شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 1

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 1

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 1، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

افتتاح شرح التبيان ومنهجية التعليقات اللغوية

يستهل الشيخ عبد الرحمن بن مرع العدني شرح كتاب التبيان للإمام النووي موضحاً منهجه في إيراد تعليقات النووي اللغوية مقرونة بمواضعها الأصلية. ثم يقرأ الخطبة الافتتاحية التي تحمد الله وتثني على القرآن معجزة مستمرة، مع شرح ألفاظ مثل الحمد والكريم والمنان والطول والهداية وسائر لديه محمد تحدى بأجمعهم أفحم.

خلة النبي صلى الله عليه وسلم وخصائص القرآن الكريم

يبيّن المقطع أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم خليل الله كإبراهيم، وأن الخلة أخص من المحبة العامة. ثم يستعرض خصائص القرآن الكريم من عدم الملل عند تكراره، ويسر حفظه للصغار والكبار، وكونه معجزة مستمرة تشهد بفضله وحفظه الإلهي.

إعجاز القرآن والتحدي الإلهي بالإتيان بمثله

يشرح المقطع طبيعة إعجاز القرآن من خلال التحدي الإلهي للعرب الفصحاء بالإتيان بمثله أو بعشر سور أو بسورة واحدة، وعجزهم عن ذلك رغم حقدهم وبحثهم عن ثغرات. فلجأوا لاتهامه بالسحر والشعر والكذب، وهذا العجز دليل قاطع على أنه وحي من الله ومعجزة خالدة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

