه هي مقولات المشركين الكافرين، وليس بالجديد، بل قالوا مثل هذا كما أخبرنا الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله من قبل. وقوله: «أم يقولون» قال: «أم بل» الأصل أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، وهذه قاعدة كما تقدم وتكرر. فإتيان صيغة «بل» بصيغة «أم» لأجل إضافة معنى زائد عن معنى الإضراب، وهو أن ما يقولونه يقولونه وهم في شك. ولذلك تهمهم متناقضة ومختلفة. كأن الله عز وجل يقول: يقولون شيئًا وهم غير متفقين عليه وغير مقتنعين به. وفي هذا كذلك ردع وتخويف ووعيد، كأنه يحرك ما في نفوس المشركين والكافرين: هل فعلًا أنتم مقتنعون بهذه المقولة التي تقولونها أن هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم كاهن أو مجنون؟ فلو راجعوا أنفسهم لأجابوا أنفسهم بأنفسهم وقالوا: فعلًا إننا لسنا بقناعة بهذه التهم. ولهذا أتى بها بهذه الصيغة، صيغة التنبيه على معنى الشك الموجود في قلوبهم مع الإضراب والنفي لهذه التهمة. وهذا من فوائد وبلاغة اللغة العربية تبادل أحرفها وأفعالها بما يضيف معاني فوق المعاني الموجودة. قال رحمه الله: «يقولون هو شاعر» يعني نتربص به ريب المنون، قال: حوادث الدهر، قال: فهلك غيره من الشعراء. ومعناه مقولات قد قالها أمثالكم، واتهمتم كذلك، وهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر، وأن ما قاله سيزول كما زال قول الشعراء. وهذا كذب، ولهذا أتى به بصيغة «أم يقولون». وقوله: «قل تربصوا فإني معكم من المتربصين» قال رحمه الله: هلاككم، فعذبوا بالسيف يوم بدر. والتربص الانتظار، لكنه كما مر معنا على القاعدة: انتظار فيه معنى زائد، أي انتظروا شيئًا قريبًا سيفاجئكم. فالمتربص هو المتخوف من شيء يفجأه قريب، ولذلك يلتفت يمنة ويسرة، فقلبه وجوارحه مشغولة بالذي ينتظره. هذا هو حال المتربص. أما المنتظر فقد ينتظر وهو نائم، يعلم أن الذي سيأتيه في وقت محدد أو يأتيه بما لا يخيف. فتضمن معنى التربص وصف الهيئة، وكذلك التخويف بما خوفوا ووعدوا به وأمروا بالتربص له. ولهذا قال: «هلاككم فعذبوا بالسيف» يعني أول العذاب ما كان بالسيف يوم بدر، وغير ذلك كذلك مما كان بعد هذا. وقوله رحمه الله: «أم تأمرهم أحلامهم» قال: أي عقولهم. والأحلام غير العقول. العقل إذا صح يسمى عقلًا، وأما إذا صار عنده آلة لكن قد تصح أو لا تصح، بل مظنة عدم الصحة أكثر، فإنه حلم. ولهذا يقال: أولو الأحلام، يعني الذين شارفوا وبلغوا سن العقل. وهل الذي شارف سن العقل مثل الذي يعقل؟ لا بينهما فرق. ولهذا لم يذكر العقل ها هنا تنبيهًا إلى قصور عقولهم. ولا أدل على ذلك تلفظهم بما ليس هم في قناعة فيه. الإنسان العاقل لا يتلفظ إلا بشيء هو مقتنع به. أما إذا رمى بتهم ووصف هو غير مقتنع به، فهذا نقص بعقله. ليس هذا من خلق العقلاء. العقلاء لا يرمون بالكلمات إلا بعد تدبر وتأمل وتأكد أنها كلمة صحيحة، فضلًا عن الأحكام والمواقف التي وقف بها هؤلاء الكفار المشركون. فإنها مواقف تدل على نقص عقولهم. وقوله: «بهذا» يشير إلى ما سبق. ولهذا قال: «قولهم ساحر كاهن مجنون» أي مثل هذا لا يقوله عاقل. أولًا لأنهم قالوه بغير قناعة، ولهذا الواحد منهم يأتي بعدة ألفاظ وأحكام، فضلًا أن يكذب بعضهم بعضًا. ولذلك قال: «أم تأمرهم» أي بل تأمرهم، تأكيد لما تقدم. إضراب هذا الحكم مع كذلك إشارة إلى أنهم في غير قناعة على هذه الأحكام. وقوله: «أم هم قوم طاغون» قال: بل بعنادهم. يعني كما تقدم أتى بهذا الحرف ليدل على لفظ ومعنى. فاللفظ هو الحيرة التي هم فيها وعدم القناعة والتردد. والمعنى هو إضراب هذا القول ونفيه. فهم قوم طاغون بعنادهم، وكذلك بأفعالهم وأقوالهم. فما قالوه وفعلوه ويفعلوه طغيان، وهو خروج عن الحد، سواء الحد العقلي أو الحد الشرعي. ولهذا ذكر الأحلام قبل ذلك. أم يقولون تقوله؟ بل لا يؤمنون. قال رحمه الله: اختلق القرآن، يعني زعموا أنه ليس من عند الله سبحانه وتعالى. وهذا لأجل استكبارهم وعنادهم. وإلا فشواهد كونه من عند الله ظاهرة. ولهذا أتى به بأم التي فيها معنى الإضراب كما تقدم. وهكذا كذلك قوله: «فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين» قال: أي في قولهم. يعني إذا كان هذا مختلقًا كما تزعمون، واصطنعه النبي صلى الله عليه وسلم، إذن اصطنعوا مثله، وأنتم أهل الفصاحة والبيان والعربية. وهذا هو موضع التعجيز والتكذيب لهؤلاء.