الدرس في كتاب الحدود 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع الأول شرحًا لباب من يستحق القتل حدًا، حيث يعدد الإمام الشوكاني الأشخاص الذين يستحقون القتل حدًا مثل الحربي والمرتد والساحر. يشرح المقطع أقسام القتل الثلاثة: حدًا وقصاصًا وتعزيرًا.
يستتاب المرتد ثلاثة أيام فإن لم يتب قتل، والساحر يقتل بالسيف حدًا لما روي عن عمر رضي الله عنه. الكاهن من صدقه كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وتفصيل أحكامهم مبني على نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.
المقطع الثالث يشرح أحكام المرتد والزنديق، ويبين أن من استحل محرمًا أو أنكر واجبًا معلومًا من الدين بالضرورة يعتبر كافرًا. التوبة تقبل من المرتد، بينما لا تقبل من الزنديق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
المقطع الأخير ينهي الحديث عن موضوع أحكام المرتد والزنديق والساب بذكر الخلاصة والتأكيد على أن العلم عند الله تعالى، مشيرًا إلى أن ما تم سرده هو أهم ما يذكر في هذا السياق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب من يستحق القتل حدًا، هو الحربي والمرتد والساحر والكاهن والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة، والطاعن في الدين والزنديق بعد استتابتهم، والزان المحصن واللوطي مطلقًا والمحارب. قوله رحمه الله: باب من يستحق القتل حدًا، أي هذا مدخل في معرفة مسائل وحكم من يستحق القتل حدًا، ثم ذكر مجموعة ممن يستحقون القتل حدًا، وأشار إلى بعض الأحكام في ذلك. ومعنى هذا الباب التنبيه على من خص بحكم القتل على وجه الحد. وقد تقدم معنا بعض الحدود، وعلمنا أن من الحدود ما فيه قتل، مثل الزان المحصن، ومن الحدود ما يكون القطع، كالسارق، ومنها يكون الجلد، كالزاني البكر. وقوله: القتل حدًا؛ لأن هناك شيء من القتل ليس بحد. وقد ذكر العلماء أن القتل يكون على ثلاثة أقسام: قسم منه يكون حدًا، مثل رجم المحصن، وكذلك قتل المرتد، ومن سيأتي ذكره إن شاء الله في هذا الباب. وقسم يقتل قصاصًا، وهو قتل القاتل الذي يقتل قتل عمد، فإنه يقتل قصاصًا، إلا أن يعفو أولياء المقتول. وهناك ما فيه خلاف من هذا النوع، كقتل الغيلة، كما سيأتي إن شاء الله التنبيه عليه: هل هو قصاص أم حد؟ والصحيح أن قتل الغيلة يلحق بالحد، ولهذا لو عفى أولياء المقتول، فإن قاتل قتل الغيلة لا يُعفى عنه؛ لأن حكمه حدًا، والحد للإمام، وهو حق لله، فلو عفى أولياء المقتول، فإنه لا يُعفى عنه. هذا هو القول الراجح الذي رجحه عدد من المحققين من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام وتلميذ بن القيم، وهو المروي عن أحمد ومالك. وقتل الغيلة هو القتل بشيء من المباغتة والمكر، فما كان من هذا النوع فهو مثل معنى الحرابة والإفساد في الأرض. وأما القسم الثالث، فهو التعزير، وقد تقدم معنى أنه للحاكم على تفاصيل سبقت الإشارة إليها في الكلام على باب حد الحرابة والكلام على التعزير. فإذن علمنا بهذا أنه أراد بهذا الباب جمع كل من يدخل تحت معنى القتل حدًا، وهو أحد الأقسام الثلاثة في القتل. ونراه هنا أنه ذكر 13 قسمًا: الحربي والمرتد إلى آخر ما ذكر. أما قوله: الحربي، أي الذي يحارب المسلمين فإنه يقتل، والأصل فيه الكافر والمشرك، وهكذا كذلك من كان معهم ولو مسلمًا إذا لم نعلمه. ولهذا يقولون: الحربي. وقد أشار في الشرح إلى أن عمومات الأدلة الكثيرة تدل عليه، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقتال النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين ينقسم إلى قسمين: قسم منه قتال دفع، وهذا لا إشكال فيه؛ إذ أن المشرك يقتل ما دام هو الباغي. وقسم منه ليس قتال دفع، وهذا لا يكون إلا بعد عرض خصال الإسلام، وهذا معلوم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يعرض، يرسل إلى المشركين عرض الإسلام، فإن أسلموا أو الجزية، فإن أبوا فيقاتلون؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ولأجل أن لا يحول أحد بين الناس وإرادتهم. فحكم الكفار حكم يمنع الناس من أن تكون كلمة الله هي العليا. وأما قوله: المرتد، المرتد هو من خرج عن دين الإسلام بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك. فقد يكون بقول فقط، وقد يكون بفعل فقط، أو اعتقاد أو شك. فمثال القول ما سيأتي إن شاء الله، مثل أن يسب الله -والعياذ بالله-، والفعل مثل أن يسجد لغير الله، والاعتقاد مثل أن يعتقد الألوهية في غير الله، ولو لم يدعه أو يسجد له، حتى لو لم يدعه ولم يسجد له، هذا الاعتقاد يكفي في كونه مرتدًا. وطبعًا يظهر هذا الاعتقاد، فإن ظهر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهكذا الشك، فإن صاحبه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا. وله صور سيأتي بعضها، ويأتي الإشارة إليها. وحكم المرتد أنه يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب ورجع وإلا قتل. وأشار المؤلف رحمه الله إلى عدد من الأدلة، منها ما جاء في الصحيحين في حديث بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، ومنها كفر بعد إيمان، وله ألفاظ، والحديث مشهور في الصحيحين. ومن ذلك ما جاء في البخاري وغيره من حديث بن عباس: «من بدل دينه فاقتلوه». وهكذا ما جاء في الصحيحين في قصة أبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما، حين زار معاذ أبو موسى، وعنده رجل موثق، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: يهودي أسلم ثم تهود. فقال معاذ: والله لا أجلس حتى يقتل؛ قضاء الله ورسوله. وهكذا أدلة كثير في هذا الباب تدل على هذا الحكم الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. وقد اتفق الصحابة على حكم القتل للمرتد بعد الاستتابة. ومن الردة كذلك سب الصحابة، خصوصًا من جاء ذكرهم بالنص، أي في إثبات فضلهم. ثم قال رحمه الله: والساحر. وأشار بالشرح إلى بعض الأحاديث المروية في هذا الباب مرفوعة وموقوفة، والمرفوع كما أشار فيه ضعف، لكنه صحيح من جهة المعنى. فقد رويت موقوفات عن عدد من الصحابة، منهم جندب وعمر وغيرهم. وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ فإن مثل هذا لا يقال بالرأي، بل هذا يؤيد صحة المرفوع من أن الساحر يقتل بالسيف حدًا. وقد أرسل عمر رضي الله عنه إلى الأمصار أن يقتل كل ساحر وساحرة. وهذا يدل مع سكوت الصحابة وإقرارهم أنه إجماع بين الصحابة؛ فلم يخالفه رضي الله عنه وأرضاه أحد، بل على العكس نقل عن غيره القول بقتل السحرة. فالساحر يقتل، وفرق بعض أهل العلم بين السحر الذي هو كفر وبين السحر الذي ليس هو كفر. فهذا الثاني تسميته سحرًا من جهة ما فيه من خفاء، فهو سحر لغوي واصطلاحي لا شرعي. أما في الشرع، فالأدلة دلت أن الساحر هو من يقع منه الكفر، ومن يدعو بقوله وفعله واعتقاده إلى الكفر. إلا إن كان الثاني سحره كان موجبًا للقتل، فإنه يقتل، مثل ساحر لم يعرف بالكهانة، وما كان بمعنى السحر الذي هو كفر، لكنه عنده شيء من الأعمال التي اشتهر بها، فسمي بها ساحرًا، كاستعمال بعض الأدوية، وخفة في حركاته، وبعض أفعاله، ثم أفسد بما وقع به القتل، فإنه يقتل. ولو قيل أن هذا طبيب أو أنه صاحب أعشاب أو نحو ذلك، فيقال: مدام قد أوصل ضرره القتل، فإنه يقتل. حتى أن بعض أهل العلم قال: مثل هذا يقتل ولو لم يقع القتل، يعني لم يتحقق القتل؛ لأن مثل هذا من المفسدين في الأرض، مدام يستعمل ما عنده في الشر، فهو حكمه حكم المفسدين في الأرض. فإذا كان المفسد في الأرض يقتل لأجل عشر الدراهم فما فوقها، فكيف بأنفس الناس وأعراضهم؟ وأما قوله: والكاهن، أشار بالشرح إلى حديث أبي هريرة، وأحاله إلى صحيح مسلم، وهو خطأ، وصوابه أن هذا اللفظ عند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة. ومعناه من حديث عائشة: «من أتى كاهنًا عرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». وأما الذي في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، لكن أراد أن يستدل باللفظ الأول الذي خارج الصحيح؛ لأن فيه تسمية من صدقهم كافرًا. وذلك لأن هؤلاء يوقعون الناس في الكفر إذا صدقوهم لفعلهم الكفر، فهم يفعلون الكفر بمعاني كثيرة، منها ادعاء علم الغيب، ومثل هذا صار عنده موجب من موجبات الكفر. وكذلك ما يكون من شرك قد يفعله، واستعان بالجن على هذا المعنى الشركي، وهذا كثير في الكهنة، وما كان بمعناه من معاني الكفر