القرآن الكريم آية صدق النبي صلى الله عليه وسلم

عندما طلب الكفار آية تدل على صدق النبي، أرشدهم الله إلى القرآن الكريم باعتباره الآية الباقية والمعجزة الدالة على نبوته. الآيات تؤكد أن القرآن كافٍ رحمةً وذكرى للمؤمنين، وأن الآيات كلها عند الله والنبي مجرد نذير مبين.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فهذا كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للشيخ العلامة النووي رحمه الله تعالى، ونقرأ فيه إن شاء الله، وهو يتعلق بآداب حملة القرآن، ويناسب قراءته في هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن، شهر رمضان، ويتناسب مع المعتنين بكتاب الله تبارك وتعالى، الذين ينبغي لهم أن يتخلقوا بأخلاق القرآن ويتأدبوا بآدابه، فإنه اجتمل على محاسن الأخلاق ومعالي الأمور. وسنقرأ هنا شيئا في هذا المصنف، وهو أن هناك كلمات غريبة فسرها المصنف رحمه الله بالنسبة لهؤلاء المحدثين المتأخرين، فيجعلون هذه التفسيرات والإيضاحات في الحاشية. النووي رحمه الله جعل فصلا خاصا في آخر الكتاب في تفسير هذه الكلمات الغريبة، وهذه الكلمات التي أراد أن يفسرها مرقمة في المصنف، ثم تأتي على آخر الكتاب وتجد الترقيم، مثلا: هنا «الحمد لله الكريم المنان» جعل: واحد، اثنان، ثلاثة. ترجع في آخر المصنف تجد: واحد تفسير الحمد، اثنان تفسير الكريم، ثلاثة تفسير المنان. ولا شك أنه أراد أن يفيد القراء والطلاب، فرأيت والله أعلم أننا نذكر تعليق النووي رحمه الله معجلا عند كل موضع، ما نأتي في آخر الكتاب نقرأ التعليقات وقد تجاوزنا مواضعها، لكن نذكر تعليق النووي رحمه الله لأنه من صلب الكتاب، فنذكر التعليق عند كل موضع. لهذا إن شاء الله سيقرأ الأخ صالح، وأنا أقرأ تعليق النووي الذي هو في آخر الكتاب، حتى إذا أتينا على آخره نكون قد مررنا عليه ونستغني عن قراءته. ف تفضل، جزاك الله خيرا، تفضل القراءة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال المصنف عليه رحمة الله، أو قال الذي ينقل عنه: قال الشيخ الفقيه الإمام العالم الورع الزاهد الضابط المتقن أبو زكريا يحيى محي الدين شرف ابن حزام النووي رحمه الله تعالى: الحمد لله الكريم المنان، ذي الطول والفضل والإحسان، الذي هدانا للإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان، ومن علينا بإرساله إلينا أكرم خلقه عليه وأفضلهم لديه، حبيبه وخليله وعبده ورسوله محمدا، صلى الله وسلم وبارك عليه، فمحى به عبادة الأوثان. أكرمه صلى الله عليه وسلم بالقرآن المعجزة المستمرة على تعاقب الأزمان، التي تحدى بها الإنس والجن بأجمعهم، وأفحم بها جميع أهل الزيغ والطغيان، وجعله ربيعا لقلوب أهل البصائر والعرفان. نعم، قال النووي رحمه الله: «قال في آخر كتابه: الباب العاشر في ضبط الأسماء واللغات المذكورة، فالكتاب على ترتيب وقوعها، قال: وهي كثيرة، والسفاء ضبطها وإيضاحها وبسطها يحتمل مجلدة ضخمة، لكني أشير إليها بأوجز الإشارات، وأرمز إلى مقاصدها بأخصر العبارات، وأقتصر على الأصح في معظم الحالات». فأول ذلك في الخطبة: الحمد، قال: الثناء بجميل الصفات. الكريم، قال: في صفات الله تعالى قيل معنى المتفضل، وقيل غير ذلك. قال: المنان، روين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن معناه: الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال. معلوم أن الكريم من أسماء الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، وهكذا المنان من أسماء الله تعالى الثابت في السنة، كما في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام»، قال: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب». رواه أحمد وهو صحيح. قال: الطول، الغنى والسعة. قال: الهداية، التوفيق واللطف، ويقال: هدانا للإيمان، هدانا بالإيمان، هدانا إلى الإيمان. قال: سائر، بمعنى الباقي. قال: لديه، يعني عنده. قال: سمي نبينا صلى الله عليه وسلم محمدا لكثرة خصاله المحمودة، قاله ابن فارس وغيره. أي ألهم الله تعالى أهله ذلك لما علم من جميل صفاته وكرم شمائله، زاده الله شرفا وكرما. وقوله: تحدى، قال أهل اللغة: يقال فلان يتحدى فلانا إذا باراه ونازعه الغلبة. وقوله: بأجمعهم، بضم الميم وفتحها لغتان مشهورتان، أي جميعهم. وقوله: أفحم، أي قطع وغلب. انظروا هذه تعليقات، لو ذهبنا نقرؤها في آخر الكتاب ما ندري السياق، لكن نقرؤها هنا. وهنا تنبيه على قوله: «وحبيبه وخليله وعبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم». ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا»، فإبراهيم هو خليل الله، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيضا خليل الله، والخلة أخص من المحبة، فلذا الأكمل أن يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خليل الله، لأن المحبة عامة، فالله تبارك وتعالى أخبر في كتابه الكريم أنه يحب التوابين، ويحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب المتطهرين. نعم، الإمام النووي رحمه الله المصنف ذكر أنه حبيب الله وخليل الله، لكن يعني هذا شيء موجود عند كثير من أهل العلم، أن بعضهم يفضل وصف نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه حبيب الله، اعتقادا أو ذهابا منهم إلى أن المحبة أخص من الخلة، والأمر على العكس. فلذا يعني تجدون بعضهم يقولون: حبيب الله، وصفا لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا عدول عن الأفضل إلى شيء أدنى منه. الأفضل أن نقول: خليل الله، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بدل من أن نقول: حبيب الله، نقول: خليل الله، لأن المحبة اشترك فيها كثيرا من عباد الله الذين يحبهم، لكن الخلة انفرد بها الخليلان: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام. تفضل: «جعله ربيعا لقلوب أهل البصائر والعرفان، لا يخلق على كثرة التردد وتغاير الأحيان، ويسره للذكر حتى استظهره صغار الولدان، وضمن حفظه من تطرق التغيير إليه والحدثان، وهو محفوظ بحمد الله وفضله ما اختلف الملوان، الملوان، ووفق للاعتناء بعلومه من اصطفاه من أهل الحذق والإتقان، فجمعوا فيها من كل فن ما تنشرح له صدور أهل الإتقان، أحمده على ذلك أهل الإيقان، أحمده على ذلك وغيره من نعمه التي لا تحصى، خصوصا على نعمة الإيمان، وأسأله المنة علي وعلى سائر أحبابي وسائر المسلمين بالرضوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة محصلة للغفران، منقذة صاحبها من النيران، موصلة له إلى سكن الجنان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى الإيمان، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، شرف وكرم، ما تعاقب الجديدان». أحسن. نعم، قوله: قال النووي رحمه الله: «لا يخلق، بضم اللام ويجوز فتحها، والياء فيهما مفتوحة، ويجوز ضم الياء مع كسر اللام، يقال: خَلَقَ وخَلِقَ وخَلُقَ وخُلُقَ وأَخْلَقَ إذا بلي، والمراد هنا: لا تذهب حلاوته وجلالته، لا تذهب حلاوته وجلالته». قال: «استظهره، حفظه ظاهرا». «الولدان، الصبيان». قال: «الحدثان، بفتح الحاء والدال، هو الحدث والحادثة والحدثة بمعنى، وهو وقوع ما لم يكن». قال: «الملوان، الليل والنهار». قال: «الرضوان، بكسر الراء وضمها». وهنا قوله: «لا يخلق على كثرة الرد». سبحان الله، كيف جعل الله عز وجل كتابه كذلك أنه مهما قرأه الإنسان لا يشبع منه، لا يشبع من قراءته ولا يمل من سماعه، ولا أيضا يمل العلماء ويشبعون من استنباط الأحكام واستفادة المعاني العظيمة والجليلة من كتاب الله سبحانه وتعالى، يقرأه الإنسان دائما وأبدا ولا يحصل له ملل، بخلاف غير كتاب الله سبحانه وتعالى. من هذا الذي يستطيع أن يقرأه العشرات أو المئات، وبعضهم قد يقرأه الآلاف من المرات، ثم لا يحصل له ملل؟ فهذه خاصية لكتاب الله سبحانه وتعالى. قال: «ويسره للذكر حتى استظهره صغار الولدان». صدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. يسر الله سبحانه وتعالى تلاوته للجميع، للعرب والأعاجم، والصغار والكبار. وانظروا إلى الأعاجم، بعض الأعاجم لو تعطيه كتابا من كتب العربية ما استطاع أن يقيم حروفه، لو تدفع إليه كتابا تقول له: اقرأ في هذا الكتاب، ما يستطيع، تجده يكسر ويتلعثم ويتوقف. وإذا سمعته وهو يقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى لتعجبت، كيف أنه يقرأه بقراءة فصيحة ويقيم حروفه، ولعله أيضا يكون مجودا، بل من كبار المجودين. فهكذا صدق الله إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. حتى الأطفال الصغار، يعني بتوفيق الله تبارك وتعالى يقدرون على ذلك. تفضل. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى من على هذه الأمة، زادها الله تعالى شرفا، بالدين الذي ارتضاه، دين الإسلام، وإرساله إليها محمدا خير الأنام، عليه منه أفضل الصلوات والبركات والسلام، وأكرمها بكتابه أفضل الكلام، وجمع فيه سبحانه وتعالى جميع ما تحتاج إليه من أخبار الأولين والآخرين، والمواعظ والأمثال والآداب، وضروب الأحكام، والحجج القطعيات، الظاهرات في الدلالة على وحدانيته، وغير ذلك مما جاءت به رسله، صلوات الله عليهم وسلامه، الدامغات لأهل الإلحاد الضلال الطغام، ووضع الأجر في تلاوته، وأمر بالاعتناء به والإعظام، وملازمة الآداب معه، وبذل الوسع في الاحترام. وقد صنف في فضل تلاوته جماعات من الأماثل والأعلام كتبا معروفة عند أولي النهى والأحلام، لكن ضعفت الهمم عن