تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الآيات الخاصة بيوم القيامة

يفسر هذا الفصل الآيات التي تتحدث عن عذاب يوم القيامة وأحداثه العظيمة مثل حركة السماء وتسير الجبال، ويبرز أهمية هذه الآيات في التهديد والوعيد للمشركين والكافرين. يُظهر العذاب الشديد الذي سيقع على المكذبين والكافرين في ذلك اليوم.

أهوال يوم القيامة وتأثيرها على الكافرين

يصف هذا الفصل الأهوال العظيمة التي ستحدث في يوم القيامة، مثل الإعصار الكبير الذي يدمر كل شيء وتتحول الجبال إلى هباء منثورا، ويبين شدة عذاب الكافرين حتى يصبح ضرس أحدهم مثل جبل أحد. يُظهر هذا الفصل مدى الدمار والعذاب الذي ينتظر الكافرين.

عقوبة المستهزئين بالدين والختام الدعائي

يناقش هذا الفصل عقوبة المستهزئين بالدين الذين يتعرضون لعذاب الله في الدنيا والآخرة، حيث يدفعون إلى نار جهنم بعنف ويتباكتون على تكذيبهم بالنار، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه تعبيرا عن التقدير والاحترام. يعكس هذا الفصل العقوبة الشديدة للمستهزئين وينتهي بالدعاء.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون﴾. قال: «إن عذاب ربك لواقع، لنازل بمستحقه، ما له من دافع عنه، يوم تمور السماء مورا، تتحرك وتدور، وتسير الجبال سيرا، تسير هباء منثورا»، وذلك في يوم القيامة. فويل، شدة عذاب يومئذ للمكذبين للرسل، الذين هم في خوض باطل يلعبون، أن يتشاغلون بكفرهم. يوما يدعون إلى نار جهنم دعا، يدفعون بعنف، بدل من يوم تمور، ويقال لهم تبكيتا: «هذه النار التي كنتم بها تكذبون». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهدون أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه كذلك آيات عظيمات، تتمة لأوائل سورة الطور، هذه السورة العظيمة التي فيها الابتداء بالتهديد والوعيد للمشركين والكافرين، والتسلية والتبريد للمؤمنين. وأتبع بعد ما ذكر في أوائل هذه السورة من ذكر الطور وما بعده، قال: ﴿إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع﴾ كما تقدم معنا، أي إذا شاء وقوعه وأنزله على من يستحقه. ثم قال: ﴿يوم تمور السماء مورا﴾، قال: «يوم معمول لواقع»، يعني معناه: إن عذاب ربك لواقع، هذا العذاب متى؟ يوم تمور السماء مورا، يعني يوم تحصل الأحداث العظام، والتي منها أن السماء تمور، أي تتحرك كما قال وتدور. والمور هو أعظم من الحركة والدوران العادية، فالقاعدة عند أهل العربية: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالمور هو حركة عظيمة ودوران عظيم يكون فيه اختلاط الأجسام والألوان، وهو ما يعرف بالإعصار العظيم، إعصار الأرض يكون فيه أخذ ما في الأرض، ربما يؤخذ ما في الأرض من أحجار وأشجار ومباني، وفي البحار يؤخذ ما في البحار حتى الأسماك والسفن، في الإعصارات العظيمة تأخذها الرياح إلى السماء من شدة الإعصار، حتى يجد ربما بعد هدوء الإعصار يتساقط السمك في الصحراء، فيجد الناس السماء تمطر عليهم أسماك، ليس عندهم بحر قريب، من شدة الإعصار الذي وقع. ولكن يوم القيامة أمره أعظم وأكبر، فمور السماء أي إعصار عظيم يأخذ بالكواكب وما فيها من أفلاك، فيعصف بها عصفا، إذانا بانتهاء كل شيء، إذانا بانتهاء كل شيء. فمن تأمله وعرف معناه تقشعر جلده وارتعد قلبه وجوارحه من هول ما يكون بذلك اليوم العظيم. وهذا تخويف وزجر وتهديد لما يكون من الله العظيم، فإذا كان الله يفعل هذا سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، فكيف بيوم القيامة؟ فكيف انتقامه من الكافرين والمشركين؟ ولهذا من زيادة العذاب: يكبر أهل الشرك والكفر حتى يكون ضرس أحدهم مثل جبل أحد، لماذا؟ لأجل أن يقع عليه العذاب على أشده وأكمله وأكبره. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا. وقوله: ﴿وتسير الجبال سيرا﴾، قال: «تصير هباء منثورا»، وذلك يوم القيامة. وكما تقدم معنا: تسير معناه أنها تصل لهذه الصيرورة على درجات ومراحل، فهي لا تصير لحظة هباء منثورا، بل تسبقها أهوال عظام، النار التي تذيب كل شيء حتى الجبال تذوب، حتى الجبال تذوب. ولهذا قال بعض المفسرين: سيران الجبال هو بذوبانها، تذوب من شدة النار التي تكون بذلك اليوم العظيم، حتى أنها تسير في الأرض بحر من الجبال الملتهبة التي تكون كالسيلان والفيضان العظيم من النار، يحشر الناس إلى أرض المحشر. فويل، قال: «شدة عذاب»، وتقدم معنا: قيل كذلك أنه واد صحيق عميق في نار جهنم، يومئذ للمكذبين، قال: «لرسل»، والخطاب عام، وأريد به كذلك من كفر وكذب بالنبي صلى الله عليه وسلم. الذين هم في خوض، قال: «باطل»، ومعناه: مجادلة ومخاصمة ومحاربة، وكل معاني الإعراض والمعاداة للأنبياء عموما، ولنبينا صلى الله عليه وسلم خصوصا. يلعبون، قال: «أن يتشاغلون بكفرهم»، سمى الله عز وجل خوضهم لعبا؛ لأن الذي يعامل الشيء العظيم المهول بمثل هذا العبث هو يلعب. إذا كان إنسان مصوب عليك البندقية في رأسك ويأمرك بصنع شيء -هذا مثال فقط يقرب المعنى- ثم أنت تجادل في أشياء ما عندك وقت فيها، صرت كأنك تلعب. ولهذا يقول لك: لا تلعب معي، أنا الآن في موقف جاد، اصنع ما أمرك. فهذا هو موافقة فعل «يلعبون» في مثل هذا الموضع. النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم من الأنبياء والرسل، أتوا أممهم ببشارة وإنذار، إن قبلوا البشارة وإلا عاجلتهم النذارة. فلما استهزأوا صاروا كأنهم يلعبون في موضع لا ينبغي به العبث. فماذا حصل؟ جاءهم عذاب الله ضغطة، وهم ماذا؟ كما قال الله: ﴿يلعبون﴾. هم يلعبون، اللعب هذا مراحل ودرجات، منهم من يلعبون حقا بالرقص واللهو والعبث، ومنهم من يجادل بالكلام الفاضي والفارغ، ساحر كاهن، واستهزاء وضحك وسخرية، ورمي فضلات -مثل ما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم- الجزور على ظهره. أين هؤلاء الذين فعلوا هذا؟ مر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم صرعى في قليل، بجر هذا نهاية ذاك اللعب والعبث. وهذا بعض عذاب الدنيا، فضلا عن عذاب الآخرة الذي ينتظرهم. وقوله: ﴿يوم يدعون إلى نار جهنم دعا﴾، قال: «يدفعون بعنف»، بدل من يوم تمور، يعني معناه: أن ذلك اليوم هو نفسه يوم يدعون إلى نار جهنم، يدعون أشد من يدفعون، معناه يشدون؛ لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، وكذلك زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى. يدعون فيه تضعيف، وهذا التضعيف فيه زيادة تأكيد وتكرار هذا الفعل، أي يشدون شدا، ويدفعون بقوة دفعا قويا سريعا متتابعا، ما في وقت، الكل يرمى إلى نار جهنم بهذه القوة وهذا العنف. وقال: «ويقال لهم تبكيتا: هذه النار التي كنتم بها تكذبون». وهذا هو مثل قول الله عز وجل: ﴿ترونها ماذا عين اليقين﴾ وذلك في ذلك اليوم العظيم، حين يرون ما كانوا يكذبون به، من باب التبكيت، كما ذكر رحمه الله، والتأكيد بوقوع العذاب الذي كذبوا به. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.