الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 17، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يجب على المعلم أن يعتني بالطالب كما يعتني الوالد بولده، صابراً على جفائه ومجمعاً بين الرفق والحزم عند الإصلاح. ويستدل بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الحلم والعفو، مقرراً قاعدة محبة الخير للطالب كما يحبها لنفسه.
يؤكد وجوب تواضع المعلم لطلابه ومعاملتهم برفق كالأبناء، مستدلاً بآيات وأحاديث في فضل التواضع. ويبين أن قبول المعلم للتنبيه على خطئه من الطالب من التواضع، مع توسيع الصدر وشكر المنبه.
يشير إلى أن أجر العلم مستمر بعد الموت إذا كان نافعاً، ويفرق بين التواضع المذموم والمشروع، مشدداً على إصلاح النية كأول خطوات العلم. ويذكر مراحل العلم من النية إلى النشر مع وجوب الصدق ومراقبة الله.
يختتم بالتأكيد على أن التحلي بأخلاق العلم يجلب البركة في العلم والحياة، والسعادة في الدنيا والآخرة. ويدعو الله أن يوفق الجميع للعمل بهذه الآداب.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال: وينبغي أن يحنو على الطالب، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه ومصالح ولده، ويجري المتعلم مجرى ولده في الشفقة عليه والاهتمام بمصالحه، والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذره في قلة أدبه في بعض الأحيان؛ فإن الإنسان معرض للنقائص، سيما إذا كان صغير السن. نعم، هذا على المعلمين بالنسبة للمتعلمين: أن يعتنوا بما ذكر المصنف رحمه الله، أنه يحرص على إيصال الخير إليه، ويعتني بتحصيل المصالح له كاعتنائه بمصلحة ولده. معلوم شفقة الوالد على ولده، وأنه أحرص على مصلحة الولد من حرص الولد على نفسه. فهكذا ينبغي للمدرس بالنسبة للطالب أن يحرص على تحصيل المصالح له وتكميلها، ودفع المفاسد عنه وتقليلها، ويهتم بتربيته، ويشفق عليه، ويصبر على الجفاء وسوء الأدب الذي يحصل من الطالب أحيانا. نعم، العالم زينته في حلمه، زينته في حلمه، فيحتاج أن يداري الطلاب، وأن يكون فطنا متغافلا، وأن لا يؤاخذ على كل شيء. وهذا لا يمنع من التعنيف في بعض الأحيان، ولا يمنع من استعمال الشدة في بعض الأوقات. فالمقصود هو كيف يصلح هذا المتعلم. إن جاء الإصلاح من طريق الرفق واللين والتغافل والعفو فهذا هو المطلوب. وإذا رجى أن يصل إلى الإصلاح بطريق الشدة والغلظة، لكن يحرص على أن لا ينفر الطالب نفرة تامة ونفرة مطلقة، بحيث أنه ينقطع عن الطلب ولا يهتم بتحصيل العلم. فهذه مسألة مهمة: الرفق والعناية. وانظروا إلى أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: فأنس بن مالك يقول: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء أبدا: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا وكذا؟ وعائشة رضي الله عنها هي التي كانت تقول: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بسيئة سيئة، ولكن يعفو ويحلم. فهكذا ينبغي للمدرس أن يحرص على تأديب الطالب الذي يقبل التأديب، وأن ينصل إليه الخير. فهذا ما ذكره المصنف رحمه الله في هذا الفصل. قال رحمه الله: ينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من الخير، وأن يكره له ما يكره لنفسه من النقص مطلقا. وعلى رأس ذلك تهذيبه وتقويمه وإصلاحه، كما أنه يحب ذلك من نفسه. وهكذا في باب العلم: لا يدخر عن الطالب شيئا يعلم أنه ينتفع به بخلا عليه. وهكذا - بارك الله فيكم - يعني في جوانب الأخلاق وغير ذلك، فهذا كله داخل في هذا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». كما أنه يحب من نفسه صلاح السريرة وحسن الأخلاق والعلم النافع والأدب، فهكذا يحرص على إيصال هذه الأمور إلى الطالب. قال: فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». كما أنك تحب لنفسك العلم، وتحب لنفسك الأدب والأخلاق، وتحب لنفسك السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فهكذا ينبغي أن يحرص أن يكون الطالب كذلك. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهي لفعلت. وفي رواية: إن الذباب لا يقع عليه فيؤذيني. وهذا الأول كما تقدم أن سنده تالف، والثاني وفي رواية سنده ضعيف، كما أفاد المحقق هنا. تعليق للنووي مرين عليه. قال النووي رحمه الله: يحن على الطالب، أي يعطف عليه ويشفق به. قال رحمه الله: فصلا، وينبغي أن لا يتعاظم على المتعلمين، بل يلين لهم ويتواضع لهم. فقد جاء في التواضع لأهل الناس أشياء كثيرة معروفة، فكيف بهؤلاء الذين هم بمنزلة أولاده، مع ما هم عليه من الاشتغال بالقرآن، ومع ما لهم عليه من حق الصحبة وترددهم إليه. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه». وهذا حديث ضعيف جدا كما أفاد المحقق. قالوا: عن أيوب السختياني رحمه الله: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله عز وجل. نعم، التواضع خلق جميل لمن رزقه الله سبحانه وتعالى. فمن الأخلاق الفاضلة التواضع، ومن الأخلاق السيئة التكبر. قال: الأدلة في فضل التواضع كثيرة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]. وهكذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه». وهكذا في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد». قال: فكيف بهؤلاء الذين هم بمنزلة أولاده؟ نعم، المعلم بمنزلة الوالد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم». فالمعلم بمنزلة الوالد، وهؤلاء بمثابة الأولاد. فكما أنه مأمور بالتواضع لعموم الناس، فأولاده من باب أولى يتواضع لهم ويلين لهم، ولا يتكبر عليهم. ما هو الكبر؟ فسره النبي صلى الله عليه وسلم: «بطر الحق وغمط الناس». فلهذا لا يستنكف المدرس أو المعلم من أن يقبل الفائدة أو التنبيه على الخطأ من قبل الطالب، وإلا وقع في التكبر عليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». فحتى يتواضع لهم، يحذر من أن يرد الصواب الذي يأتي من قبل الطلاب، بل يوسع صدره. وإذا نبّه على خطأ فيقبل ويشكر المنبه، وإذا استطاع أن يدعو له بظهر الغيب أنه أفاده. وحتى تتم الفائدة، ينبغي على المنبه أنه يستعمل الرفق، كما أنه مع أبيه. يعني: إذا أراد أن ينبه أباه فهو مطلوب منه شرعا أن يحسن التصرف. فهكذا بالنسبة للطلاب مع المدرسين. المدرس مهما بلغ من العلم لم يؤت من العلم إلا قليلا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. ويقول الله عز وجل: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. ومهما بلغ العالم من العلم، ليس عنده إلا بعض العلم، وليس عنده جميع العلم. فلهذا الخطأ وارد على العلماء، مهما بلغت منازلهم، ومهما ارتفعوا، ومهما توسعوا في العلوم. فما يوجد عالما لم يخطئ، ولا يوجد - من باب أولى - من طلاب العلم من لا يخطئ، بل الخطأ كثير. لكن من كثر صوابه، فإن خطأه يغتفر في جانب الصواب والخير الذي عنده. والكريم النبيل هو الذي يغتفر قليل الخطأ في كثير الصواب. فلهذا: من التواضع للمتعلمين قبول الحق والتنبيه الذي في موضعه ومكانه. ومن التواضع عدم احتقارهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الكبر: بطر الحق وغمط الناس، أي احتقارهم وازدراؤهم. لا يجوز أن تحتقر أخاك المسلم، فكيف بالطالب الذي جثى بركبتيه وحرص على أن يتعلم العلم؟ وكما تقدم في الدرس الماضي: أن الطالب يقدم للمدرس أعظم خدمة. ما هي بضاعة المدرس؟ هي العلم. فهذا يأخذ هذه البضاعة ويذهب، يبحث عن أسواق لها، ويعلن لها، ويدل لها. فإذا نفعه الله بالعلم في نفسه، ونفع الله به الناس، فإذا هو سوق لك البضاعة ونشرها، وبحث لك عن أرباح وأنت في بيتك. فأجر العلم يبقى مستمرا ولو مات الإنسان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فهكذا يعني أيضا يوسع صدره من التواضع، كما تقدم، لما يأتي به الطالب من تنبيه. وليس من التواضع الإفراط في المزح، فإن هذا مما يقلل من هيبة المدرس عند الطالب. أنه يريد أن يتواضع فيكسر الحواجز، ويفرط في المزح واللعب وهكذا. فهكذا قد يحرم الطالب الانتفاع بمدرسه إذا بالغ في ذلك. ولابد أن يفرق بين التواضع وبين صيانة العلم. ليس من التواضع أن يبتذل وأن يهين العلم، بل ينبغي كما فعل السلف، وكما يفعل العلماء: ينبغي أن يحرص حامل العلم على أن يبقى العلم معززا وكريما ومعظما. ليس من التواضع إهانة العلم، وله صور، لكن هذا في الجملة. هناك فرق بين صيانة العلم وبين التكبر. قال رحمه الله: فصل، وينبغي أن يؤدب المتعلم على التدريج من الآداب السنية والشيم المرضية، ورياضة نفسه بالدقائق الخفية، ويعوده الصيانة في جميع أموره الباطنة والجلية، ويحرضه بأقواله وأفعاله المتكررات على الإخلاص والصدق وحسن النيات، ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، ويعرفه أنه بذلك تفتح عليه أبواب المعارف، وينشرح صدره، وتتفجر وينفجر من قلبه ينابيع الحكم واللطائف، ويبارك الله له في علمه وحاله، ويوفق في أفعاله وأقواله. هنا تعليق للنووي رحمه الله مشينا عليه: قال أيوب السختياني: بفتح السين، وكسر التاء. قال أبو عمر بن عبد البر: كان أيوب يدبغ الجلود بالمصرة، فلهذا قيل السختياني. نعم، هذا الفصل الذي قرعناه. نعم، من الأمور المهمة: فطالب العلم أولى الناس بالقيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات، والتخلق بالأخلاق الفاضلات؛ لأنه تميز عن غيره بأنه يحمل العلم والهدى الذي يقود إلى كل فضيلة، ويمنع عن كل رذيلة. وتجد المصنف رحمه الله يبدي ويعيد في مسألة الأخلاق والتهذيب والإخلاص. فهذه من أهم المهمات. لكون هذا الشيء - وهو خلاف الإخلاص - من أعظم الآفات التي تهجم على طلاب العلم وأهل العلم. قد يبتعدون عن كثير من الكبائر، من الفواحش وشرب الخمور وفعل كذا وكذا، لكن هذا الجانب من أعظم ما يهجم على أهل العلم وطلاب العلم: مسألة فساد النوايا. أنه يطلب العلم لغير الله سبحانه وتعالى، لتحصيل مقاصد دنيئة، أو الوصول لأغراض عاجلة وفانية: من المباهاة، أو المفاخرة، أو نيل الرتب، أو الرئاسة، أو العظمة، أو الشهرة، أو المناصب، أو الأموال، أو الرياء، أو السمعة. فهذه الأشياء من أعظم ما يخاف على طالب العلم. فلهذا نبه العلماء على ضرورة إصلاح النوايا: أن لا يريد بعلمه إلا وجه الله تبارك وتعالى، وأن لا يريد بعلمه إلا أن يتعلم ويعمل بالعلم، وينتفع بهذا العلم، وينشر هذا العلم. وهذا من صلاح النية. وفي هذا يقول ابن المبارك: «أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر». فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لذلك: مسألة ضرورة إخلاص النية، وإلا ينقلب عليه هذا العمل الذي هو من أفضل العبادات إلى أسوأ الأمور وأعظم الأشياء ضررا عليه. القرآن حجة لك أو عليك. وهنا أشار أيضا رحمه الله إلى مسألة الصدق، قال: والصدق وحسن النيات ومراقبة الله تعالى في جميع الأمور. كان الأوزاعي رحمه الله يقول: تعلموا الصدق قبل أن تتعلموا العلم. ويقول وكيع: إن هذه صنعة لا يرتفع فيها إلا صادق. فيلزم طالب العلم خلق الصدق في القول والعمل، خلق الصدق في القول والعمل، وأن يحذر من الكذب لا في قوله ولا في عمله. فهذه من المهمات. قال بعد أن ذكر أمورا: ويبارك الله له في علمه وحاله، ويوفق في أفعاله وأقواله. نعم، من وفقه الله سبحانه وتعالى لتخلق بأخلاق العلم، وتأدب بآدابه، ولزوم الأمور التي ينبغي أن يتحلى بها، فإنه تحصل له البركة في علمه وفي حاله، ويسعد في دنياه وآخرته. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر