الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 3، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستهل الشارح بشرح مقدمة النووي مبيناً معنى التوفيق بنقل كلام ابن القيم في رده على القدرية الجبرية، ثم ينتقل إلى الباب الأول في فضيلة تلاوة القرآن مستدلاً بآيات من سورة فاطر وأحاديث في فضل تعلم القرآن وتعليمه مع شرح مفردات الحديث.
يشرح المقطع معنى التلاوة في القرآن بأنها تشمل التلاوة اللفظية والمعنوية وهي العمل بالقرآن، ويبين فضيلة تلاوة القرآن وإقام الصلاة والإنفاق في سبيل الله كتجارة رابحة، مع إبراز حديث «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وشمول ذلك للآباء والمعلمين.
يستعرض المقطع حديث عقبة بن عامر عن فضل الغدو إلى المسجد لتعلم آيات من القرآن مبيناً أنه خير من اكتساب النوق الكثيرة، ويؤكد أن خيرية المسلم تتحقق بجمع تعلم القرآن وتعليمه محذراً من الأخذ من المصحف مباشرة دون معلم مختص.
يؤكد المقطع على وجوب أن يبذل متعلم القرآن جهده في نشر ما تعلمه مستشهداً بقول النبي ﷺ «بلغوا عني ولو آية» وآية ﴿لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، مبيناً أن العلم إذا لم يُنقل إلى الآخرين يبقى محصوراً في صاحبه بلا فائدة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وأشكره، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قرأنا المقدمة للمصنف رحمه الله على هذا الكتاب، وعند قوله: "وأبتهل إليه سبحانه أن يوفقني لمرضاته"، قال النووي رحمه الله: "التوفيق: خلق قدرة الطاعة". هنا فائدة أفاد أحد الإخوة جزاه الله خيرًا، أن ابن القيم رحمه الله قال في كتابه "المدارج" الجزء الأول، صفحة 300-315: "والتوفيق: إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد، بأن يجعله قادرًا على فعل ما يرضيه، مريدًا له، محبًا له، مؤثرًا له على غيره، ويبغض إليه ما يسخطه ويكرهه إليه، وهذا مجرد فعله، والعبد محل له". قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ الآية. وقد فسرت القدرية الجبرية التوفيق بأنه خلق الطاعة، والخذلان بأنه خلق المعصية، وقالوا: ولكن بنوا ذلك على أصولهم الفاسدة من إنكار الأسباب والحكم، وردوا الأمر إلى معنى المشيئة من غير سبب ولا حكمة، فإياهم الله خيرًا. وهذا كلام العلامة ابن القيم، قال رحمه الله. قال: "الباب الأول في أطراف من فضيلة تلاوة القرآن وحملته". قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. وقال: روينا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فرواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري في صحيحه الذي هو أصح الكتب بعد القرآن. وقالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر فيه مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران». رواه البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن المسلم النيسابوري. هنا تعليق للنووي رحمه الله: قال: "تجارة لن تبور: أي لن تهلك وتفسد". وأيضًا هنا تعليق للنووي رحمه الله عند قوله: "مع السفرة"، قال: "السفرة: الملائكة الكتبة، والبررة: جمع بار، وهو المطيع". وقوله: "يتتعتع": أي يشتد ويشق. نعم، هذه الآية الكريمة التي ذكرها المصنف رحمه الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فيها دلالة على فضيلة تلاوة القرآن، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وكما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾. ففي هذه الآيات الكريمات الإبراز بتلاوة القرآن، هو بيان فضيلة تلاوة القرآن. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: أن يقرؤون، يتلون كتاب الله، أن يقرؤون هذا القرآن المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله: "يتلون": يتل على الاستمرار وعلى المداومة، أي أنهم يستديمون ويستمرون على تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى. وقال بعض المفسرين: "يتلون": أي يتبعون، يعني يعملون بما فيه، من قوله: "تلاه" إذا اتبعه. وكما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أن التلاوة المرادة هنا هي التلاوة المطلقة التامة التي تشمل التلاوة اللفظية والتلاوة المعنوية. التلاوة اللفظية معروفة، ففي فضيلة تلاوة القرآن أي قراءتها، والتلاوة المعنوية التي هي أشرف وأعلى. والمراد بالتلاوة المعنوية: العمل بالقرآن، بمعنى تصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده. وما التلاوة اللفظية إلا وسيلة للوصول إلى هذه التلاوة المعنوية. فهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾، لن تهلك ولن تفسد، بل هي أعلى أنواع التجارات وأعظمها وأفضلها، وهي التجارة مع الله سبحانه وتعالى. فهذه الآية فيها فضيلة تلاوة القرآن، فينبغي على المسلم أن يحرص على كثرة التلاوة لكتاب الله سبحانه وتعالى، فإنه يعتبر في عبادة إذا حفظ القرآن، وهو في عبادة إذا تلا القرآن، وهو في عبادة إذا راجع القرآن. لكن الآية تدل على الإخلاص: أنه يتلو كتاب الله سبحانه وتعالى مخلصًا. وهذا الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله: