شرح خمسون حديثا في العقيدة 31

شرح خمسون حديثا في العقيدة 31

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 31، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل العلم والعلماء وأهمية حسن الخلق

يشرح الحديث الحادي والثلاثون من مستدرك الحاكم، مبينا أهمية العلم والعلماء وفضل حسن الخلق. يؤخذ العلم عن العلماء الذين كانوا ملازمين للنبي صلى الله عليه وسلم.

علامات الساعة الصغرى وعقوبات المعاصي

يتناول علامات الساعة الصغرى والابتلاءات بسبب المعاصي مثل نقص المكيال والميزان ومنع الزكاة. تؤدي هذه الأفعال إلى عقوبات مثل القحط وشدة المؤنة وجور السلطان.

نصائح النبي في الغزو وتطبيق أحكامه

نصح النبي عبد الرحمن بن عوف بأربع نصائح عند خروجه للغزو، كما طبق حكم الله على بني قريظة بعد كشف عوراتهم، فقتل المقاتلة وأخذ أموالهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحديث الحادي والثلاثون، قال الإمام الحاكم رحمه الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشاذ العدل، قال: حدثنا أبو الجماهر محمد بن عثمان الدمشقي، قال: حدثني الهيثم بن حميد، قال: أخبرني أبو معبد حنظلة بن غيلان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: كنت مع عبد الله بن عمر، فأتاه فتى يسأله عن إسدال العمامة، فقال ابن عمر: سأخبرك عن ذلك بعلم إن شاء الله تعالى. قال: كنت عاشر عشرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحذيفة وابن عوف وأبو سعيد الخدري، رضي الله عنهم، فجاء فتى من الأنصار، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلس، فقال: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقا. قال: فأي المؤمنين أكياس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا قبل أن ينزل بهم، أولئك من الأكياس. ثم سكت الفتى، وأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا معشر المهاجرين، خمس إن ابتليتم بهن، ونزل فيكم -أعوذ بالله أن تدركوهن- لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعملوا بها، إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوهم من غيرهم، وأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا ألقى الله بأسهم بينهم. ثم أمر عبد الرحمن بن عوف يتجهز لسرية بعثه عليها، وأصبح عبد الرحمن قد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء، فأدناه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نقضها وعممه بعمامة بيضاء، وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحو ذلك، وقال: هكذا يا بن عوف اعتم، فإنه أعرب وأحسن. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يدفع إليه اللواء، فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: خذ يا بن عوف، فاغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد الله وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال الحاكم رحمه الله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال شيخنا -غفر الله له- وسكت عليه الذهبي، وأقره الوادعي في تتبع أوهام الحاكم التي سكت عليها الذهبي، رقم ثمانية وثمانين وستمائة وثمانية آلاف، وحسنه شيخنا الوادعي رحمه الله في الجامع الصحيح في القدر. هذا الحديث حديث عظيم، وهو حديث طويل، وقد جمع مسائل كثيرة. ولطوله، نختصر ونقتصر على أهم المسائل لهذا الحديث. فمن أهم مسائل هذا الحديث أولا: فضل العلم والعلماء، ومنزلة العلم والعلماء، وكيف يؤخذ العلم من العلماء. فانظروا كيف صار هؤلاء العشرة الذين لازموا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هم علماء الصحابة، رضي الله عنهم أرضاهم. وانظروا إلى هذا التابعي، لما لازم عبد الله بن عمر، صار من علماء التابعين، عطاء بن أبي رباح، كان جالسا مع عبد الله بن عمر. وهذا حالهم في أخذ العلم، ملازمة العلماء، فصاروا ورثة العلماء من بعدهم. وهكذا كان هؤلاء الصحابة ملازمين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصاروا علماء الصحابة من بعده عليه الصلاة والسلام. وهكذا لا يزال العلم يؤخذ كابرا عن كابر، ويورث حتى ينتهي ذلك إلى آخر الزمان، ولا يوجد عالم إلا وأخذ العلم من عالم آخر، وهكذا حتى يتصل العلم إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا أخذ العلم، وهذا طريق العلم، وهذه هي الكيفية التي بها يصل المرء إلى منزلة العلماء. وفيه كذلك أهمية سؤال العلماء والجلوس معهم، وأن في ذلك فوائد كثيرة دينية ودنيوية. وفيه كذلك فضل العلماء، ومنزلة العلماء، وكيف أن لهم آثارا في المجتمع في توجيههم ونصحهم وإرشادهم. وفيه كذلك مسألة من مسائل تعليم العلم، وهي جواز إعطاء السائل بأكثر من مسألة، وهذا الحديث مما يدل عليه. فقد سأل هذا الفتى عبد الله بن عمر عن مسألة، وهذه المسألة تتعلق بإسدال العمامة، لعله بلغه أن فيها نهي أو أخبر أن فيها نهي، أي الذي يطيل في هذا الإسدال أو غير ذلك. فسأل عبد الله بن عمر عن هدي النبي أو سأل عن إسدال العمامة، لعله بلغه شيء من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك فانظر ماذا أفاده عبد الله بن عمر من فوائد أخرى. وهكذا لم يأت هذا من عبد الله بن عمر من فراغ، وإنما أخذه عن النبي عليه الصلاة والسلام من هديه. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نفس هذا الحديث سأله الفتى بأشياء، وأفاده النبي عليه الصلاة والسلام بعلم زائد عما سأل. وفي هذا الحديث كذلك فضل هؤلاء الصحابة العشرة، وأنهم من خيار الصحابة، رضي الله عنهم. وفيه على وجه الخصوص فضل الخلفاء الأربعة، وأنهم من أوائل الناس ملازمة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانوا أكثر الناس علما وهدى وسمتا وخلقا، مشابهة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إنهم لم يجمع الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم على خلافتهم وترتيبهم في ذلك إلا وهم مجمعون على فضلهم وترتيبهم في ذلك. أن فضلهم على ترتيبهم في خلافتهم، أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وفي هذا الحديثة فضل حسن الخلق، وأن أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. وقد مر معنا في أحاديث سابقة الكلام على الخلق وفضله ومنزلته في هذا الدين. وفي هذا الحديث كذلك أن أكيس المؤمنين -والمراد بالأكيس أي الأكثر حظا والأوفر كيسا- أنه هو الذي يستعد للموت. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجاب هذا السائل بأن أكيس المؤمنين أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا له. وذلك يقتضي العمل الكثير من الأعمال الصالحة، والاكثار والحذر من الأعمال غير الصالحة. وفيه كذلك ما أريد التنبيه به من ذكر شيء من أشراط الساعة الصغرى. فإن من أشراط الساعة الصغرى هذه الخمس الخصال المذكورة في هذا الحديث. أولها: ظهور الفاحشة وانتشارها والإعلان بها، وأن ذلك من علامات آخر الزمان وقيام الساعة، وأنها لا تكون كذلك إلا ويعاقب أهلها بما ذكر في هذا الحديث. فإنه كما سمعنا في رواية: لم يعملوا بها -يعني بكثرة- وفي رواية غير الحاكم عند الترمذي وغيره: لم يعلنوا بها. أي فيكون لها الإعلان كالفنادق ودور البغاء، وانتشار ذلك في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمكتوبة وغير ذلك. بل وربما أن يفعل في قارعة الطريق. لم يظهر هذا الظهور ويفش هذا الفشو إلا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: وظهر فيهم الطاعون والأوجاع. والظهور هو يأتي بمعنى الكثرة وبمعنى الارتفاع. وهذا كله موجود، فإنه كثير فيمن يبتلى بهذا الشيء أن يظهر فيهم هذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: مما لم تكن مضت في أسلافهم، يعني أشياء جديدة لم يكن يعرفها الناس. وهذا وقع بمثل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه انتشرت أشياء ما كانت تعرفها الناس، وتسمع الناس يذكرون أمراضا ما كانت تعرف من قبل. فيذكر اليوم مرض الإيدز، وهو ضعف المناعة، وهو من الأمراض التي لم تكن تعرفها الأمة من قبل، ونحوها من الأمراض الأخرى التي هي بسبب هذه المخالفة الشرعية. ثم ذكر في هذا الحديث من علامات الساعة كذلك وأشراطها الصغرى كذلك: نقص المكيال والميزان، وأنهم إذا وقعوا في ذلك فإنهم يبتلون بثلاث خصال: الخصلة الأولى أن يؤخذوا بالسنين، والسنين هو المجاعة والقحط، سواء بعدم نزول المطر أو كان كذلك بصعوبة الاتجار والاكتساب، وبضعف بركة الزروع وغير ذلك. مما يكون آثارا لهذه المعصية. لم ينقص المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام على أهل قريش أن يؤخذوا بسني كسني يوسف، حتى صاروا يأكلون الجلود، وينظر أحد من الجوع الدخان حتى أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فطلبوا منه أن يكشف ما بهم، ونحو ذلك. وأشد سيقع في هذه الأمة وفي أهل الأرض إذا هم وقعوا في هذه المعصية. وكذلك العقوبة الثانية: أنهم يبتلون بشدة المؤنة، شدة المؤونة يعني شدة تحصيل العيش، ويكون عيش الناس في ظنك. وهذا قد ابتليت به بعض الأمم بقدر ما عندها من أمر هذه المعصية. فلا يستطيع أحد أن يدخر شيئا، ويكون الإنسان يعمل العمل الكثير، ويكسب الربح القليل، ويكون الإنسان دائما في أدواء وفي أمراض وفي غير ذلك، شدة مؤونة. والأمر الثالث: جور السلطان، أن يجور السلطان على الرعية، يجور السلطان على الرعية من أسباب ذلك جنوح من الرعية. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، ومن ذلك نقص المكيال والميزان. والخصلة الثالثة: منع الزكاة، أنه سيكون في آخر الزمان منع الزكاة، وأن من عقاب ذلك أن الناس يمنعون القطر من السماء، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا البهائم لم يمطروا»، يعني لولا مخلوقات أخرى -ليس المقصود البهائم فقط- وإنما مخلوقات أخرى موجودة، لم يرد الله عز وجل تعذيبها لمنع القطر. ومعنى ذلك أن القطر ينزل، ولكن قليل. وهذا الذي نراه في هذا الزمان، فإن القطر قليل، صار بعض الناس يقول: كنا نعهد المطر ينزل في كل سنة، ولكن نرى الآن أن المطر ينزل خلال السبع سنوات، وربما في بعض البلاد أكثر من عشر سنوات، ما يعرفون المطر. وهذا بعض ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. والخصلة الرابعة من الخصال التي هي من علامات الساعة الصغرى كذلك، التي حذر النبي عليه الصلاة والسلام منها، وكذلك من إدراكها كذلك: نقض عهد الله وعهد رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يقع ذلك إلا ويسلط الله عز وجل عدو من غيرهم. والمراد عهد الله وعهد رسوله: وكل ما