الدرس الخامس والأربعون:من( باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف ِإذا عبده ... من الاضطراب والفتنة ما حصل ولم ينج من فتنته إلا من عرف الحق واتبعه)
يشرح الشيخ حكم زيارة القبور وشد الرحال إليها، ويفرق بين الزيارة المشروعة والممنوعة. يحذر من الغلو في قبور الصالحين والشرك بالله.
يُناقش حكم الصلاة في بيوت تحتوي على قبور أو تحيط بها، ويشير إلى شروط جواز الصلاة في مثل هذه الأماكن. يُوضح ضرورة نقل القبور خارج البيوت التي تحتوي عليها.
يرى الشيخ أن استدلال البعض ببعض الأحاديث على جواز زيارة النساء للمقابر غير صحيح. يُحذر النساء من زيارة القبور بسبب الجهل وغلبة العاطفة لديهن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله في تعليقه على كتاب التوحيد المسمى بالقول السديد في مقاصد التوحيد. قال: قوله «باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده»، وباب «ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين صيرها أوثانا تعبد من دون الله». قال رحمه الله: ما ذكر المصنف في البابين يتضح بذكر تفصيل القول فيما يفعل عند قبور الصالحين وغيرهم، وذلك أن ما يفعل عندها نوعان: مشروع، وممنوع. أما المشروع، فهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، يزورها المسلم متبعا للسنة، فيدعو لأهلها عموما ولأقاربه ومعارفه خصوصا. ومعنى أهلها، أي أهل تلك المقبرة التي زارها، وأهله الذين زارهم على وجه الخصوص. قال: فيكونوا محسنا إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم. والأفضل أن يدعو بالدعاء الوارد المشروع «سلام دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإن إن شاء الله بكم لاحقون» إلى آخره من الأدعية الواردة في هذا الباب. وإن دعا لهم بدعاء عام فهو جائز بعد السنة الواردة. قال: ومحسنا إلى نفسه باتباع السنة وتذكر الآخرة والاعتبار بها والاتعاظ. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام الأمر بزيارة القبور؛ فإنها تذكر الآخرة. وإن كان قد صح عنه أنه في أول الإسلام نهى عن زيارة القبور، ثم لما قام التوحيد في أهل الإسلام وعرفوا الفرق بين ما يجوز وما لا يجوز أذن لهم بزيارة القبور، كما جاء في حديث بريدة وغيره «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وهذا مشروط كما تقدم بأن لا يكون فيه شد رحل، لقوله عليه الصلاة والسلام «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فإن هذا الحديث استدل به العلماء أنه لا يجوز شد الرحل أي السفر إلى القبور ولو كانت قبور أنبياء وصالحين. ويجوز أن يكون زيارتها تبعا للسفر المشروع، مثلاً سافرت للحج والعمرة فوصلت إلى مواضع فيها قبور أنبياء وصالحين، لا بأس أن تزورها تبعا، لكن لا يكون شد الرحل لأجل زيارة هذه القبور. قال: وأما الممنوع فإنه نوعان: أحدهما محرم وسيلة للشرك، كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة. فكل هذه وسائل تفضي إلى الغلو في هذه القبور وأهلها والشرك، فلهذا حرمت في الإسلام. منها ما حرم بالنص، ومنها ما حرم بعموم النص والقياس الصحيح المعتبر. فمما حرم بالنص إما النص الصريح أو بالإشارة التمسح، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يتمسح بشيء إلا بالركنين اليمانيين، حتى صح عنه النهي عن غيرهما. قال العلماء: فإذا كان هذا بحق الكعبة فما دون الكعبة من باب أولى. فإذا كان لا يجوز التمسح بغير الركنين اليمانيين فكيف بما هو دون الكعبة؟ وهكذا كذلك الصلاة عندها قد جاءت به النصوص، والبناء عليها جاءت به النصوص، وإصراجها إن صح النص، وإن لم يصح فهو من القياس الصحيح. ومما يدخل في عموم النص وغير ذلك مما أشار إليه رحمه الله. قال: والنوع الثاني شرك أكبر، كدعاء القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر وواضح ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم. ولا فرق في هذا بين أن يعتقد الفاعل لذلك أنهم مستقلون في تحصيل مطالبه أو متوسطون إلى الله. فإن المشركين يقولون «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» ويقولون «هؤلاء شفعاؤنا عند الله». وبهذا يعلم أن كفر هؤلاء لا يشترط فيه إدعاء الربوبية والألوهية في هؤلاء الذين عبدوهم، بل مجرد صرف العبادة لهم يعد شركا وكفرا. فمن قامت عليه الحجة بذلك فهو مشرك وكافر ومرتد. حتى لا يقول قائل: هؤلاء إنما يعتقدون أنهم عباد صالحون ولكنهم واسطة خير بين أصحاب الذنوب وبين الله عز وجل. فيقال: هذه واسطة ممنوعة. فالوسائط بين الحق والخلق تنقسم إلى أقسام جملتها في شيء ممنوع ومشروع. أما المشروع فهو واسطة العلم والتبليغ وما كان بمعناه من مقام أهل الرسالة والنبوة عليهم الصلاة والسلام. ومنها ما هو ممنوع، وهي الوسائط التي تتخذ في عبادة الله، فيطلب من غير الله زعما أنهم شفعاء عند الله أو يقربون إلى الله. فهذه الوسائط هي الممنوعة، وهو الشرك الذي وقع مثله في المشركين. وهذا هو قوله «ولا فرق في هذا بين أن يعتقد الفاعل لذلك أنهم مستقلون في تحصيل مطالبه أو متوسطون إلى الله»؛ لأن شرك المشركين وكفر الكافرين كان بأحد هذين النوعين. فمن وقع في أحدهما فقد شابه المشركين، ولا فرق بين من جعل المستقل أو الواسطة صنما أو جعله قبر صالح أو نبي. قال: فمن زعم أنه لا يكفر من دعا أهل القبور حتى يعتقد أنهم مستقلون بالنفع ودفع الضرر، وأن من اعتقد أنهم واسطة بين الله وبين من دعاهم واستغاث بهم لا يكفر. من زعم ذلك فقد كذب ما جاء به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة من أن من دعا غير الله فهو مشرك كافر في الحالين المذكورين، سواء اعتقدوهم مستقلين أو متوسطين. وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام. فمن تتبع دلة القرآن والسنة وجد هذا جليا واضحا. وقد أشار إلى ذلك بالآيتين السابقتين، ومر معنا في باب الشفاعة شيء من البسط في هذا المعنى، خصوصا القسم الثاني وهو اتخاذ بعض المخلوقين وسائط. قال: فعليك بهذا التفصيل الذي يحصل به الفرقان في هذا الباب المهم الذي حصل به من الاضطراب والفتنة ما حصل. والاضطراب والفتنة إنما هو عند من جهل العلم. وأما من وقف على العلم الصحيح من الكتاب والسنة لم يحصل له اضطراب ولا فتنة. لكن الاضطراب والفتنة يكون بسبب الجهل ودعاة السوء الذين ربما يكونون سببا لفتنة للجهل وعامة الناس. قال: ولم ينج من فتنته إلا من عرف الحق واتبعه. ومعرفة الحق يكون بالعلم وحملته الصادقين. فلذلك ينبغي على المسلم أن يحرص على مجالس العلم وعلى أهل العلم علم الكتاب والسنة؛ فإنهم بهذا أي بسلوككم هذا المسلك ينجون من هذه الفتن وأمثالها. هذا سؤال، يقول: عندنا بيت بني حوله قبور، والثاني بيت كان فيه قبور، هل تجوز الصلاة فيه؟ أما البيت الذي فيه قبور لا يجوز حتى تخرج هذه القبور من البيت. وأما البيت الذي حوله قبور فإن تأكدوا أنه لا يوجد داخل البيت قبور، فينظر هل القبور في قبلة البيت؟ يعني إذا كان القبلة إلى اتجاه الشمال وكانت القبور في جهة الشمال، إذن المصلي داخل البيت سيصلي إلى جهة القبور. فهنا بعض أهل العلم يقول: الأحوط أن يجعل بين سور جدار البيت وهذه القبور سور آخر يحجز هذه القبور عن البيت. وبعضهم يوجب هذا. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يرى أن المقبرة إذا كانت في قبلة المسجد وليس بينها وبين المسجد إلا جدار المسجد فلا يجزئ ذلك للمصلين، بل لابد أن يقيموا جدار آخر بين جدار المسجد وبين هذه المقبرة حتى لا تكون القبور في قبلة المسجد. وهذا مثله يقال على وجه الاحتياط في مثلي هذا البيت. يقول: بماذا نرد على استدلال من استدل على جواز زيارة النساء للمقابر بحديث أنس في المرأة التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي عند قبر ابن لها، وحديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة دعاء زيارة المقابر؟ الجواب: أن حديث المرأة ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها أبدا، بل فيه أن النصيحة قطعت بسبب إعراض المرأة. فلما قالت «إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي» تركها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكمل معها الحديث. فلو كان شيء من الاستدلال ينبغي الاستدلال بالشيء الصحيح الصريح. فليس هناك كما مر معنا شيء صحيح صريح يدل على جواز زيارة النساء للمقابر. وعندنا شيء صحيح صريح فيه النهي عن زيارة النساء للمقابر، فلا ينبغي أن يعارض هذا الصحيح الصريح بالمحتمل. وقضايا الأعيان عند الأصوليين وكثير من الفقهاء ليس يصح الاستدلال بها في محل النزاع؛ لأنها أولا ليست صريحة، ولأنها ثانيا تحتمل احتمالات كثيرة. والقاعدة «إذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال». وحديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة دعاء في زيارة القبور ليس في لفظ الحديث «إذا زرت المقبرة» أبدا، ولكن في الحديث «ما يقال عند زيارة المقابر» أو «عند المرور بالمقابر». وهذا عام؛ لأن حامل العلم لا يلزم أن يكون هو فاعلا لذلك العلم. فهي تعتبر من المعلمات والمربيات؛ لأنها تنقل علما عن النبي عليه الصلاة والسلام لغيرها. ثم قد يحتاج المسلم إلى ذلك إذا مر، وكما مر معنا في قصة عبد الرحمن بن عوف أن هذا يحمل على مرور المسلم والمسلمة إذا مرت بالمقابر. فإذا مرت المسلمة بالمقابر ورأت المقابر وهي على سيارة أو هي على دابة أو هي تمشي برجلها، فهل يجوز أن تدعو بدعاء زيارة المقابر؟ الجواب: نعم. ومن تأمل حديث عائشة وألفاظه وجد ذلك وظهر له هذا. وهذا هو الأحوط، خصوصا وأن العلة والمفسدة في زيارة النساء للمقابر موجودة. ولا يقول قائل: قد يوجد نساء لا يوجد في زيارتهن مفسدة. يقول: هذا قليل نادر، لكن الغالب لعموم أن النساء يفتتن بزيارة القبور؛ فالعاطفة تغلب عليهن فيحصل بذلك ما فيه مفسدة من خروج صوتها، ومن كذلك ربما انكشاف حجابها، وغير ذلك من العواطف التي لا تمتلكها المرأة إذا رأت عين القبر. ربما المرأة إذا تذكرت الميت الذي تحمل له العاطفة الكبيرة مات مالقت نفسها وهي لم تر القبر وهي في بيتها، وربما تؤثر عليها العواطف حتى تفعل بنفسها ما لا يجوز شرعا. بعضهن ربما تمتنع عن الزينة طول حياتها، وبعضهن... وربما بعض أولئك عندها شيء من العلم والفهم، لكن العاطفة تغلب. فكيف إذا زارت القبر مع ما فيه كذلك من كثرة الجهل في النساء؟ فهذا يدل على أن الشرك في النساء أكثر. ولهذا جاء في الحديث حديث أبي هريرة وغيره «تضطرب أليات نساء دوس». قال العلماء: وفي قوله «أليات نساء دوس» فيه دليل أن الشرك يدب في النساء أكثر مما يدب في الرجال. وهذا هو الواقع لكثرة الجهل فيهن وغلبة العاطفة. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن المسيح الدجال، وأن أكثر أتباعه من ماذا؟ من النساء، من الأعراب والنساء وطوائف من اليهود. وهذا يدل أن النساء كذلك محل فتنة لهذا المعنى: الجهل وغلبة العاطفة. فلهذا، فلهذا ولغيره كان الأحوط على أقل الأحوال منع النساء من زيارة القبور. والله تعالى أعلم.