الدرس في شرح أصول السنة 8، الدرس الثامن : (وأن لا يخاصم أحداً ولا يناظره ... والقرآن كلام الله وليس بمخلوق). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ مبدأ أهل السنة والجماعة في تجنب الجدال والمناظرة في مسائل القدر والرؤية لتجنب الخطأ. يُفرق بين الجدال المذموم والردود المحمودة على أهل الباطل.
يُنبه النص على خطورة الجدال في مسائل الدين بغير علم، ويحذر من مغبة ذلك مستندًا إلى أقوال الصحابة والتابعين ونصوص الكتاب والسنة. يُشدد على أن من يخوض في هذه المسائل بغير رسوخ يقع في الخطأ.
يناقش المقطع أصول أهل السنة في التعامل مع الجدال والمعتقدات، ويؤكد على أهمية الاكتفاء بالقرآن والسنة والإيمان بالآثار المروية عن الصحابة والنبي. يُؤكد على الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق.
يشير المقطع إلى وجود أحاديث نبوية حول تسمية القرآن بكلام الله، ويعد بالتطرق إلى ذلك في درس لاحق. يُنهي بالتأكيد على الاكتفاء بما تم ذكره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: قال: «وأن لا يخاصم أحدًا، ولا يناظره، ولا يتعلم الجدال». وذكر هذا رحمه الله تعالى في سياق ذكره لهذين الأصلين في القدر والرؤية؛ لأجل أن ينبه رحمه الله تعالى أنه يجادل ناسًا في هذه المسائل ويناظر، ومن أصول أهل السنة والجماعة عدم الجدال والمناظرة في ذلك. هذا هو الأصل، وذلك لأن المجادل والمناظر قد يقع منه ما ينافي الحق بقلة علمه أو بزلة لسانه. والأمر الآخر أنه، وذلك إن جادل أهل الأهواء، كان سببًا في دخول الفتنة والشبهة على قلبه، أو أنها تدخل على قلوب الآخرين. فلأجل ذاك، وهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة إغلاق باب المجادلة والمناظرة، لكن ليس على الإطلاق، كما مر معنا أنه في مواضع قد يحتاج إليه، ويكره ويضطر الإنسان إليه. ولهذا وجدت المناظرة قديمًا وحديثًا، وفعلها عدد من الأئمة، فالإمام أحمد رحمه الله ناظر المعتزلة، لكنه ناظرهم حين أُكره إلى ذلك وأُلجئ إليه. وهكذا من بعده من أهل العلم، ومن قبله، ومن تتبع منهج العلماء بهذا الباب وجده على التفصيل المذكور سابقًا. وقوله رحمه الله: «ولا يتعلم الجدال»، ذلك تنبيه منه رحمه الله إلى بعض المؤلفات التي تؤلف على صيغة الجدال، فإنه ينبغي للإنسان أن لا يلتفت إليها. فالعلم بكلام أكابر أهل العلم الذي هو مليء بالأدلة من الكتاب والسنة، على طريقة السرد، تسرد المسائل بأدلتها، ليس على طريقة المناظرة والمجادلة: «إذا قالوا كذا قلنا كذا، وإذا قيل كذا قلنا كذا»، ونحو ذلك، فإن هذا مما لا حاجة للالتفات إليه. لأن التوسع في الكلام كما قلنا قد يوقع في الخطأ، إما بسبب عدم الرسوخ في العلم ووجود بعض الجهل، وإما ما يكون من زلة اللسان، وكذلك القلم، فإن اللسان قد يزل إذا كثر الكلام، والقلم كذلك قد يكتب ما ليس بحق. فلذلك ينبغي للإنسان أن لا يتعلم الجدال، ولا يصير إليه إلا إذا أُكره إلى ذلك أو اضطر. وليس من ذلك الردود، ردود أهل العلم، فإذا رأيت مثلًا ردود شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على الجهمية وأهل الكلام، تجده يرد ويناظرهم ويناقشهم في مقولاتهم، أحيانًا يرد من أكثر من خمسين وجهًا. وليس هذا من الجدال، ولكنه من الجدال المحمود، ليس من الجدال المذموم، بل هو من المحمود، وهو من رد الباطل: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن»، وهكذا كذلك القرآن: «وجاهدهم به جهادًا كبيرًا»، ونحو ذلك. قال رحمه الله: «فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومنهي عنه». والمراد: الكلام في القدر والرؤية والقرآن على هذا الوجه الذي تعرض به هذه الأصول إلى شيء من اللبس؛ لأن فيه مسائل دقيقة خفية، فقد يدخل فيها الإنسان، كما سيئت إن شاء الله في مسألة القرآن، قد يدخل فيها الإنسان وهو غير راسخ، فيقع في الزلل والخطأ، كما أخطأ بعض من انتسب إلى السنة في بعض تلك المسائل بسبب عدم الرسوخ ووجود الشبهة واللبس فيها. وما كان ذلك إلا بسبب الجدال والمناظرة والتوسع في الكلام، ولو أنهم اقتصروا على ما في كتاب الله وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلموا. فالاقتصار على ما في الكتاب والسنة سلامة، والتوسع في ذلك في ذكر الفرضيات -يعني الأمور المفروضة- وذكر كذلك الألفاظ والمسائل المعنوية التي لم يرد النص عليها من الكتاب والسنة، يعرض صاحبه للخطر والخطأ، فإنه قد يسلم وقد لا يسلم. ولذلك هو يحتاج في الغالب أن يجد لنفسه أسوة، أسوة ممن سبقه من أهل العلم قد تكلموا في هذه القضايا الجديدة التي ما كان قد تكلم فيها من سبقه، ولا يمكن لغير الراسخ أن يسلم دائمًا، فإنه لا بد أن يزل ويخطأ. ولأجل هذا نص الإمام رحمه الله تعالى على هذا، وسيأتي وجه المناسبة في ذلك في تنبيهه لبعض مباحث مسائل القرآن. وقوله رحمه الله: «مكروه»، يحتمل الكراهة التنزيهية وكراهة التحريم، وهو هنا لكراهة التحريم؛ لأن المراد المذموم من الجدال والمناظرة، وهو على معنى التحريم، ويؤكده قوله: «ومنهي عنه». وهذا النهي بما ورد عن الصحابة ومن بعدهم، فإنهم نهوا عن الكلام في ذلك، كما أثر ذلك عنهم رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى. فكانوا ينهون عن الخوض في هذه المسائل؛ لأن الخوض فيها بغير الرسوخ سبب للخطأ، ولو بحسن نية، فإن الوقوع في ذلك الخطأ سبب لسن السنة السيئة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا». ثم تكلم الإنسان مع علمه بجهله وعدم رسوخه، هو في الحقيقة إثم، وليس هو من البر، وإنما البر أن يجتهد الحاكم ومن هو أهل للاجتهاد. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر». وأما غير الحاكم -يعني غير من ليس عنده أهلية- فإنه يأثم. ويؤيده قول النبي عليه الصلاة والسلام: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة». ومن هؤلاء الذين في النار قاضيان: قاض قضى بغير علم، فإنه وإن وافق الحق فهو في النار؛ لأنه ما يجوز له أن يقضي بغير علم. وهذا هو الشاهد، كذلك لا يجوز للإنسان أن يخوض في المسائل المفروضة -أي المفترضة والمحدثة- ويتوسع في النقاش والجدال بغير علم؛ لأنه لو ناقش بغير علم، حتى لو أصاب، فإنه يأثم لخوضه ما لم يأذن له الله به. والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، يعني لا يجوز لك الخوض بما لا علم لك به. وقوله: «ومنهي عنه»، كذلك منهي عنه بمعنى نصوص الكتاب والسنة، كما سمعنا في هذه الآية، فإن نصوص الكتاب والسنة تنهى عن الخوض بغير علم وبجهل وبما يضر: «لا ضرر ولا ضرار»، لا يجوز أن تضر بنفسك ولا أن تضر بغيرك. ولهذا ينهى طلاب العلم عن الخوض والمناظرة والمجادلة، ينهاهم من العلماء، تجد في نصائح أهل العلم في كتب السنة تحذير طلبة العلم من الخوض في الجدال والمناظرة؛ لأنهم ليس عندهم أهلية، وينهونهم مطلقًا. لماذا؟ لعدم وجود الأهلية. بينما العلماء يفصلون في حق أنفسهم، أما لغيرهم فلا يأذنون لهم بالمرة؛ لأنهم لا يحسنون المجادلة والمناظرة، ولو أحسنوا فإنهم يحسنون بغير علم، أو بعلم قليل تكون فيه المخاطرة، ولا تجوز المخاطرة في الدين. قال رحمه الله تعالى: «لا يكون صاحبه وإن أصاب بكلام السنة من أهل السنة؛ حتى يدع الجدال ويسلم ويؤمن بالآثار». وهذا كما سبق؛ لأنه وإن أصاب بكلامه السنة، أصاب بغير علم، وأصاب بجهل، ولن يجوز للإنسان أن يصيب بجهل. كما سمعنا جعل النبي عليه الصلاة والسلام القاضي الذي قضى بجهل، مع كونه أصاب، أنه في النار. لماذا؟ لأنه تكلم بغير علم، وقد نهى ربنا جل وعلا أن يتكلم في دين الله بغير علم، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فالقول على الله بغير علم من أعظم الذنوب والمعاصي. ولهذا كما قال ابن القيم رحمه الله: رتبت الذنوب والمعاصي بهذه الآية ترتيبًا عكسيًا -أو معنى كلامه- يعني ابتدأ بالأقل وانتقل إلى الأشد، ابتدأ بالأقل وانتقل إلى الأشد. فإن الشرك والقول على الله بغير علم من أعظم الذنوب والمعاصي على الإطلاق. وقوله رحمه الله: «وإن أصاب بكلامه السنة»، أي لا يكون من أصحابك من أهل السنة؛ لأن من أصول أهل السنة ترك الجدال، من أصول أهل السنة ترك الجدال، وهو على المعنيين السابقين: إما المبتدئ وليس براسخ، فهذا يمنع بالمرة، وإما من كان من أهل العلم، فإنه يمنع، وهو الأصل في المواضع التي سمعنا، ولا يؤذن إلا في الموضع القليل النادر. وقوله رحمه الله: «ويسلم ويؤمن بالآثار»، معنى التسليم والاستسلام، يعني يرضى بما جاء في الكتاب والسنة ويقنع به. فإذا مثلًا جاد لك مجادل وقال لك كلامًا في القدر أو في الرؤية، لا تزد على أن تقرأ عليه الآية من كتاب الله أو الحديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالوا: «أريد أن أتناقش معك»، قل له: «لا، ما عندي إلا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». إن زاد في الكلام، فضع أصبعيك في أذنيك، كما فعل بعض سلفنا معلمين لتلامذتهم، ضع أصبعيك في أذنيك ولا تسمع منه ولا كلمة؛ فإن القلوب ضعيفة والشبه خطافة. حتى ولو كنت تعلم أن هذا الذي يجادل جاهل، علمه كيف أدب الكتاب والسنة، وكيف طريقة أهل السنة؛ لأنه لن يقرع بكلامك إذا جادلته وخصمته، لن يكون ذلك سببًا في رجوعه إلى الحق، بل هو سيبحث عن رجل آخر يجادله، وإذا ذهب إلى رجل آخر يجادله، ماذا النتيجة والثمرة؟ النتيجة والثمرة أنه يضل؛ لأنه سيكون كما قال ذاك الرجل للإمام أحمد، للإمام مالك: لما قال له: «أرأيت إن غلبتني؟ قال: اتبعتني. قال: أرأيت إن غلبتك؟ قال: اتبعتك. قال: أرأيت إن جاء ثالث فغلبنا؟ قال: نتبعه. قال: اذهب إلى رجل شاك مثلك». وهذا الرجل بالحقيقة سلك مثل شكك، الشك الذي يحب أن يجادل ويناظر، سلك مثلك الشك. لكن علمه نزوم الكتاب والسنة، قل له: «لا تتجاوز القرآن والحديث، اسمع كلام الله وقل بما فيه، واسمع كلام رسول الله وقل بما فيه». فإن قيل لك: «تؤمن بالقدر؟» نعم، نؤمن بالقدر كما قال الله سبحانه وتعالى، وكما قال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والرؤية نؤمن بالرؤية كما أخبر الله في كتابه، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وتسرد له الأدلة، وهكذا في القرآن، وهكذا في سائر المسائل. ويؤمن بالآثار المروية عن الصحابة وعن النبي عليه الصلاة والسلام، فالآثار في كتب العقائد ليست محصورة بالمروي عن الصحابة والتابعين، ولكن بكل ما أثر عن من سبق ممن أمرنا بالاقتداء بهم، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبصحابته من بعده، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». قال رحمه الله تعالى: «والقرآن كلام الله وليس بمخلوق». وهكذا من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بأن القرآن كلام الله، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فسماه الله كلامه. فإذا لو قال لك قائل: «ليس بكلام الله، وعندي في ذلك دليل»، فلا تزد على أن تقرأ عليه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فتقول: «قال الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾»، فسمى القرآن كلامه. وجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وأرضاه بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يطوف على الناس في سوق ذي المجاز، فيقول: «إن قومي منعوني أن أبلغ كلام ربي، هل من رجل يحملني إلى قومه فأبلغ كلام ربي؟» فسمى القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، سمى القرآن كلام الله. وهكذا كذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في تسمية القرآن بكلام الله، وسيأتي ذلك معنا إن شاء الله في درس لاحق. ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.