القول السديد في مقاصد التوحيد  61

القول السديد في مقاصد التوحيد 61

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 61، الدرس الحادي والستون:من( باب الطيرة:وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع وغيرها ... ويستعين الله على ذلك ولا يركن إليها بوجه ليندفع الشر عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم التطير والفأل وآثارها

يشرح الشيخ الفرق بين التطير والفأل، ويبين أن التطير تشاؤم ينهى عنه، بينما الفأل حسن ظن بالله. يُحذر من التطير وآثاره السلبية.

التطير وآثاره السلبية على الفرد

التطير يؤثر سلبا على الإيمان والتوكل، ويسبب ضعف وخوف من المخلوقات، ويؤدي لتعطيل المصالح. يجب دفع تلك الأوهام والاستعانة بالله.

تفسير حديث الشؤم ودرجات المتوكلين

يفسر حديث الشؤم في المرأة والدابة والدار، ويوضح درجات المتوكلين وكيفية التعامل مع حديث النفس ومقاومته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب التوحيد المسمى بالقول السديد في مقاصد التوحيد: قال قوله باب الطيرة، قال: وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع وغيرها. فنهى الشارع عن التطير وذم المتطيرين، وكان يحب الفأل ويكره الطيرة. والفرق بينهما أن الفأل الحسن لا يدخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس به تعليق القلب بغير الله، بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة. تقدم معنى ما يتعلق بمعنى الطيرة بتعريف الإمام بن القيم رحمه الله بأنه التشاؤم بكل مسموع ومرئي ومعلوم. المسموع الأصوات، والمرئي المنظورات، والمعلوم كل ما كان له معنى معلوما وعلما عند الناس كالأيام والأشهر والأرقام ونحو ذلك. وما ذكره رحمه الله هنا من بعض ذاك المعنى، فقوله: وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع وغيرها. فبعض هذا يدخل في المعلوم، وبعض يدخل في المنظور، وبعض يدخل في المسموع. فالطيور قد يكون برؤيتها إذا رأى بعضهم من البومة مثلا يتشاءم، أو الخفاش أو بأصواتها إذا سمع صوتها. وهكذا الأسماء هي من المعلومات، كما أن بعض الناس تشاءم من بعض الأرقام والأيام والشهور، كذلك تشاءم بعض الناس من بعض الأسماء. وهكذا كذلك الألفاظ، بعض الناس تشاءم من بعض الألفاظ، يعني لفظ معين يتشاءم منه، كلمات معينة أو حتى كيفية التكلم ببعض الكلمات أو حتى بعض الأصوات إذا صدرت من بعض الناس. وللناس بهذا غرائب وعجائب، وكلها من مخلفات أهل الجاهلية. وهكذا البقاع، بعض الناس تشاءم من بعض البقاع، بل ربما بعضهم يكاد يموت إذا علم أنه في الأرض الفلانية أو في البقعة الفلانية من شدة تشاؤمه بتلك البقعة، وهذا كذلك من مخلفات أهل الجاهلية. وغيرها كذلك، قوله: وغيرها. وهذا كثير لا ينحصر، وكما قلنا للناس بهذا عجائب وغرائب في بلاد الله الواسعة. مع كثرة الكفر والجهل وآثارهما على الناس، حتى أن بعضهم ربما يقتل بعضا بالتشاؤم، يقتل بعضا بالتشاؤم، يعني كما يقال يقتله بأمر نفسي ما يعمل له شيء. أخبرت أن بعض الناس في أفريقيا إذا أراد يقتل إنسان آخر لكثرة تعلقهم بهذه العقائد الفاسدة والأوهام، يقتله بتطيره من بعض تلك الأوهام. فعندهم مثلا عند بعض الناس هناك تشاؤم من بعض أنواع العظام إذا ربطت ببعض الأوتار، فإذا جرح أحدهم بذاك العظم تشاءم أنه يموت، فيصاب بذعر وخوف شديد يوصله إلى حد الهلوسة، كل هذا تشاؤما من ذاك العظم وكونه مربوط بذاك الوتر. حتى أن بعضهم ربما يزداد تشاؤمه بحسب عقد تلك الأوتار على ذاك