كتاب الحدود  8

كتاب الحدود 8

الدرس في كتاب الحدود 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام التعزير وحد الحرابة

يتحدث عن أحكام التعزير وحدود الضرب في التأديب، وتناول حد الحرابة وأحكامه. يشير إلى صلاحية الحاكم في تطبيق العقوبة بحسب جناية المحارب.

تطبيق حد الحرابة على المفسدين

يناقش تطبيق حد الحرابة على المفسدين في الأرض، ويستدل بقصة العرانيين. يطبق مبدأ الجزاء من جنس العمل على أمثلة مثل مروجي المخدرات.

الإخلاص والإحسان في الأعمال وأحكام الأجر

يشدد على أهمية الإخلاص والإحسان في الأعمال، ويتناول حكم أخذ الأجر على الأعمال الدينية والتعليم. يشير إلى جواز أخذ الأجر بغير شرط.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكر من أحكام التعزير، وها هنا تنبيه بالنسبة للتعزير بالضرب. وقد تقدم معنا أنه في حق الولي الخاص في باب التأديب لا يتعدى عشرة أصوات. ويضاف إلى ذلك أنه ينبغي أن يفرق بين الصغير والكبير، وكذلك من باب أولى ما دلت عليه الأدلة من أنه لا يلتجأ إليه إلا عند الإغلاق إليه، يعني إذا علم أنه لا بد من ذلك. فإذن لا يزيد على عشرة أصوات، ومع ذلك ينتبه أنه يفرق بين الصغير والكبير. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، فرق بين سن السبع وسن العشر. ولهذا قال من قال من أهل العلم: إنه ينبغي أن لا يلتجأ إلى الضرب دون العشر. والغالب أن الصغير إذا كان دون العاشرة فهو لا يعقل الأمر والنهي مثل البهيمة. فيتفاوت إدراك الناس حتى الصغار. ومع هذا، هل يحرم الضرب دون العاشرة؟ الصحيح لا يحرم إذا احتاج إلى ذلك، لكن يضيق أشد مما إذا كان في العاشرة. إذا كان في العاشرة لا يلتجأ إليه إلا عند الإغلاق، فكيف بما دون العاشرة؟ وخصوصًا أن الدليل فرق. تنبيه آخر فيما يتعلق بالتعزير للولي العام، كما قلنا إنه بحسب المصلحة، لا أقل لأقله، لا حد لأقله ولا لأكثره. ومع ذلك من باب التأكيد، ليس هو بالهوى، يعني خلاص ولي أمر يفعل ما يشاء، لا، بل لا بد أن يكون في حدود ما دلت عليه الأدلة الشرعية. ولهذا قال من قال من أهل العلم: إن الأمراء تبع للعلماء، لأن العلماء هم الذين يعلمون الشرع. فلذلك على الأمراء متابعة العلماء. ويؤكد هذا ما سيأتي في هذا الباب الخاص في باب حد المحارب. قال رحمه الله تعالى: «باب حد المحارب». قال: هو أحد الأنواع المذكورة في القرآن: القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض، يفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحًا لكل من قطع طريقًا، ولو في المصر -يعني داخل البلاد- إذا كان قد سعى في الأرض فسادًا. فإن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ذلك. هذا يسمى عند أهل العلم حد الحرابة. وقوله: «باب» أي هذا مدخل لمعرفة ما يتعلق من أحكام ومسائل في حد الحرابة. والمحارب هو الذي يفعل هذا الفعل الذي يوجب هذا الحد. وقوله: «هو أحد الأنواع المذكورة في القرآن» يعني حد الحرابة ذكر على التخيير. وأشار في الشرح إلى دليله في قول الله عز وجل في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. ففي هذه الآية دليل على حكم الحرابة، وهل يسمى حدًا أو لا يسمى حدًا؟ اختلف العلماء في ذلك، وإن لم يختلفوا في الحكم، لأن الآية واضحة. لكن اختلفوا كذلك في تطبيق الحكم. الحكم معلوم، لكن تطبيقه هل هو على التخيير المطلق للحاكم يفعل ما يشاء؟ أم أنه يفعل ذلك بحسب جنايته؟ الصحيح التفصيل في هذا، فيقال: الأصل هو أن يفعل ما فعل بجنايته، هذا هو الأصل. يفعل به ما فعل بجنايته، فإن سرق قطع، وإن خوف نفي، وإن قتل قتل وصلب، فبحسب جنايته هذا هو الأصل. ويجوز للإمام كما تقدم أن يتعدى حد الجناية إذا كانت الجناية فيها معنى العدوان. فعند ذلك يجوز له أن يبالغ في ذلك حتى يقطع مادة الفساد. وهؤلاء هم المفسدون في الأرض ويسعون في الأرض فسادًا. فإذا جمع بين الأدلة مما ورد في القرآن والسنة، كان هذا القول الذي قال به جماعة من أهل العلم. لأنه جاء في الصحيحين في قصة حديث العرانيين، وهم الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة يشتكون، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بإبل الصدقة أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى يصحوا. فلما صحوا وسمنوا اعتدوا على الراعي فقتلوه وسملوا أعينه وسرقوا الإبل وهربوا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل من يدركهم. والحديث طويل فيه قصة طويلة. الشاهد: فلما قبض عليهم فعل بهم ما فعلوا بالراعي. حتى قال بعض أهل العلم: إن الآية نزلت فيهم. فهم سرقوا فقطع أيديهم، وهم سملوا أعين الراعي فسمل أعينهم. وهم قتلوا الراعي فصلبهم النبي صلى الله عليه وسلم بدون أن يحسم أيديهم. لأنهم لم يقتلوا الراعي قتله فيها إراحة، بل قتل فيه تعذيب. فكذلك تركهم النبي صلى الله عليه وسلم مسمولة أعينهم، مقطوع أيديهم وأرجلهم من خلاف، مصلوبون غير محسومين. وهذا من العدل، لأنهم اعتدوا بمثل هذا العدوان، والجزاء من جنس العمل. وفي هذا دليل على ما تقدم: أن الأصل في تطبيق آية الحرابة هو المساواة بجنس ما كان من اعتداء هذا المحارب والمفسد في الأرض. فإن كان هذا الإفساد في الأصل لا يقتضي إلا واحد من هذه العقوبات، ولكن لعظيم ضرر جريمته استحق التضعيف، فإنه يضعف ولو إلى القتل. ومثل ذلك فتوى العلماء في قتل مروج المخدرات. مروج المخدرات من المفسدين في الأرض، وإفساده يتعدى هذه الأقسام الثلاثة. يحصل بإفساده السرقة، لأنه إذا روجت المخدرات كثرت السرقات بسبب مدمني المخدرات. يبحثون عن المبلغ والمال الذي به يصلون إلى المخدرات. وهذا إفساد بانتشار السرقة. ومن إفساده كذلك أنه سبب لانتهاك الأعراض، وهو سبب لسفك الدماء، وهو سبب لانتشار الخوف بما يكون من كثرة هؤلاء. وهذا معلوم لمن عرف حال من أدمن هذه المخدرات، حتى صار بعض الناس يستخدم أصحاب المخدرات في الفساد في الأرض، تارة في السرقة، وتارة في القتل، وتارة في غير ذلك من معاني الإفساد. لأن هؤلاء صاروا يتصرفون تصرف من لا ينظر إلى عواقب الأمور. وكم من جرائم قتل وغيرها يستعمل فيها أرباب هذه المخدرات. ولهذا كان قول من قال: إن مروج المخدرات من المفسدين في الأرض الذين استحقوا القتل، مع أنه لم يقتل القتل مباشر، لكن إفساده يؤدي إلى القتل. حتى المدمن للمخدرات يصل به الأمر في نهاية الأمر إلى الموت. فهذه النهاية الحتمية لمدمني المخدرات. هل عمر الإنسان الذي لا يأكل المخدرات مثل عمر الإنسان الذي يأكل المخدرات؟ الجواب: لا. أكثر هؤلاء نهايتهم تعيسة، إما بزيادة جرعات المخدرات يقتلون أنفسهم، وإما بالحوادث والجرائم ودخولهم عالم الجنايات والظلم والعدوان. وقوله رحمه الله: «يفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحًا لكل من قطع طريقًا» يعني كما تقدم هذا قول. وقال بعض أهل العلم بالتقييد. وقول ثالث بالتفصيل. والصحيح التفصيل على ما تقدم. وقوله: «ولو في المصر» يعني ليس من شرطه أن يكون ذلك خارج المصر. لأن ظاهر سياق الآية مع ما ورد من أدلة في الباب يدل أن هؤلاء هم قطاع الطريق، وهم في الغالب في الأسفار وفي غير المدن. ولكن على الصحيح أنه لو وقع الإفساد في المدينة فإنه يقام عليه حد الحرابة. لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. بل قد يضعف في حقه أشد من اعتدائه في الطرق الخالية. فهذا هو الصحيح في هذه المسألة. وقوله: «إذا كان قد سعى في الأرض فسادًا» يعني عام هذا الفساد، سواء في المصر أو في غير المصر، في المدينة أو في غير المدينة، قليل أو كثير. فالعقوبة تكون بحسب هذا الفساد. والأصل هو أن يعاقب من جنس إفساده هذا. وقوله: «فإن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ذلك». وذلك لعموم الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. واستثنى بعض أهل العلم ما إذا كان قد تعلق به حق آدمي. فقال: لا تسقط التوبة حقه. لأن حق الآدمي لا يسقطه السلطان. وهكذا يقال في كل ما فيه حق لآدمي. فقد يقال: يسقط حد الحرابة، ويبقى ما كان من حق من حقوق الآدميين، سواء مال أو غيره من معاني الإفساد. وهذا هو الصحيح: أن التوبة تقبل منه فيما يتعلق بحد الحرابة. أما ما يتعلق بحقوق أخرى، فهذا لا يسقط، بل تثبته أدلة أخرى. فمثلًا جاء فقال: أنا تبت وتبت وجئت إليكم قبل أن تقبضوا علي. والله سبحانه يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. فيقال: نعم، لكن أنت سرقت مال فلان. فبالنسبة للحد يسقط، بقي أين مال فلان؟ لا بد أن تأتي به. وهكذا يقال فيما هو من حقوق الآدميين. فتكون العقوبة بعد ذلك بحسب تلك الحقوق. والخلاصة كما تقدم: التعزير هي العقوبة التي تجب في غير ما كان فيه حد أو كفارة، سواء أكان في ترك واجب أو فعل معصية أو ما كان من باب التأديب. ولا يجوز أن يشترط العوض في العبادات والطاعات. اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، لكن إذا كان جعلًا أو معونة يعطى بغير شرط فهذا جائز. أما المشارطة فهذا لا يصلح. فالنص كثير من أهل العلم على حرمة مثل ذلك. وفي هذا مفاسد كثيرة، قد لا يوفق هذا الخطيب في خطبته، فيصير عمله لغير الله. وهكذا كذلك من يتعلم منه إذا علم شح هذا الخطيب مشاحته في هذا الباب، زهد في علمه وفي التعلم منه. وأعظم من هذا أن يكون القصد هو المال. فلا يذهب للمسجد الذي النفع له أكثر، ولكن المسجد الذي يدفع أكثر. هذه مصيبة. أنت مأمور في دين الله بماذا؟ بأن تتبع ما يحصل به النفع الأكثر، ليس ما يأتي المال الأكثر. فلذلك لا بد من تصحيح النيات وإصلاح العمل والاستقامة على الكتاب والسنة بصدق. والأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط. لا يكن أهل المساجد بخلاء يحسبونها بالهللات. جاءت بالقطار من هنا إلى هنا عشر هللات، ومن هنا إلى هنا عشر هللات. وهذه مسافة طويلة يحتاج علبة ماء، هذه حق علبة ماء. وهكذا حساب بالدقة الزائدة. لا ما يحتاج هذا. كما لا يحتاج من هذا المعلم أن يشترط الكثير الذي يحصل فيه الإشقاق على الناس، ولا أن يشترط أصلا. لكن هم يحسنون وهو يحسن. هم يحسنون بأن يزيد هذا المعلم الذي اجتهد في بدل الخير. وكذلك هو إذا استطاع أن يجعل عمله لله فهو أفضل وهو أحوط. يعني إذا لم نتصدق من أموالنا فمتى نتصدق؟ أليس الله يأمرنا بالصدقة؟ طيب في أي زمان ومكان ستتصدق إذا لم تتصدق في هذا الوقت؟ هذا أعظم موضع للصدقة. أنفق من مالك لتبذل العلم إذا استطعت. إذا لم تستطع فلا بأس أن تقول: والله إني أحب أن آتي إليكم، لكن ما عندي نفقة. أرسلوا لي من يأتي بالسيارة. فإن أرسلوا لك أحد أتيت، لم يرسلوا لك أحد أرسلوا لك مال أتيت. أو أتيت وأصر عليك أن يعطوك المال بغير شرط ولا قيد فأخذته لحاجتك أو لأجل أن تستعين به في مواضع أخرى. ليس عندهم ما يعطونك كونك تخطب وتعلم في مسجد أفضل أو في مسجدين وثلاثة. إذن استعين بهذا المال في طاعة الله. لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم لعمر المال رده عمر، وأخبر أنه لا يحتاجه. فأمره أن يقبله، وأن المال إذا جاءه من غير مسألة لا يرده، يأخذه ثم إن شاء استعمله وإن شاء يعني في طاعة الله وما يعينه في أمره أو أنفقه لغيره. فكما سبق هو يحسن وهم يحسنون، ولا ينبغي أن تقع المشاحة في هذا الباب. ومن وقعت منه المشاحة فلا يوفق، لأن هذه الطريق طريق الله، لا يثبت عليها إلا من أراد وجه الله. ومن أراد غير وجه الله أبعده الله. كما جاء في حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الله عز وجل قال: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». فأنت تريد أن يرد عملك وتعبك ونصبك عليك، لا تريد ما عند الله من الثواب والأجر والتوفيق. فإذن اجتهد على الإخلاص وعلى التصدق على نفسك والإحسان في هذا الباب، وهم كذلك يردون الإحسان في الإحسان. فإذا حصل مثل هذا التسابق في الإحسان ما تصير مشكلة ولا يحتاج إلى مثل هذا السؤال. لكن مع ذلك الناس لا يستوون. فعند ذلك يحتاج إلى ذكر مثل هذا العلم مع مثل هذا السؤال. والله تعالى أعلم.