حفظها، بل عن مطالعتها، فصار لا ينتفع بها إلا أفراد من أولي الإفهام، من أولي الأفهام. ورأيت أهل بلدتنا دمشق، حماها الله تعالى وصانها وسائر بلاد الإسلام، مكثرين من الاعتناء بتلاوة القرآن العزيز، تعلما وتعليما، وعرضا ودراسة، في جماعات وفرادى، مجتهدين في ذلك بالليالي والأيام، زادهم الله حرصا عليه وعلى جميع أنواع الطاعات، مريدين وجه الله ذي الجلال والإكرام. نعم، قال النووي رحمه الله: «قال: الأنام، الخلق على المذهب المختار، ويقال أيضا: الأنيم». قال: «الدامغات، أي الكاسرات القاهرات». قال: «الطغام، بفتح الطاء المهملة، بالغين المعجمتين، أو غادوا الناس». قال: «الأماثل، الخيار، واحدهم أمثل، وقد مثل الرجل، بضم الميم والثاء، صار فاضلا خيارا». وقوله: «الأعلام، قال: جمع عَلَم، وهو ما يستدل به على الطريق من جبل وغيره، سُمّي العالم البارع عَلَما بذلك لأنه يهتدى به». قال: «النهى، العقول، واحدها نَهْيَة، بضم النون، لأنها تنهى صاحبها عن القبائح، وقيل: لأن صاحبها ينتهي إلى عقله ورأيه، قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النهي مصدرا، ويجوز أن يكون جمعا كالعرف». قوله: «دمشق، قال: بكسر الدال وفتح الميم على المشهور، وحكى صاحب مطالع الأنوار كسر الميم أيضا». هنا نعلق على شيء، وهو ما ذكره المصنف رحمه الله في قوله: «وأكرمه صلى الله عليه وسلم بالقرآن المعجزة المستمرة على تعاقب الأزمان، التي تحدى بها الإنس والجن بأجمعهم، وأفحم بها جميع أهل الزيغ والطغيان». نعم، كتاب الله سبحانه وتعالى يعتبر معجزة. ما معنى معجزة؟ أي أن الله سبحانه وتعالى تحدى البشر أن يأتوا بمثله، أن يأتوا بمثله، هذا معنى كونه معجزا. تحدى الله سبحانه وتعالى البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن في ألفاظه ومعانيه، تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن كله، بل وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثل هذا القرآن، بل وتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن، ولو كانت السورة قصيرة. ثم هؤلاء الذين تحداهم الله سبحانه وتعالى يعتبرون أفصح الأمم، هم الفصحاء، وهم البلغاء، وهم الشعراء، وهم أساطين الفصاحة والبلاغة والشعر. أضف إلى ذلك أنهم كانوا يحملون في أنفسهم حقدا دفينا، وغلا، وتحاملا، وحسدا على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يبحثون عن المطاعن والثغرات التي بها يطعنون في هذا الذي أتى به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أم هنهو الله عز وجل سنين عددا، فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل أمدوا إلى شيء من باب العناد والاستكبار، ما حاول الواحد منهم أن يأتي بمثل هذا القرآن مع قيام التحدي في الآيات الكثيرة. وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه، تفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افترى؟ قل: فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. وفي الآية الأخرى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾. وفي الآية الثالثة: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. تحداهم الله وأمهلهم، فلم يحاولوا، ولكن لجوا إلى أسلوب من أساليب العناد والاستكبار، وهو أنهم حاولوا أن يطعنوا في هذا القرآن، فقالوا: سحر، وقالوا: شعر، وقالوا: كذب مفترى. فهذا يدلنا، هذا التحدي، هذا التحدي يدلنا على أمر، وهو أن هذا القرآن منزل من عند الله سبحانه وتعالى، وأنه وحي من الله عز وجل، ويدلنا على أمر، وهو صدق نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله عز وجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّا يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. إذا لم يقدروا، فلابد أن يقروا بأنه منزل من عند الله تبارك وتعالى بعلمه. فهذا معنى التحدي، وهذا معنى الإعجاز. ولهذا كانت أعظم معجزة، معجزة للأنبياء، هي معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم في إنزال هذا القرآن. كانت الأنبياء معجزات: كعصا موسى، وإحياء الموتى لعيسى، ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج، لكن هذه المعجزات تنتهي، ويطالعها ويشاهدها من وقف عليها، وأما من جاء بعد ذلك فعنده الإيمان والتصديق. لكن هذا القرآن الآية الباقية والمعجزة المستمرة. ولهذا لما طلب الكفار من نبينا صلى الله عليه وسلم آية تدل على صدقه، أرشدهم الله إلى هذا القرآن، وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾، ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وفق الله الجميع، ونواصل في الغد إن شاء الله. إلى هنا والحمد لله.