أمر الله عز وجل به في كتابه، وأمر به رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته. وأن الناس إذا فعلوا مثل ذلك سلط الله عليهم عدوا من غيرهم. وهكذا لا ترى بلدا من بلاد المسلمين يسلط عليها عدو من غير المسلمين إلا وكان فيهم من نقض عهد الله وعهد رسوله ما كان مصداقا لهذا الحديث. وتأمل تاريخ الأمة الإسلامية من أولها إلى آخرها، لا تجدون دولة من دول الإسلام ولا بلدة من بلاد المسلمين يسلط الله عز وجل عليها عدوا من غيرها إلا وهي من أشد البلاد نقضا لعهد الله وعهد رسوله. تفش فيهم المعاصي، ينتشر فيهم الكفر، تحضر فيهم الإباحية، وغير ذلك من الخصال. انظروا إلى عدد من البلاد التي اليوم سلط الله عليها بعض أعداء المسلمين من غير المسلمين، هذه أرض فلسطين وما حولها من بلاد الشام، وهذه أرض العراق وما جاورها من بلاد الشام، فإنها مبتلى بهذا البلاء، إلا بسبب ماذا؟ إلا بسبب نقضها لعهد الله وعهد رسوله. انظروا كذلك قبل ذلك إلى الأندلس، بلغ فيهم الفساد والترف والبعد عن شريعة الله، والنقض لعهد الله وعهد رسوله مبلغا عظيما، حتى ذكر أهل التاريخ من ذلك العجائب. ربما كان بعضهم يمشي في المسافات الطويلة من الترف، وربما بعضهم كما يذكر يتزوج في السنة الواحدة بعدد من النساء، ويأخذ كذلك ويتنعم من الإماء بأكثر من ألف أمة، وغير ذلك مما كان يدل أو يظهر به بعض الفساد الذي كان في تلك البلاد. فصالت الله عز وجل عليها عدوا من غيرها، وهو إلى يومنا هذا. وهكذا كذلك انظروا إلى بعض البلاد في شبه الجزيرة الهندية، كيف سلط عليها عدو من غيرها، وكان ذلك بسبب نقضها لعهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا في كل زمان ومكان. والخصلة الخامسة والأخيرة من الخصال التي ذكرت في هذا الحديث: هو أن لئمة -إلا لم يحكموا بكتاب الله- فإن الله عز وجل يجعل بأسهم بينهم. وهذا الذي يراه المسلمون، وهذا الذي يذكره تاريخ الإسلام، فما من إمام من أئمة المسلمين لم يحكم بكتاب الله إلا وجعل الله عز وجل بأسه بينه وبين من معه ومن حوله. فتجد يقتل بعضهم بعضا، أئمة المسلمين من المسلمين يقتل بعضهم بعضا، ويسبي بعضهم بعضا، ويعتدي بعضهم على بعض. وكل ذلك بسبب هذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام ووقع بمصداق ما أخبر. ثم الفقرة الثالثة من فقرات هذا الحديث: فيه إجابة عبد الله بن عمر عن سؤال السائل، وهو ما يتعلق بالعمامة، وذكر بضمنها قصة عبد الرحمن بن عوف، وبعث النبي عليه الصلاة والسلام له بهذه السرية. والفرق بين السرية والغزوة: أن الغزوة هي التي يكون أميرها أو فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والسرية هي الغزوة التي لا يحضرها الرسول عليه الصلاة والسلام، والغالب تكون أصغر من الغزوة. وهذا الحديث فيه مجموعة كذلك في هذه الفقرة من المسائل المتعلقة بباب الجهاد والغزو. منها: تأمير الأمراء، وأنه لا بد أن يكون أمراء، وأن يعين الأمراء بحسب الأصلح في العلم والفقه والإدراك والحكمة. ومن ذلك تأمير عبد الرحمن بن عوف في هذه الغزوة. وفيه كذلك حضور الأمير صبيحة خروجه عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبمثله عند ولي الأمر ومن يقوم مقامه. ومثله عليه الصلاة والسلام يأخذ من النصائح الدينية والدنيوية ما يحتاجه بسريته وغزوته. وفيه مسألة التعمم، وهي أن عبد الرحمن بن عوف تعمم بعمامة سوداء كرابيس، ومعنى كرابيس: يعني خشنة، وهو الثوب الخشن، القماش الخشن يسمى كرابيس. وقيل: أنها لفظة أعجمية عربت. وقوله سوداء: أي لبس شيئا أسودا. والنبي عليه الصلاة والسلام غير عمامته من وجهين: الوجه الأول: أنه أدناه إليه ونقض العمامة السوداء وألبسه بعمامة بيضاء. قال بعض أهل العلم: لعل ذلك تفاؤلا بالنصر، لعل ذلك تفاؤلا بالنصر. وفإن قال قائل: كيف هذا مع دخول النبي عليه الصلاة والسلام مكة بعمامة سوداء في عام الفتح؟ وأجيب عن ذلك بأنه لا تعارض بين هذا وذاك، فإنه فعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ربما لأنه لم يكن عنده إلا ذلك، والسفر كان طويلا أو غير ذلك. لكن في هذا فيه استحباب لبس البياض، واستحباب لبس البياض أصح عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير وجه. الأمر الثاني: فيه كيفية التعمم، وإشارة إلى أن التعمم من الصفات الحسنة التي ينبغي أن يتجمل بها المسلم. بل ذكر بعض أهل العلم: أن العمائم من صفات العرب، ومما يميزهم عن غيرهم. وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وارضاهم يأمرون العرب أن يبقوا على صفاتهم التي أقرها الإسلام. وهنا تنبيه: وهو أنه لم يصح حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في فضل العمائم شيء، ولكن صح من فعله عليه الصلاة والسلام وحده. من ذلك أحاديث، ومنها هذا الحديث، ومنها هذا الحديث في استحباب لبس العمائم. ويزداد هذا التأكيد تأكيدا مع طلبة العلم، فإن طالب العلم شعاره العمامة والقميص. وكان شيخنا مقبل رحمه الله تعالى يحث على ذلك حثا شديدا، ويوبخ أحيانا من كان يخالف لذلك. بل قالها مرة صريحة فقال: يا أهل عدن وحضرموت، لا تنزلوا هيبة العلم بترككم للقمصان -يعني لا تتركوا القمصان- فينزلوا ذلك هيبة العلم. وكان الإمام مالك رحمه الله يعد العدة ويتجمل لمجلس العلم، ليس لشيء، ولكن تعظيما ورفعا لقدر العلم. وهكذا ينبغي أن يكون حامل العلم، ينبغي عليه أن يحرص على هذا: على العمامة وعلى القميص، فإن هذا كما قال شيخنا رحمه الله: أي مقبل كان يقول: شعار طالب العلم في هذا الزمان العمامة والقميص، شعار طالب العلم في هذا الزمان العمامة والقميص، عمامة وقميص، صار شعارا لطالب العلم في هذا الزمان، ينبغي عليه أن يحرص عليه. وهكذا كذلك في هذا كيفية التعمم، وأن هذا هو أفضل التعمم، وهو أن يدير العمامة على رأسه ويغرزها من خلفه قدر أربع أصابع أو نحو ذلك، يعني لا يطيل الإسدال، لا يطيل الإسدال خلف الظهر، هذا المراد. وأما كيفية التعمم، وهذه مسألة ربما يسأل عنها بعض الناس: هل هي تدخل في باب العادة والسنة أم هي من العوائد؟ أكثر أهل العلم: أنها من العوائد، وأن ما كان من عادة أهل البلد فهو الذي يفعل. يعني في كيفية التعمم، ربما بعضهم يكورها تكويرا خلف القلنسة -يعني خلف الكوفية- ويجعل الكوفية والقلنسة ظاهرة من الأعلى. ومنهم من يضعها ويتعمم مثل ما يتعمم أكثر أهل اليمن ونحوهم. وكل ذلك جائز، ودل الحديث على إقرار الناس على عوائدهم. لكن في الحديث استحباب الاكتفاء على أربع أصابع أو نحو ذلك، يعني لا يزيد كثيرا، بل يجعلها بين كتفين، كما جاءت في الحديث: أن عمامة النبي عليه الصلاة والسلام كانت مزدولة بين كتفين، مزدولة بين كتفين، يعني لا يزيد إلى نصف الظهر، وإنما يجعلها بين الكتفين، هذا الأفضل. وهكذا كذلك فيه ما يتعلق بمعنى نصيحة من يخرج في الغزو. فإن النبي عليه الصلاة والسلام أولا ناوله اللواء، واللواء هو علم صغير دون الراية، يعطى لأميري السرية والغزو، يشير بها إلى موضعه إذا احتاجوا أهل القتال. وسمي اللواء لواء لأنه يلوى -أي أن الأمير- لا يرفعه دائما، بخلاف الراية فإنها ترفع. وأما اللواء فإنه يرفع -يرفعه الأمير- إذا احتاجه أو إذا احتاجه إلى الناس أو احتاجه أهل الغزو والقتال، يرفع هذا اللواء. أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام عبد الرحمن بن عوف، إشارة منه إلى أنه هو الأمير. وهكذا أوصاه فحمد الله وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه استحباب حمد الله والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في استفتاح الكلمات. فهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث. ثم كذلك قال: «خذ يا بن عوف، فاغزوا في سبيل الله». وفيه إشارة إلى أن الأمير عليه أن يشاور من معه، فلا يهمشهم، فإنه لا ينصر إلا بالتعاون والمشاورة. ثم نصحه بأربع نصائح، قال له أولا: قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله. وفيه بيان أن القتال لا يكون إلا مع من كفر بالله عز وجل. ثم نصحه بأربع نصائح، قال: «لا تغلوا»، «لا تغلوا»، يعني لا يقع فيكم الغلو، فتخرجون عن حدود الشرع، فلا إفراط ولا تفريط في كل شيء. ومن ذلك بالجهاد في سبيل الله، «لا تغلوا» أي من الغلول، أي لا يكن فيكم -يا أهل هذه السرية- غلول، فإن ذلك مما حرمه الله عز وجل عليكم. ثم قال: «ولا تغدروا»، يعني لا يكن بينكم وبين عدوكم غدر، والغدر هو الخيانة، فالمؤمن لا يكون -حتى في القتال في سبيل الله- حتى مع الكفار لا يغدر المؤمن ولا يخون. فإن قال قائل: كيف هذا مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الحرب خدعة»؟ فيقال: خدعة الحرب في غير عهد ولا ميثاق، خدعة الحرب في غير عهد ولا ميثاق. أما العهد والميثاق فإنه ليس من خلق المسلم الغدر فيه، والغدر إنما يكون في العهد والميثاق. وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الغدر حتى قال: «أن الغادر يبعث يوم القيامة في إزاره -يعني في مؤخرته- راية تقول: هذه غدرة فلان»، يعني يفضح فضيحة عظيمة حتى يرى الناس هذه الراية في موضع عورته، لأنه غدر وخان في هذه الدنيا. «لا تغدروا». قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تمثلوا»، يعني لا تمثلوا بالأعداء، لا تقطعوا آذان ولا أنف ولا تسملوا أعين ولا تقطعوا أطراف، بل يكفيكم أن تقتلوا العدو، ولا تمثلوا فيهم شيئا. فالتمثيل ليس من خلق أهل الإسلام. فإن قال قائل: هل يجوز التمثيل بمن مثل؟ الجواب: نعم، يجوز التمثيل بمن مثل، بعينه، أي عين هذا الفاعل. كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بحق الذين فعلوا بالعرنيين الذين قتلوا وسملوا أعينهم، فقتلهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد أن سمل أعينهم وصلبهم عليه الصلاة والسلام. وهكذا قال: «ولا تقتلوا وليدا»، والوليد هو من لم يبلغ سن البلوغ، وهذا من عدل الإسلام، أنه لا يقتل في الإسلام -ولو قاتل مع الكفار من قاتل- إذا كان هذا المقاتل ليس ببالغ، بل دون البلوغ. وفعل مثل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام مع بني قريظة، فإنه قتل مقاتلتهم، وذلك بأن كشف عن عوراتهم، فمن أنبت قتله، ومن لم ينبت منهم تركه ولم يقتله. وكان منهم بعض اليهود الذين أسلموا، فكانوا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا بعد ذلك يقول عبد الله بن عمر: «هذا هو عهد الله وميثاق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، ويريد أن هذا هو دين الله الذي تعلمناه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا قلاصة ومختصر ما يذكر في هذا الحديث. وفيه نكتفي، الحمد لله رب العالمين.