حديث عثمان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». فهذا الحديث فيه فضيلة تعلم القرآن الكريم وفضيلة تعليمه. "خيركم": أي شرف الناس عملًا وأعلاهم منزلة، من تعلم القرآن وعلمه. فهم في أعلى الدرجات الذين يتعلمون القرآن ويعلمونه. ففيه الحث على تعلم كتاب الله سبحانه وتعالى، وفضيلة من تعلم كتاب الله عز وجل، سواء كان من الرجال أو كان من النساء، سواء كان من الصغار أو كان من الكبار. ويدخل في هذه الفضيلة الأولياء الذين يشجعون أبناءهم على تعلم كتاب الله سبحانه وتعالى، ويدخل في ذلك المدرسون لألفاظ القرآن، يعني يأتي يلقن الناشئة أو الطلاب كيف يقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى، يسمع لهم تسميعًا أو يلقنهم تلقينًا أو يعلمهم تجويدًا، هؤلاء يدخلون في هذه الفضيلة. ويدخل أيضًا في هذه الفضيلة من علمهم معاني القرآن والأحكام التي تضمنتها آيات كتاب الله سبحانه وتعالى. "خيركم من تعلم القرآن وعلمه": في أعلى المنازل. "خيركم من تعلم القرآن وعلمه": ظاهره أن من تعلم القرآن وعلمه أفضل ممن تعلم غيره من العلوم وعلمه. "خيركم من تعلم القرآن وعلمه": وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ومن أحسن قولا؟ ليس هناك أحد أحسن قولا ممن دعا إلى الله، دعا إلى الله في تعليم العلم، وأشرف أنواع العلوم علم القرآن. "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". ففي فضيلة تعلم القرآن. وفي أثر ابن مسعود قال: "تعلموا القرآن وتعاهدوه وأتقنوه أو واقتنوه". "تعلموا القرآن وتعاهدوه واقتنوه". وهكذا هذا في حديث عقبة بن عامر: "تعلموا القرآن وتعاهدوه واقتنوه". عند أحمد وابن أبي شيبة، وهو صحيح، وعند مسلم من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي بناقتين كوماوين زهراوين فيأخذهما من غير إثم ولا قطع رحم؟» قالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك. قال: «فإن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعداد من الإبل». أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق؟ مكان قريب من الموضع الذي كان فيه الصحابة، فيأتي بناقتين كوماوين من أفضل أنواع النوق، بدون مغالبة ولا سرقة ولا نهب ولا خيانة ولا مشقة، من غير إثم ولا قطيعة رحم. قالوا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله. فأرشدهم إلى الغدو إلى المسجد ليتعلموا شيئًا من آيات كتاب الله سبحانه وتعالى، فهذا خير لهم من هذه النوق ومن أعدادها. فهذا إخواني في الله في فضيلة تعلم القرآن: "خيركم من تعلم القرآن". أيضًا في إشارة إلى أن القرآن لا يأخذ بطريق القراءة الفردية، القرآن يأخذ بطريق التعلم من أهله، التعلم من أهله، لأن فيه أحكامًا وفيه تجويدًا، ما يصلح للإنسان أن يأخذ كتاب الله سبحانه وتعالى ويذهب يعني يحاول أن يتعلم كيف يقرأ بدون معلم. فالحديث يرشد إلى الرجوع إلى المعلمين: "خيركم من تعلم"، إذا أنت متعلم إذن هناك من يعلم. لأن قال: "خيركم من تعلم القرآن"، أولاً أخذ وحصل، ثم أعطى وبذل. "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وفي هذا يقول جماعة من السلف: "لا يأخذ العلم من..."، لا تأخذ القرآن من مصحفي، ولا العلم من... لا تأخذ القرآن من مصحفي يعني إنسان لم يدرس، أخذ علم القرآن من المصحف مباشرة، ولا العلم عن صحفي. آرة أنبع على شكلها عن صحفي، بعضهم يقول: "صحفي"، وهذا لحن. ولا تأخذ العلم عن صحفي. "صحفي": فإذا علم القرآن يحتاج إلى أن يرجع طالب العلم إلى المعلم. والذين لا يأخذون القرآن من المتعلمين المختصين به تكثر في قراءتهم الإغلاقات وأنواع التصحيفات. لكن الإنسان إذا أراد أن يتعلم القرآن ولم يجد من يعلمه القرآن ويلقنه القرآن، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ممكن أن يتعلم، وإن شاء الله تقبل منه قراءته، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. لكن مع وجود المدرسين فمن التفريط أن الإنسان يترك حلق العلم التي تعلم القرآن ويذهب يتعلم القرآن بنفسه. قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». هذه فضيلة عظيمة، الخيرية على ظاهر الحديث لا ينالها إلا من جمع بين الأمرين: من تعلم القرآن وعلم القرآن. من تعلم القرآن وعلم القرآن، الذين كملوا أنفسهم وسعوا في تكميل غيرهم، أولئك أتباع الرسل، أولئك النصحة. بخلاف أعداء الرسل فهم يجمعون بين البعد والتبعيد، بين النفرة والتنفير. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. كما قال سبحانه: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. فهؤلاء هم الذين في أعلى الدرجات: تعلموا وعلموا. فيحرص متعلم القرآن أن يبذل علم القرآن، وأن يبذل هذا العلم الذي تعلمه. قال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية». ويقول الله عز وجل: ﴿لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، لأنهم يحذرون. فيحرص طالب العلم على إيصال هذا الخير إلى غيره، وإلا فما فائدة هذا المتعلم إذا تعلم ولم يبذل ولم يعلم؟ يبقى علمه مقصورًا عليه ومحصورًا فيه. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.