العظم، وبعضهم يموت من شدة تطيره وتشاؤمه، وهذا شيء عجيب وغريب يدلك على قوة تأثير الخرافة على نفسية الناس، وفضل الإسلام على أهله بقوة اليقين والعقيدة بما يثمر السلامة. وهكذا أشياء أخرى كثيرة غرائب وعجائب في أحوال الناس هي من معاني هذا التطير. ولهذا نهى الشرع عن التطير وذم المتطيرين. وكذلك حتى على الفأل، والفأل كما قلنا وتقدم معنا ليس هو تعليق أمر الغيب وأسباب الخير والشر بشيء من المسموعات والمرئيات والمعلومات، فإن هذا معنى آخر من معاني التطير. ولكن معنى الفأل الحسن حسن الظن، وقوله رحمه الله: والفرق بينهما أن الفأل الحسن لا يضغل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، هذا ظاهر؛ لأن الفأل الحسن على التفسير السابق حسن الظن بالله، فهو لا يضغل بعقيدة الإنسان ولا يضغل بعقله. لكن إذا كان الفأل الحسن تعليق الغيب وبعض المسموعات والمرئيات والمعلومات أن تجعل أسبابا للخير والشر، فهذا يضر بالعقل ويضر بالعقيدة. كون أن الإنسان يعتقد أن حكة اليمين جزما سبب للرزق، أو أن حكة الشمال سبب لضياع المال، هذا نقص في العقل، وكذلك ضرر في العقيدة. أما حسن الظن فهذا أمر محمود ينبغي أن الإنسان يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، ويحسن الظن بما يسر الله عز وجل له من أسباب الخير، ومنه الفأل الحسن. وقوله: وليس فيه تعليق القلب بغير الله، هذا بما سبق بالعقيدة السابق، وكما تقدم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير، ويعجبه الاسم الحسن». فالقلب غير متعلق بغير الله ما دام أنه يتفاءل ولا يتطير، وكونه يعجبه الاسم الحسن هذا هو الفأل الحسن. وقوله: بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة، يعني إذا كان الفأل الحسن بالمعنى المتقدم. قال رحمه الله تعالى: وصفة ذلك أن يعزم العبد على سفر أو زواج أو عقد من العقود أو على حالة من الأحوال المهمة، ثم يرى في تلك الحال ما يسره أو يسمع كلاما يسره، مثل: يا راشد أو سالم أو غانم، فيتفاءل ويزداد طمعه في تيسير ذلك الأمر الذي عزم عليه، فهذا كله خير وآثاره خير، وليس به من المحاذير شيء إذا كان هو حسن فنعم. وأما إذا كان قد اعتقد عقيدة أن هذا كشف للغيب أو أن هذا اللفظ وهذا الاسم سبب لحصول الخير، فهذا ليس من الفأل الحسن، بل هذا مما كان لا يفعله نبينا عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان لا يتفاءل ولا يتطير أي على ما تقدم، لا يتعلق بمعلومات ومسموعات ومرئيات أنها أسباب لحصول خير أو شر، ولم يجعلها الله عز وجل أسبابا. فالله سبحانه لم يجعل سماع اسم راشد أو سالم أو نافع سببا لتيسير السفر أو الزواج، لم يجعل الله هذا سببا أبدا، ليس بكتاب، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حتى في واقع عرف الناس. ولو كان هذا سببا لحف الشرع عليه ولدل عليه، ولم يدل عليه الشرع. ولكن المقصود أن التفاؤل في مثل هذا المقام هو حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وكذلك رجاء الخير من الله بالاستبشار بالأمور الحسنة، وليس الجزم بأنها أسباب لخير أو شر أو كاشفات لشيء من الغيب، وفرق بين الأمرين. قال: وأما الطيرة فإنه إذا عزم على فعل شيء من ذلك الأمور النافعة في الدين أو في الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره، أثر في قلبه أحد أمرين، أحدهما أعظم من الآخر. قال: أحدهما أن يستجيب لذلك الداعي فيترك ما كان عازما على فعله، أو العكس، أي إما أن يترك ما كان عازما أو يعزم على ما كان تاركا. فصار