التي بها يستحق القتل حدًا. ومن هذا المعنى ما ذكره العلماء فيمن استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهذا كافر. فمن استحل محرمًا كالخمر مثلًا، قال: هي حلال، وهو معلوم من الدين بالضرورة أنه حرام، فهو كافر. أو أنكر وجحد واجبًا، فهو كذلك كافر، حتى ولو أنكر الأذان، قال: الأذان ليس بواجب، فوجوب الأذان على المسلمين في مساجدهم مما هو معلوم بالدين بالضرورة، فلو أنكره أحد كان بهذا كافرًا مرتدًا -والعياذ بالله-. وقوله: والساب لله أو لرسوله أو للإسلام إلى آخر ما ذكر، أشار في الشرح لعدد من الأدلة، بعضها صحيح وبعضها ضعيف، والصحيح يغني عن الضعيف، وبعض الضعيف يرتقي بمجموع طرقه إلى الحسن. فمن الصحيح حديث ابن عباس في قصة الأعمى الذي قتل أم الولد؛ لكونها سبّت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك سبّوا الله، وسبّوا الكتاب أو السنة أو كذلك الدين، فكل هذا مما تقع به حدّ القتل. ثم اختلفوا: هذا القتل هل هو ردة أم هو حد؟ اتفقوا أنه يجب القتل، لكن اختلفوا هل هو ردة أم هو حد؟ وبعضهم فرّق بين هذه المسميات المذكورة، يعني قالوا: مثلًا بعضهم فرّق، قال: من سبّ الله فقد ارتد، ومن سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يحد مع ردته يحد. والفرق بين كونه ردة أو حد كما تقدم: أن الردة فيه التوبة، وأما الحد فلا، حتى لو تاب، فتوبته لنفسه، مثل الزاني المحصن الذي يثبت عليه حكم الزنا، لو قال: أنا تبت، يقال: توبتك بينك وبين الله، لكن الله أوجب عليك ماذا؟ حدّ القتل، أوجب الله عليك حدّ القتل. وهذا هو الصحيح في سبّ النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو الذي رجّحه شيخ الإسلام، وانتصر له في كتابه العظيم «الصارم المسلول». وأما من سبّ الله أو سبّ دين الإسلام أو الكتاب أو السنة، فهذا مرتد، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يتب بعد إمهاله المدّة المعلومة، فإنه ماذا؟ يقتل حدًا، حدّ المرتد: «من بدّل دينه فاقتلوه». وهذا هو الصحيح في تفصيل المسائل التي أشار إليها. وذكر الزنديق، والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويظهر ذلك من خلال كثرة إظهار التوبة إذا انكشف حاله، مع كثرة ظهور الكفر والكفريات منه بين الحين والآخر. فمثل هذا على الصحيح لا تقبل توبته، من كان كذلك لا تقبل توبته، ويقتل حدًا على الصحيح. لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾. ولقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا كَذَلِكَ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، هناك لن يغفر الله لهم، هناك لن تقبل توبتهم. وذكر العلماء تفاصيل، والصحيح أن من تحقق فيه هذا الوصف فلا تقبل له توبة. وأما من سمي زنديقًا وهو ليس على هذا الوصف، فهذه التسمية لا تضره، مثل المرتد الذي يقع منه مثل ما سبق: إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، لكن مرة واحدة، فمثل هذا انتهى، قبلت توبته. وذكر رحمه الله اعتبار التوبة، يعني أنه إن تاب تاب الله عز وجل عليه، وهذا في حق المرتد ومن يصح منه التوبة. وأما من لم تصح منه التوبة، فإنه كما تقدم يقتل حدًا. فالمرتد تقبل منه التوبة، وإن كان يحد بالقتل. لكن الزان المحصن، وساب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن كان بمعنى هؤلاء، يقام عليه الحد، وتوبته بينه بين الله سبحانه وتعالى. وما أشار إليه في حديث أم رومان، ورواية أم مروان: بأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الإسلام عليها حين ارتدت، هذا الحديث حسن بمجموع طرقه، وهو يحمل على من على المرتدة كما تقدم التي تقبل منها التوبة. وأما صاحب الحد فلا كما تقدم. وذكر المحارب، وقد تقدم معنا الكلام عليه. وهناك بعض المسائل مرت معنا فيها خلاف، مثل ناكح البهيمة، وكذلك تارك الصلاة، ونحو هؤلاء. فتقدم ناكح البهيمة: الصحيح أنه لا يقتل، وأنه يعزر بحسبه. وتارك الصلاة: على الصحيح أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن تركه للصلاة على الصحيح أنه كفر. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الموضع. وإلى هنا والله تعالى أعلم.