شرح أصول السنة 23

شرح أصول السنة 23

الدرس في شرح أصول السنة 23، الدرس الثالث والعشرون : (قال ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل ... ومن لقيه وهو كافر عذبه ولم يغفر له ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مبدأ أهل السنة في الحكم على أهل القبلة

يشرح المبدأ عدم الجزم على أحد من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة أو النار، ويبين موقف أهل السنة من الطوائف الأخرى. يُوضح أهمية الدليل الشرعي في الحكم على الناس.

التوازن بين الخوف والرجاء في الإسلام

يجب على المسلم أن يوازن بين الخوف من الله والرجاء في رحمته، سواء كان ذلك للصالح أو المسيء. العمل الصالح والخوف من الله ورجاء رحمته أمور متلازمة.

رحمة الله وتأثيرها على العباد

يؤكد على رحمة الله الواسعة وتوبته على العباد، مشيرًا إلى دور الحدود الشرعية في تكفير الذنوب وأهمية التوبة النصوح. يبين أن الله يغفر لمن يشاء برحمته.

أثر التوحيد على النجاة من النار ودخول الجنة

التوحيد ينجي من الخلود في النار، بينما الشرك يحرم الجنة ويوجب النار. المعاصي الأخرى تحت المشيئة، والتوحيد له فضائل عظيمة في النجاة من العذاب الأبدي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله». قال: «ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائبا غير مصر عليه، فإن الله يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات». ومن لقيه وقد قيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته، كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن لقيه مصرا غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. ومن لقيه من كافر عذبه ولم يغفر له. أورد رحمه الله تعالى هذه المباحث، وهي كذلك من أصول أهل السنة والجماعة. وهذا كذلك للرد على طوائف خالفت أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهم الوعيدية الخوارج والمعتزلة الذين يحكمون على الناس بجنة ونار. وهكذا كذلك في مقابل هؤلاء المرجئة، فالوعيدية غلوا في أدلة الوعيد، والمرجئة غلوا في أدلة الرجاء، وكل الطائفتين على خطأ وضلال. ودين الله بين الغالي والجافي. فقوله: «ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار»، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن من أصول أهل السنة والجماعة عدم الجزم على أحد من أهل القبلة بأنه من أهل الجنة والنار؛ لأننا لا نعلم الغيب إلا ما دل الدليل على ذلك، كالعشر المبشرين من الجنة، وهكذا من سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء تسميته في الأدلة الشرعية أنه يستحق الجنة والنار. فممن جاء في الجنة العشر المبشرين مثلا، وهكذا كذلك خديجة وعائشة وبلال، وهكذا كذلك الحسن والحسين، وتابت بن قيس بن شماس، وجماعة ممن جاء تسميتهم بأعيانهم وأشخاصهم أنهم من أهل الجنة. أو كذلك من جاءت تسميتهم أنهم من أهل النار، مثل الذين جاءت تسميتهم أبو لهب وامرأته: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. وهكذا كذلك في السنة من جاء تسميته أنه في النار فإنه في النار. ومن لم يأتي فإننا لا نجزم لأحد بجنة ولا نار. لكن كما قال رحمه الله: «نرجو للصالح ونخاف عليه»، نرجو له الجنة بصلاحه؛ لأن الجنة عدة للمتقين، ولأن العمل الصالح ماذا؟ جزاء أم سبب؟ سبب، سبب العمل الصالح سبب لدخول الجنة: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، هذه الباء باء ماذا؟ السببية، نعم، ليست مكافأة. والدليل أنها ليست مجازاة، نعم، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». وهكذا كذلك نخاف على المسيء المذنب، أولا قبل ذلك نخاف ونخاف عليه، نرجو للصالح يعني الجنة لأجل صلاحه، ونخاف عليه لعدم علمنا بباطنه، فنحن لا نعلم، ربما مات على غير الإسلام والعياذ بالله، وربما عنده ذنوب خفية توجب له العذاب. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أقواما يأتون يوم القيامة بأعمال عظيمة كجبال تهامة بيضاء -يعني كبيرة- جبال تهامة مشهورة بالعظم والكبر كجبال أبهى والطائف وصعدة وما حولها مما هو في جنوب الكعبة، هذه جبال تهامة مشهورة بالعظم والكبر، ولكنها تكون يوم القيامة هباء منثورا. سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي عليه الصلاة والسلام: «من هؤلاء؟ يسمهم لهم يعرفوهم؟» فأخبرهم أنهم «من جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم ويأخذون من الليل كما يأخذون» -يعني أنهم أناس من الناس الذين ظاهرهم الصلاح حتى أنهم يقومون الليل- يعني من أهل قيام الليل، هؤلاء إذن من الصالحين، ومع ذلك يذهب الله عز وجل بأعمالهم العظيمة هذه هباء منثورا. ما هو السبب؟ بيّنه النبي عليه الصلاة والسلام: «أنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». ولهذا فمن أصول أهل السنة أننا «نرجو للصالح ونخاف عليه»، ما ندري، الله أعلم بهذا الذي ظهر لنا، وأما الذي خفي فيعلمه الله سبحانه وتعالى، فنرجو بما علمنا ونخاف بما لم نعلم أن يكون شيء لا نعلمه. ونخاف على المسيء بما علمنا -يعني من ذنوبه ومعاصيه- ونرجو له بما لم نعلم من توبة أو عمل صالح مكفر لتلك الذنوب. فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن امرأة بغي -يعني زانية- من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة في كلب سقته شربة ماء، فرب عمل صالح يخلص العاصي فيه فيكون سببا في تكفير بذنوبه ومعاصيه. ورب معاصي تكون سببا في دخول النار ولو كان عنده عمل صالح كثير في مقابل ذلك، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. فانظر كيف أن هذه دخلت في سقية ماء لكلب الجنة، وتلك دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض -يعني من بقايا الأرض-. وهكذا كذلك نخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله، نرجو له لأنه ربما يكون عنده عمل صالح، ورحمة الله واسعة، أو يغفر الله له، ويغفر الله لمن يشاء، كما قال سبحانه: «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء»، إما بتوحيد، إما بتوحيد أو إخلاص أو عمل صالح أو أي سبب من الأسباب الأخرى، أو فضل الله سبحانه وتعالى. وقوله: «ومن لقي الله بذنب يجب له به النار كائنا غير مصر عليه، فإن الله يتوب عليه»، للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا»، فالله عز وجل يغفر الذنوب جميعا، يتوب على من تاب. وقوله: «ومن لقيه وقد قيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا»، وطبعا التوبة المقبولة هي التوبة المستوفية للشروط، ومر معنا أن شروط التوبة: كم هي؟ الإخلاص، من شروطها، طيب، الندم، العزم على عدم العودة، الإقلاع عن الذنب، وأن يكون في وقتها، نعم، وأن يكون في وقتها قبل أن تغرغر النفس وقبل أن تطلع الشمس من مغربها. وقوله: «ومن لقيه وقد قيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته» إلى آخره، يشير إلى ما ورد من أدلة، منها ما جاء في الصحيحين من حديث عباد بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا» إلى أن قال: «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له»، فهو كفارة له، أي أن الحدود تكفر الذنوب المعاصي. ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفعه عنه. والحديث في الصحيحين، كما قلنا، من حديث عباد بن الصامت. وهذا كذلك الحديث الآخر الذي أشار إليه المعلق وصححه العلامة الألباني في الصحيحة عن خزيم بن ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من أصاب ذنبا فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته»، إذن الحدود كفارة، وهكذا كذلك ما جاء معناه في حديث ماعز الأسلمي وحديث المرأة الغامدية، فإن الحدود كفارات. وقوله رحمه الله: «من لقيه مصرا غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة فأمره إلى الله» إلى آخره، فهذا للحديث الذي تقدم وللأدلة الكثيرة في هذا المعنى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء»، ويغفر ما دون الشرك. وهكذا ما أخذ من قوله: «إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار»، مفهومه: ما سوى الشرك لا يحرم من دخول الجنة، لا يحرم، لكن ليس معناه أنه يدخل، قد يدخل وقد لا يدخل، إن كان مسيئا فهو تحت المشيئة، فهو تحت المشيئة. «ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء»، وهذا من فضائل التوحيد، من فضائل التوحيد أن التوحيد ينجي من الخلود في النار، فصاحبه قد يدخل النار وقد لا يدخل، إن كان عاصيا وإن دخل فإنه لا يخلد في النار، لهذه الأدلة التي وردت في هذا الباب.