الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 29، الدرس التاسع والعشرون:من( وكذلك أمر الله بالاستعاذة به وحده من الشرور كلها ... فهذه إخلاصها لله إيمان وتوحيد وصرفها لغير الله شرك وتنديد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش أهمية الاستعاذة بالله وحده دون غيره ويحذر من خلطها مع المخلوقين. يبين أن الاستعاذة بغير الله شرك.
يشرح حكم الاستعاذة بالمخلوق الغائب والحاضر، ويبين أنها شرك إذا أعطيت صفات ليست للمخلوقين. يحذر من لوثة الشرك في ذلك.
يحدد حدود الالتجاء إلى المخلوقين ويحذر من العبارات التي توهم الغلو فيهم. يبين أن التعلق بالأحياء أو الأموات في معاني الربوبية شرك.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشارح رحمه الله تعالى: «قال: وكذلك أمر الله بالاستعاذة به وحده من الشرور كلها، وبالاستغاثة به في كل شدة ومشقة، فهذه إخلاصها لله إيمان وتوحيد، وصرفها لغير الله شرك وتنديد». كذلك مما ذكر في هذا الموضع الكلام على الاستعاذة، وسبق الكلام عليه، وأنه لا يجوز الاستعاذة إلا بالله عز وجل؛ لأن الاستعاذة عبادة. وعلمنا فيما سبق ما ذكره المؤلف رحمه الله في الآية والحديث، وكذلك المسائل التي أشار إليها إلى شيء من ذلك. وقوله هنا رحمه الله: «وكذلك أمر الله بالاستعاذة به وحده من الشرور كلها» إشارة إلى أنه من الشرك الاستعاذة بغير الله عز وجل، وأنه كذلك الاستعاذة تكون في طلب دفع الشر، وضد الاستعاذة اللجوء، وهو طلب حصول الخير، فكذلك هذا لا يطلب إلا من الله عز وجل وحده. وسبق أن علمنا فيما سبق أن الاستعاذة الأصل فيها لا تجوز إلا من الله سبحانه وتعالى، فلهذا يستعاذ بالله بأسمائه وصفاته، كما جاء في الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، «أعوذ بكلمات الله التامات أو التامة من كل عين وهامة»، ونحوها من الأحاديث. وأنه جاء عن بعض أهل العلم جواز فعل معنى الاستعاذة إذا كان من المخلوق فيما يقدر عليه، إذا كان من المخلوق فيما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه لا يجوز. ولهذا كذلك من هذا الباب، وزيادة في الاحتياط نص أنه لا يجوز أن يقول: «أعوذ بالله وبك»؛ لأن قولك: «أعوذ بالله وبك» فيه تشريك للمخلوق مع الخالق، مع أن الاستعاذة التي هي من الخالق ينبغي أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى. وفرق بين الاستعاذة بالمخلوق والاستعاذة بالخالق. وبعضهم أجاز «أعوذ بالله ثم بك» على أن «ثم» تفيد الفصل والتفريق وعدم التسوية، يعني هذا المعنى المتضمن. والأولى ترك هذا التعبير، يعني وإن كان نص عليه بعض أهل العلم، إلا أن الأولى ترك هذا التعبير حتى لا يحصل لبس في هذا الباب، كما تقدم معناه في الكلام على الأصل. وهكذا كذلك من معاني الاستعاذة العود بالمجهول، أو بالمعلوم الذي يعلم أن العود به من الشرك، ولو كان هذا فيما يقدر عليه؛ لأن الذي يقدر عليه لابد أن يكون حاضرا، فإن كان غائبا فهذا من الشرك. فلا يجوز أن تقول: «أعوذ بفلان وفلان غائب»؛ لأن هذا معناه أن تعطيه صفة ليست هي من صفات المخلوقين، بل ترفعه إلى منزلة الخالق؛ فإنه لا يعلم الغيب، ولا ينصر من وراء الغيب إلا الله سبحانه وتعالى وحده. حتى لا يتعلق متعلق بقوله: «إنما استعاذ فلان من مخلوق فيما يقدر عليه». وهذا غير صحيح؛ لأن الذي يقدر عليه إن كان حاضرا، وأما إن كان غائبا فهذا مما لا يقدر عليه. ولجهل الكثير بهذا الباب استطاع أن يتسلط رؤوس المتصوفة من القبوريين، من عباد القبور على الناس بمثل هذه المفاهيم الساقطة الباطلة. فربما تجد بعضهم يقول: «السيد فلان، والحبيب فلان» -وهو سيد في الشرك والعياذ بالله- استعاذ به أو استغيث به في سفينة كانت في البحر فأنجاها. وهذا شرك من ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أنه في شيء لا يقدر عليه إلا الله، والثاني: أنه من مخلوق، لو قدر أنه يقدر ويستطيع ذلك لو كان حاضرا، وأما كونه غائبا فهذا معنى من معاني الشرك. والثالث: أن اللجوء إلى مثل هذا الإنسان الذي يعتقد فيه معاني تنافي إخلاص الربوبية والألوهية والأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى، هذا فيه معنى من معاني الشرك. وقد نهينا عن الذبح لله عز وجل في موضع يذبح أو ذبح فيه ولو من زمان بعيد لغير الله؛ لماذا؟ سدا لذريعة الشرك، سدا لذريعة الشرك. فلا يجوز أن يستعين الإنسان بمخلوق فيما يزعم أنه يقدر عليه، ولو كان صحيحا يقدر عليه، ولو كان حاضرا، إذا كان هذا المخلوق فيه لوثة الشرك. إذا كان هذا المخلوق فيه لوثة الشرك، مثل سدنة القبور الذين هم دعاة الشرك، فإن أمثال هؤلاء لا يجوز الاستغاثة بهم ولو فيما يقدرون عليه؛ لأن غالب هذه الاستغاثات والاستعاذات هي من الاستغاثات والاستعاذات الشركية. ومنه حرم العلماء ونصوا أنه لا يجوز الاستعاذة بمن فيه هذا المعنى، ولو كان ماذا يقدر عليه. فقد كان من استعاذات الجاهلية أنهم إذا نزلوا منزلا ودخلوا أرضا قالوا: «نعوذ بعزيز هذه الأرض من كل شر، كل ذي شر». وأحيانا يقصدون بهذه الاستعاذة استعاذة من الجن، وهذا شرك. وأحيانا يريدون بهذه الاستعاذة الاستعاذة من كهنة ذاك المكان، وهذا شرك. وقد يكون في معنى هذه الاستعاذة قد يكون في معنى هذه الاستعاذة شيء مما يقدر عليه الإنسان، لكن لكونه كان من غائب، ولكونه كذلك مع مضنة الشرك، فإن مثل ذلك نصه أنه لا يجوز. فلهذا ينبغي للإنسان أن ينتبه للمعاني التي تكون فيها ذريعة الشرك؛ لأنه لو لم يكن شركا أكبر ربما كان شركا أصغر، فينبغي أن يقطع مثل ذلك. والأولى ترك لفظ الاستعاذة ومعنى الاستعاذة من الالتجاء، وكذلك الدفع والاعتصام ينبغي أن يكون كذلك مقيدا وغير مطلق. قال: هل يجوز أن يقال: «الناس يلتجئون إلى فلان وهو ما يقصر»؟ جزاه الله خيرا، علما بأن هذا فلان من دعاة الشرك. إذا كان المقصود مثل ما ذكرت، وهو أنهم يلتجئون إليه في معنى من معاني الشرك، فهذا لا يجوز، وهذا هو الذي يدخل في معنى الكلام الذي نبه له، كأن يكون مثلا معروفا بالشعوذة والكهانة والاستعانة بالجن، ومعروف أنه سادن من أحد سدنة القبور التي يشرك بها مع الله، وغير ذلك، فهذا لا يجوز، وصاحبه بين الشرك الأكبر والأصغر. إذا كان أمورا دنيوية محضة لا تلتبس، فهو جائز، لكن لا ينبغي أن يجعله بصيغة مشتبهة، لا يجعله بصيغة مشتبهة، ينبغي أن يجتنب الصيغة غير الواضحة. قال: أمس أن أحدهم قال: «الحبيب فلان يلجأ إليه الناس وما يقصر معهم». هذه عبارة موهمة، حتى لو أراد أنه بالصدقة ولعانة، لكن ربما أوهم ذلك شيئا من الغلو في هذا الإنسان؛ لكونه فيه معنى من المعاني التي يطمع بها عباد القبور. حتى بعضهم ربما يظن لو أعانهم فإنه يعينهم من رزق الله -ها يقولون: يعين من رزق الله وليس من ماله- وكونه يسمى رزق الله، وهو في الحقيقة فيه تعلق بهذا المخلوق أنه يقدر ما يقدر عليه الله، لا يخرج عن كونه فيه لوثة شرك. إنما هو كأنهم قالوا: من الرزق الذي يملكه، مع أنه لا يملك الرزق، الله الذي يملك الرزق، وليس مثله يرزق الناس من رزق الله، لا، فرزق الله هنا عندهم المراد به فتح باب الشرك، بأن يجعل لبعض رؤوس عباد القبور معنى من معاني الربوبية التي لا يشاركهم فيها أحد من بني آدم. هذا هو المقصود أن عند هؤلاء أحياء أو ميتين معنى من معاني الربوبية التي لا يشاركهم فيها مخلوق، فلذلك فهم يتعلقون بهم أحياء وميتين، وهذا شرك، وهذا شرك، ومعتقد ذلك بين الشرك الأكبر والأصغر. ولو قال لفظ «رزق الله»، «رزق الله» معنى قد يدخل فيه معنى صحيح، وقد يدخل فيه معنى غير صحيح، ومع أمثال هؤلاء يغلب المعنى غير الصحيح.