عزمه وتركه لتعلقه بما يظنه سببا، ولم يجعله الله سببا مسموع أو مرئي أو معلوم. وكون هذا الإنسان تعلق بذلك المسموع والمرئي والمعلوم، ولم يجعله الله سببا، هذا معنى من معاني التطير، سواء في إقباله أو إحجامه كما تقدم معنى. والناس في هذا كما تقدم ثلاثة أقسام، أي في عمل القلب، ويزداد قسم رابع بالنسبة لما يظهر من الجوارح. فالقسم الأول كما قلنا هو الذي لا يضره شيء، فإقبال الأسباب وإدبارها حقيقية لا يؤثر فيه، فضلا عن هذه الأوهام، وهو من كمل توحيده وتوكله. والثاني من تمر عليه بعض الخواطر، لكن ليس لها أثر على القلب، وقد تكون من نزغات ووساوس الشيطان، فهذا لا يضره كذلك. والثالث من يبقى في قلبه أثر تلك الخواطر وحديث النفس، فيورثه خوفا رغبة ورهبة من غير الله، وهذا منافي للتوحيد، وهذا يأثم. والرابع من ظهر ذلك على فعله، فكان منه إحجام أو إقدام، وهذا الذي ذكره الشيخ ها هنا. قال رحمه الله تعالى: فيتطير بذلك وينقص عن الأمر الذي كان عازما عليه. ومعنى ينقص يعني يتراجع، فهذا كما ترى قد علق قلبه بذلك المكروه غاية التعليق، وعمل عليه وتصرف ذلك المكروه في إرادته وعزمه وعمله، فلا شك أنه على هذا الوجه أثر على إيمانه وأخل بتوحيده وتوكله. ثم بعد هذا لا تسأل عما سيحدث له هذا الأمر من ضعف القلب ووهنه وخوفه من المخلوقين وتعلقه بالأسباب وبأمور ليست أسبابا، وانقطاع قلبه من تعلقه بالله، وهذا من ضعف التوحيد والتوكل، ومن طرق الشرك ووسائله، ومن الخرافات المفسدة للعقل. وهذا قليل من كثير من مضار التطير. فالتطير له مفاسد ومضار كثيرة؛ فإنه كما ذكر فيه هذه الخصال، فهو بذلك ينافي الإيمان ويضعف التوكل، مع كونه لا يدفع مكروها ولا يجلب محبوبا. حصوله بهذا الإنسان لا يجلب له محبوب، ولا يذهب عنه مكروه، بل إن ذلك دليل على قلة العقل والحلم الذي يتعلق بمثل هذه الأمور، عقله فيه خلل وفيه نقص. كيف يتعلق بأصوات طيور أو مناظر أو معلومات أو مرئيات أو غير ذلك؟ كما أنه كما ذكر رحمه الله سبب للطرب النفسي وتعب الفكر؛ من يعيش خلف هذه الأوهام نفسه تتعب، وفكره يتشتت، فهو في أوهام مستمرة، وكذلك تعب شديد في فكره. وليس هذا فحسب، بل يثمر له الفشل في الحياة والضعف والتردد والشك في المواقف بسبب تلاعب هذه الوساوس والأوهام به، تأخذه ذات اليمين وذات الشمال، تقدمه وتؤخره، تدفعه وترده. وهو كذلك سبب لتعطيل المصالح وترك السعي في الخير؛ لأنه يتعلق بهذه الخرافات والأوهام، ويورث كذلك سوء الظن وكفرا بالقضاء والقدر، وإن لم يقلها بلسانه، فإنه يبرهن ذلك بفعاله. وأعظم من ذلك كله تقوم عند هذا النوع من الناس عبودية للجهالات والخرافات، يصير هذا الذي تعلق بالتطير عابدا للجهالات والخرافات، تلعب به تلك الخرافات والجهالات التي تجري في الناس. إذا قيل له: انتبه لا تخرج في اليوم الفلاني، خاف خلاص لم يخرج ذاك اليوم ليش؛ لأن الناس قالوا: أن يوم الأربعاء لا يصلح به سفر، ولا يصلح به عمل. ولا انتبه أن تتزوج في شهر صفر، تبع الناس في ذلك. تلاعبت به الخرافات والجهالات، فصار عابدا لها. فماذا يثمر ذلك؟ يثمر حياة مليئة بالانزواء والانطواء والخلل مما يكون به الفشل في الدنيا قبل الآخرة. قال رحمه الله: الأمر الثاني ألا يستجيب لذلك الداعي، ولكنه يؤثر في قلبه حزنا وهم وغم، فهذا وإن كان دون الأول، لكنه شر وضرر على العبد، وضعف لقلبه، وموهن لتوكله، وربما أصابه مكروه، فظن أنه من ذلك الأمر، فقوية طيره. وربما تدرج إلى الأمر الأول. وهذا ما سبق التنبيه عليه من أقسام الناس في التطير؛ فإنه يدخل في هذا الأمر الثاني أحد القسمين المذكورين السابقين. فما ذكره أولا هذا هو القسم الرابع الذي ظهر أثر التطير على أفعاله، وما ذكره ثانيا هذا هو القسم الثاني، وهو الذي أثرت عليه تلك الأوهام والخواطر، فأضعفت إيمانه، وأدخلت في قلبه الخوف من غير الله. وما القسم الثاني التي تمر الخواطر، فهذا كما قلنا ينقسم إلى قسمين؛ فالخواطر ترد على بعض الناس، ومن أول ما ترد ترد وهو منكر لها، فهذا لا يضره مرورها. وآخر ترد عليه، لكن وإن لم تستقر في القلب وتورد خوفا من غير الله، لكنها تمر وتشككه وتتعبه، فيكون مرورها ليس كمرورها على من قبله. فمن قبله مرت، لكن على وجه الإنكار من أول ما مرت، مرت على وجه الإنكار. فمثل ذلك ينبغي أن يدافع، ولا ينبغي أن يستسلم له الإنسان. قال رحمه الله تعالى: فهذا التفصيل يبين لك وجه كراهة الشارع للطيرة وذمها، ووجه منافاتها للتوحيد والتوكل. وينبغي لمن وجد شيئا من ذلك وخاف أن تغلبه الدواعي الطبيعية أن يجاهد نفسه على دفعها، ويستعين بالله على ذلك، ولا يركن إليها بوجه؛ ليندفع الشر عنه. ومعنى الدواعي الطبيعية يعني ما قد يبتلى به بعض الناس بسبب عدم قوة شجاعتهم، والناس تفاوتون في الشجاعة وقوة القلب. فإذا ابتلي بعض الناس بشيء من ذلك، فعليه أن يجاهد نفسه على دفع تلك الأوهام التي ترد عليه، ويستعين بالله سبحانه وتعالى، ويجاهد نفسه أن لا يركن إلى تلك الأوهام بشيء، حتى يندفع عنه الشر. فلذلك ينبغي للإنسان أن تكون له مواقف تتضمن معنيين اثنين. المعنى الأول أن يكون إمضاؤه وإحجامه غير متعلق بمعنى من معاني التطير. وإذا عرض عليه في أثناء إمضائه وإحجامه ما قد يكون معارضا لذلك مما عليه عقيدة أهل التطير، فلا يبالي بها، يعني لا يكون ذلك سببا في تراجعه أو تقدمه بعد إحجامه أبدا، بل يمضي على ما كان عليه، لا يبالي بشيء من ذلك، يجاهد نفسه على هذا. ومرت معنا آثار كما تقدم، قصة ابن عباس وطاووس ومجاهد وجماعة، وهكذا عمر بن عبد العزيز حين أراد أن يخرج، فقال له بعض من معه وهو مزاحم: انظر إلى القمر ما أحسنه. فنظر إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقال: أردت أن تخبرني أن القمر في الدبران، اعلم أنا لا نخرج لشمس ولا لقمر، ولكن نخرج بالله الواحد القهار. أو كما قال رحمه الله، فلم يمنعه ذلك من الخروج. بينما بعض من كان معه كأنه يقول: يا أمير المؤمنين لو أنك لم تخرج في مثل هذا الوقت كان أحسن. وهذا قد يقع في قلوب بعض الناس، مثلا إذا كان بعض الناس يريد أن يجعل الزواج وافق الزواج أن يكون في شهر صفر، فيأتي بعض قرابة هذا الإنسان فيقول له: يا أخي لماذا لا تؤجل الزواج إلى بعض صفر لماذا؟ قال: هذا شهر صفر. فهو يعرف أنه ليس كذلك، وهذا خطأ، لكن ربما عند بعض الناس يضعف بكثرة كلام الناس، فيقول: لا يضرنا شيء إذا أخرنا، ونحن على عقيدة صحيحة. وهذا ليس بصحيح، لا ينبغي الإنسان أن يتأخر لأجل موافقة أهل الباطل، كما لا ينبغي أن يتقدم كذلك لأجل كلام أهل الباطل. بل ينبغي أن يكون إحجامه وإقدامه بمقتضى الشرع وما تقتضيه المصلحة، مع غير مبالاه بإقدام أو بإحجام. والأمر الثاني أن الإنسان إذا ابتلي بما قد يكون سببا للتطير، فعليه أن يقطع مادة التطير. وعلى هذا جاء أحد تفسيرين في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاثة: المرأة والدابة والدار». فهذا الحديث الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأصله في الصحيحين من حديث بن عمر، وجاء في البخاري من حديث السهل، وروي عن عدد من الصحابة. ظاهره كأنه فيه إثبات التطير والشؤم في هذه الثلاثة، وليس الأمر كذلك. ويؤيده ما جاء في رواية في الصحيحين، قوله عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاثة: المرأة والدابة والدار». فكيف يقول: لا عدوى ولا طيرة، ويقول: والشؤم في ثلاثة؟ إذن لابد أن يكون لهذا معنى غير المعنى الذي يقصده أهل التطير. وهكذا يؤيده ويفسره أكثر ما جاء خارج الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود والبيهقي وغيرهما، بإسناد حسن بمجموع طرقه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليمن والشؤم في المرأة والمسكن والفرس». فيمن المرأة خفة مهرها، ويسر نكاحها، وحسن خلقها. وشؤمها غلاء مهرها، وعسر نكاحها، وسوء خلقها. ويمن المسكن سعته، وحسن جوار أهله. وشؤمه ضيقه، وسوء جوار أهله. ويمن الفرس ذله، وحسن خلقه. وشؤمه صعوبته، وسوء خلقه. هكذا رواية معناه من حديث عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث يفسر معنى الشؤم المذكور في هذه الثلاثة. وذكر الإمام بن القيم رحمه الله أن تفسير هذا الحديث يكون على أحد معنيين، ذكر معناهما عن من سبقه من أهل العلم. المعنى الأول أن هذه الأحاديث المروية في هذا الباب فيها معنى الأمر بحسن الاختيار. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: اقطعوا مادة التشاؤم، وذلك بحسن اختياركم للأشياء. فما تظنون من أن المرأة والدابة والدار فيها تطير وشؤم، ليس الأمر كذلك، بل هناك صفات تكون سببا للخير، وأخرى سببا لغيره، فأحسنوا الاختيار. فهذا هو المقصود. وهكذا كذلك المعنى: اعتنوا بما تملكون وما تحت أيديكم، ومن ذلك المرأة والدابة والدار؛ فإن ذلك سبب لحصول الخير، كما أن الأب إذا أحسن تربية الابن صار الابن صالحا، وإذا أساء في تربية الابن صار الابن فاسدا وشؤما على أهله. وليس معنى شؤما تطيرا، ولكن معناه سبب شر بسبب التفريط فيه، وعدم سلوك أسباب السلامة معه. وأما التفسير الثاني فكما ذكر الإمام بن القيم رحمه الله، وهذا هو المقصود هنا، أن المراد به قطع مادة التشاؤم بترك ما يسببه، يعني كأنه يقول: إذا خفت أن يرد عليك التطير في عقيدتك، ويضر ذلك في توكلك وعقيدتك وإيمانك، فاترك هذا الباب واقطع مادته. وهذا المسلك يسلك مع من لا يحسن التصرف، ومع من يخشى عليه أن يتضرر في عقيدته. فكما يقال: آخر العلاج الكي، وتدرأ المفاسد بالأخف لدفع الأشد. كونه يترك دارا وينتقل إلى دار أخرى حفاظا على عقيدته، أفضل له من أن يبقى في الدار ويبقى طول الحياة وهو موسوس. أو يبقى مع امرأة وهو موسوس، أو يبقى مع دابة أو سيارة أو نحو ذلك وهو موسوس، فقطعا لمادة الشرك وسدا لذريعة الوقوع بما ينافي التوحيد، أمر أمثال هؤلاء بقطع الأسباب المفضية والموصلة إلى التشأم والتطير، حماية لحمى التوحيد. ومنه ما جاء عند أبي داود بإسناد حسن في قصة الرجل صاحب الدار، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حديث حسن. وأخبره أنه كان في دار كثير عياله إلى آخره، وأنه انتقل إلى دار، فكان سببا لغير ذلك. فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتقل من تلك الدار إلى دار أخرى. قال ابن القيم رحمه الله: ما معناه أنه أراد أن يقطع مادة التشاؤم عن مثل هذا الرجل. وهكذا يقال مثله في هذا الزمان لبعض الناس الذي لا يقوى على أن تكون له مواقف توافق ما ينبغي أن يكون عليه الكامل في توحيده وتوكله، فيقال له: اقطع مادة التطير، اترك هذه الدار. وليس معناه أن الدار فيها تشاؤم، ولكن ماذا؟ حماية لحمى التوحيد، ودرءا لدخول مفسدة التطير على هذا الإنسان الذي لم يقوَ. وذكر بعضهم تفسيرا ثالثا، وهو ما جاء في حديث عائشة فيما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح، أنها قالت رضي الله عنها: «كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم من حدث بها»، يعني هذا الحديث: «الشؤم في ثلاثة». قالت: ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في المرأة والدار والدابة». وأرادت أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يقطع هذا المعتقد الفاسد، فلهذا قال: «لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاثة: المرأة والدابة والدار». يريد أن ينفي التشاؤم في هذه الثلاثة، لا أن يثبته. ثم قرأت رضي الله عنها قوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. فأرادت بهذا رضي الله عنها وأرضاها نفي وجود التشاؤم في هذه الثلاثة. أي أن معنى الحديث نفي التشاؤم. ويدلنا على ذلك ما جاء في حديث ابن عمر: «لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاثة». وما جاء في حديث عائشة: «اليمن والشؤم في المرأة والمسكن والفرس». وذكر معنى اليمن والشؤم. فكأنه يقول: يا من بقيت فيكم بقايا الجاهلية، أخطأتم إذ ظننتم أن المرأة شؤم، وأن الدابة شؤم، وأن الدار شؤم. وليس الأمر كذلك، ولكن هناك صفات ينبغي أن تتابعوها، وبهذا يزول التشاؤم. صفات إذا وقعتم فيها أوقعكم ذلك في التشاؤم. فيصير معنى هذه الأحاديث نفي الشؤم حقيقة عن هذه الثلاثة. وبهذين المعنيين وتحريهما يسلم الإنسان من الوقوع في التطير. وبهذا القدر نكون قد انتهينا من هذا المبحث. وإلى هنا والله تعالى أعلم. طيب، هذا أحد الإخوة يقول: نرجو توضيح مسألة إذا حدث بالنفس حديثا عابرا مع الإنكار له، ما حكمه؟ مر معنا أنه إذا وقع شيء من ذلك فهو على أحد أمرين، الحديث العابر قد يكون حديثا عابرا لا يؤثر على صاحبه. فإن أثر على صاحبه فهذا يضر، كما قلنا هذا التأثير يورث خوفا، فهذا يضر، وهذا الخوف من غير الله نقص في الإيمان. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وأما الحديث العابر الذي لا يورث خوفا، فهذا كذلك على نوعين: حديث عابر، لكنه يعبر مع الإنكار، يعني وسوسة يقذفها الشيطان في قلب الإنسان، والإنسان ينكر هذه الوسوسة من أول وهلة، وهو يدفع ذلك، فهو بهذا مأجور، وهو كذلك لا يؤاخذ، ولا ينقص من أمره شيء. وآخر، آخر تمر عليه مثل هذه الأحاديث، أحاديث النفس العابرة، لكنها تورث له تشككا، ليس هو مثل الأول الذي تورث له التشكك، ليس هو مثل الأول. فهو وإن كان لا يضر به؛ لأن حديث النفس غير مؤاخذ عليه الإنسان، لكن ليس هو كمثل الأول الذي رده من أول وهلة. ولذلك فإن الذي لم يؤثر عليه شكا هذا أقوى في توكله، فينال الفضل الأكثر. وكما قلنا: المتوكلون درجات، وأعظم المتوكلين هم الذين لا يبالون بإقبال الأسباب وإدبارها، أي الحقيقية، فضلا عن الأوهام. ولذلك هم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما أن أصنافا آخرين من المتوكلين يدخلون الجنة، لكن ليس كأهل الطبقة الأولى. فالطبقة الأولى سبعون ألفا، ومعهم سبعون ألفا على ما جاءت به الأحاديث في المضاعفة. فهذا هو المقصود. فإذن من ابتلي بشيء من حديث النفس، ينبغي أن ينكره من أول وهلة، وهو مأجور على هذه المجاهدة، ولا ينبغي أن يضعف فيؤثر فيه حديث النفس شيئا من الشك. والشيطان حريص على إفساد النفس. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.