شرح خمسون حديثا في العقيدة 32

شرح خمسون حديثا في العقيدة 32

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 32، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية طاعة ولاة الأمر

يشرح الشيخ أهمية طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله، مستدلاً بحديث الإمام مسلم وأدلة من القرآن الكريم، ويبين أن هذه الطاعة تحافظ على وحدة المسلمين وقوتهم. ينتقد المتعاطفين الذين يخرجون عن طاعة السلطان ويتسببون في مفاسد كثيرة.

ضوابط إنكار المنكر وطاعة ولاة الأمر

يشرح المقطع أهمية طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله، ويوضح أن إنكار المنكر يجب أن يتم بدون تهييج الشعوب أو التشهير بأخطاء الحكام على المنابر، بل بوصف المنكر نفسه. يبين أن هذا النهج يحافظ على مصالح المسلمين الدينية ويمنع تطور الفساد.

تتمة الكلام عن ضوابط إنكار المنكر

يجب طاعة ولاة الأمور في المعروف وعدم طاعتهم في المعصية، وينبغي نصحهم بالسر دون مداهنة أو تزلّف، وإنكار المنكر يكون في الملأ إذا انتشر وظهر، مع الحذر من إثارة الفتن.

ختام الدرس والشكر لله

المقطع يشير إلى انتهاء الحديث واكتفاء المؤلف بما تم ذكره، ويعبر عن شكره لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، الحديث الثاني والثلاثون. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». هذا حديث من الأحاديث الهامة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعناها وبما فيها؛ لما فيه من التنبيه على أصل من أصول أهل السنة والجماعة، وهو طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله، وأنه يجب على المسلم أن يطيع ولاة الأمور في غير معصية الله. فإن الطاعة يجب أن تكون فيما يحب وفيما يكره، كما في هذا الحديث، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا طاعة. ففيه أولًا وجوب طاعة ولاة الأمور، وأن هذا من الدين الذي أمرنا به في أدلة الكتاب وأدلة السنة. فمن أدلة الكتاب قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ومن أدلة السنة أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث. وهذا الذي أمرنا به في الكتاب وفي السنة لم نؤمر به عبثًا، بل أمرنا به لمصلحة دينية ومصلحة دنيوية. فأما المصلحة الدينية: ما في ذلك من اجتماع المسلمين وعدم تفرقهم، وقوة شوكتهم، وابتعاد أعدائهم. بينما لو أنهم لم يجتمعوا تحت إمامهم، حتى ولو كان فاجرًا، فإنه بذلك يتفرقون ويضعفون، ولا يقوم الدين فيما بينهم، ويتطاول عليهم الأعداء، ويتجاسرون على المسلمين؛ لضعفهم وخورهم وضياع الدين فيما بينهم. ولهذا أمرنا بطاعة ولاة الأمور، ليس مجاملة ومداهنة، ولكن حفاظًا على دين الله جل وعلا؛ لأنه لو قيل: ما هو الشيء الذي يمكن للمسلمين أن يجتمعوا ويحفظوا به شوكتهم ودينهم؟ فإنه لو قيل: يجتمعون تحت شيخ قبيلة، لقيل: هناك مشائخ. لو قيل: تحت عالم، لقيل: هناك علماء. لو قيل: تحت صاحب جاه، لقيل: الجاه كثير. لكن وجب عند ذلك أن يكون تحت ذي السلطان المسلم ما دام مسلمًا، كما سيأتي معنا إن شاء الله في شرطه وقيده. فإنه يجب عند ذلك أن يجتمع المسلمون، فهذا ما دل عليه دليل العقل، فكيف إذا اجتمع معه دليل الشرع؟ وعلى هذا نعرف خطأ الكثير من المتهورين المتعاطفين الذين لم يلتفتوا إلى هذه الميزة الخصيصة التي يأمر بها أهل السنة والجماعة من لدن الصحابة إلى من بعدهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ليس مجاملة ولا مداهنة، ولكن حفاظًا على كلمة المسلمين. بينما نرى اليوم أن هؤلاء المتعاطفين الجاهلين بشرع الله ودين الله يخرجون عن طاعة السلطان، ويقعون في ذلك في مفاسد كثيرة. فمن هذه المفاسد أنهم جرؤوا الشعوب على ولاة أمورهم، وفي هذا مفاسد كثيرة؛ فجرأة الشعوب على ولاتها فيه ضياع الأمن، وزعزعة كذلك لأحوال المسلمين، وتطاول الأعداء وتجاسرهم على المسلمين، وضياع كذلك قوة شوكة المسلمين، وذهاب هيبة الدين بما يكون من زعزعة هذه الطاعة ونزعها من قلوب المسلمين. بينما لو بقيت هذه الطاعة في حدود طاعة الله، بما يكون فيه اجتماع المسلمين، فحصل في ذلك الخير. ولهذا جعل العلماء من علماء أهل السنة في كتب الاعتقاد: أن الصلاة والجهاد ماضيان مع إمام المسلمين، سواء أكانوا فجارًا أو غير ذلك. لماذا؟ لأن في هذا مصالح كثيرة دينية لا تكون إلا بولي الأمر المسلم. فلننتبه لمثل هذه الخصال التي لا ينتبه لها الكثير ممن فتن بفتنة التكفير، وشيب بشائبة الخروج. وهكذا كذلك في هذا الحديث: أن هذه الطاعة مقيدة بطاعة الله، إن خرجت عن طاعة الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذا هو كذلك حال أهل السنة، فهم يطيعون ولاة الأمور، لكن في غير معصية الله. إن أمروا بمعصية فلا يطيعونهم، لكن لا يعني ذلك الخروج عليهم وتهييج الشعوب عليهم. لا، أنت تنكر المنكر بدون أن تهيج الشعوب، وتنكر المنكر من دون أن تسمي ولي الأمر، لكن تنكر المنكر بوصفه. فمثلًا أحل أو أجاز أو شرع بعض ولاة أمور المسلمين بعض المحرمات من الربا والجمارك وغير ذلك من الأمور المحرمة، فهل هذا معناه أنك تهيج الشعوب على ولاة أمور المسلمين؟ الجواب: لا. وهل معنى ذلك كذلك أنك تجيبهم وتطيعهم فتفعل هذه المحرمات؟ الجواب: لا. وهل معنى ذلك كذلك أنك تسكت فلا تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر؟ الجواب: لا، أنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. وليس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التشهير بالمنابر، التشهير بأخطاء ولاة الأمور خاصة. فمثلًا ليس من الفقه، لا شرعًا ولا عقلًا، أن يقوم إنسان على المنبر ويقول: قام الوزير الفلاني ففعل كذا وكذا، وفعل الرئيس الفلاني كذا وكذا، وصنع الأمير الفلاني كذا وكذا من المخالفات الشرعية. هذا ليس من الفقه في الدين، وهذا كذلك منافٍ لما أمرنا به في شرع الله الحكيم. فإن هذا مما يحصل به فساد الدين والدنيا، أول ذلك: أنه يكون فيه تطاول هؤلاء الولاة -والذي يغلب عليهم الفساد- على أهل الصلاح، فبدلًا من أن يسمع الناس كلمة الخير، يمنع وتمنع كلمة الخير في المجتمع، وهذه مفسدة عظيمة. وكذلك في ذلك سبب في تطاول أهل الفساد وأهل الشر من الكفرة والمنافقين ومن كان بمعناهم من المفسدين والمجرمين؛ بأن يفسدوا ذات البين فيما بين المصلحين وبين ولاة الأمور. وهذا هو الغالب؛ فإن الغالب على بطانة ولاة الأمور ليس من أهل الصلاح، بل من أهل السوق. وهذا العمل يهيج هؤلاء في أن يتطاول على أهل الصلاح، وفي هذا شر كثير. فإذا كان كذلك، فليس من الفقه بالدين ولا من المصلحة الشرعية ولا العقلية فعل ذلك، وأن هذا مما يجب أن يكف عنه. وهكذا كذلك في هذا الحديث: أن هذه الطاعة إذا كانت لا تكون إلا في طاعة الله، ولا تكون في معصية، ففيه كذلك لفتة إلى أن الواجب على المسلم: كما أنه يجب أن يطيع، كما أنه لا يطيع إلا في معروف، ولا يطيع في معصية، فإنه كذلك ينبغي أن يكون تدينه في المجتمع في كل شيء: أنه يسلك هذا المسلك، يأخذ بدين الله عز وجل، ويفعل ما فيه المصلحة الشرعية مما فيه حفظ أمن المجتمع. فأهل السنة والجماعة إذ يأمرون بطاعة ولاة الأمور ويدعون الناس إلى ذلك، ليس لأجل مجاملة ولا محاباة ولا مداهنة -حاشاهم-، بل هم من أبعد الناس عن ذلك، من أبعد الناس عن أبواب السلاطين وعن الكراسي والملك وعن المنافسة والمسابقة والتنافس في ذلك، ولكن يرون ذلك دينًا يدينون الله عز وجل به. وليس معنى ذلك كذلك أنهم يكنون العداوة ويكنون كذلك الكراهية والبغض، لا، بل هم يدعون لهم بالصلاح ما داموا مسلمين، ندعو لهم بالصلاح. ولهذا كان سلف الأمة كالبخاري والإمام أحمد، وجاء عن الثوري وجماعة أنهم كانوا يقولون: لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لجعلتها لمن؟ للسلطان. لماذا؟ لأنه إذا صلح السلطان صلح العباد والبلاد، وإذا فسد السلطان فسد البلاد والعباد -إن شاء الله-. ولهذا هم فقهوا هذا المعنى، فكانوا يدعون للسلطان بالصلاح، يدعون له بالصلاح، يدعون له بالهداية، يدعون له بالرجوع إلى الحق، وأن يجعل الله له البطانة الصالحة الحسنة، ويبعد عنهم البطانة السيئة المفسدة. وهذا الذي يمتيق أن يفعله المسلم، ولكن بدون مداهنة، لا يكون هو من البطانة، ولا يكون هو كذلك ممن يتزلف ويتقرب إليهم بكثرة الدخول عليهم. فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك أحاديث في التحذير من الدخول على أقوام السلاطين؛ لأنها فتنة، وكذلك تكون بذمة هذا الإنسان مسؤولية عظيمة في الدخول والخروج. فمن استطاع أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر لهؤلاء، فإنه يأمر وينهى بما يكون بالسر. وقد حدث بعض الصحابة رضي الله عنهم -وسام بن زين فيما يروى- أنه ناصح بعض خلفاء المسلمين، فقيل له: أناصحه في الملأ؟ فأفتح باب شر. قال: والله لا أصنع؛ يعني أن المناصحة في الملأ مما يفتح باب الشر ومما يثير الفتن في المجتمع، بل المناصحة لهم تكون بالسر، تكون بالسر. وأما إنكار المنكرات إذا احتاج أن ينكر المنكر في الملأ لانتشاره وذيوته، فإنه ينكر عليه. أنت تنكر المنكر، تنكر الربا، تنكر الزنا، تنكر الرشوة، تنكر كذلك العمل في الضرائب والجمارك وغير ذلك من الأشياء المحرمة، لكن لا تعين إنسانًا، لا تعين إنسانًا إذا فرض ذلك أو نص على ذلك. فينبغي أن تنتبه وتفقه وتفهم مثل هذه الأمور. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، والحمد لله رب العالمين.