الدرس في شرح مختصر السيرة 54، الدرس الرابع والخمسون :فيه :( بناء المسجد ... بيوت الحجر باللبن وسقفها بالجذوع والجريد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، بنى المسجد النبوي عند موقع بركت فيه ناقته، وكان الموقع مملوكًا ليتيمين من الأنصار فاشتراه النبي وبناه بالتعاون مع أصحابه. استخدم في البناء اللبن والحجارة والجريد والجذوع.
كان المسجد النبوي موجهًا في البداية نحو بيت المقدس، وقد شهد تطورات عبر التاريخ. نهى النبي عن التكلف في بناء المساجد وأمر بالتيسير بما يحفظ المصلين من الأذى، مؤكدًا أن دين الله وسط بين الغلو والتقصير.
أمر النبي ببناء المساجد على نحو ييسر على المصلين ويحفظهم من الأذى، وشدد على عدم التكلف في البناء. كما بين أن بناء المساجد من الأعمال الصالحة التي يؤجر عليها المسلم، وأن الله أعلم بشأن بعض الأماكن المقدسة دون دليل قاطع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه مقتصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: قال: «بناء المسجد»، قال الزهري: «بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده، وكان مربدًا لسهل وسهيل، غلامين يتيمين من الأنصار، كان في حجر أسعد بن زرارة، فساوى ما رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتراه منهما بعشرة دنانير». والحديث كما مر معنا أن أصله بصحيح البخاري، أصله بصحيح البخاري: «أنه كان لغلامين يتيمين من بني النجار، فاشتراها النبي عليه الصلاة والسلام منهما»، قالوا: «في الصحيح، والحديث في الصحيحين كما أشار»، قالوا: «في الصحيح أنه قال: يا بني النجار، فامْنُنوا بحائطكم هذا»، قالوا: «والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله». وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنُبشت، وبالنخيل والشجر فقطع، وصُفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة إلى جهة بيت المقدس قبل تحول القبلة إلى الكعبة. قال: «وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع»، يعني طول المسجد مئة ذراع. قال: «وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه»، وأساسه قريبا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبن. وهذه رواية فيه مراسيل، وقد أشار الشيخ للباني رحمه الله تعالى إلى بعض هذه المراسيل والأحاديث والتي حسّنها بمجموع طرقها في «الصحيحة» حديث ستمائة أو ستة عشر، وسيأتي إن شاء الله بعض ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وأصله في الصحيحين كما سمعتم»، قال: «وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه، ويقول: اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة»، وكان يقول: «هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أبر ربنا وأطهر»، أو «هذا أبر ربنا وأطهر». وجعلوا يرتجزون ويقول أحدهم في رجزه: «لئن قعدنا والرسول يعمل، لذاك منا العمل المضلل». وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، باب في مؤخره، وباب يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل عمده الجذوع، وسقفه الجريد. والجذوع معروفة، جذوع النخل، والجريد جريد النخل. وقيل له: «ألا تسقفه؟» قال: «عريش كعريش موسى». وصح ذلك مرسلًا عن الحسن والزهري وجماعة، وروي عن أبي الدرداء وعباد بن الصامت رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» في المجلد الثاني في حديث ستمائة وستة عشر. ومعنى «عريش كعريش موسى» يعني نبنيه بالعريش كما بنى موسى مصلاه بالعريش، وليس معنى ذلك أنه يحرم أو لا يجوز بناء المسجد بغير العريش كما ظنه بعض من لم يفقه الشرع، ومن سلك مسلك الغلو، ولكن معناه أننا لا حاجة لنا في ذلك خصوصًا وهم في أول الأمر، وإلا فالصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد ذلك بنوا مسجد النبي عليه الصلاة والسلام وسقفوه. فهل هم فعلوا البدعة وفعلوا المحرم؟ الجواب: لا. فقد أعمره وبناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإعمار الأول، ثم أعمره بعده عثمان رضي الله تعالى عنه الإعمار الثاني، وهكذا استمر البناء حتى وصل المسجد إلى ما هو عليه اليوم. وما عليه المسجد اليوم منه ما هو أشياء صحيحة، ومنه ما هو أشياء غير صحيحة، فما وافق السنة، سنة النبي عليه الصلاة والسلام وسنة الصحابة من البناء الخالي من الزخرفة، الخالي مما يشغل المصلين، هذا هو الصحيح. وما كان من زخرفة فيه إسراف وتبذير أو إشغال للمصلين، فهذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وعليه يحمل الحديث: «نهيت عن تشييد المساجد»، يعني عن زخرفتها، وعن الإسراف وتبذير فيها. فينبغي أن تجعل المساجد بما يؤدى به المقصود، بما يؤدى به المقصود من أداء الصلاة، فهذا هو المطلوب. أما أن يظن أن من لوازم المسجد أن يكون من عريش وأن يكون من طين، فهذا فهم سقيم، وهو كذلك إن دل على شيء، دل على غلو وانحراف عن فهم الصحيح لمسائل الشرع. نعم، نهينا عن التكلف، فإن كان لا يستطاع إلا بالعريش فالعريش، وإن كان الأمر متيسر لبناء يحفظ المصلين من المطر ومن الشمس ومن كذلك كل ما يضر بهم فيخشعون في صلاتهم، فلا شك أن هذا إذا تيسر لا بأس به، ولهذا فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجد». قال: «وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه»، يعني إلى جانبي المسجد، والظاهر أن البيوت كانت إلى جانب واحد، إلى الجهة اليسرى من القبلة بعد تحويل المسجد. وكان بعضه في مؤخرة المسجد، قال: «بيوت الحجر باللبن، وسقفها بالجذوع والجريد»، يعني بنى البيوت هذه، وكانت حجر صغيرة كما قال بعض الصحابة، ويصف تلك الحجر أنها أبيات لا طئة، يعني سقفها قصير، وبابها وطيء إذا دخلها الإنسان أخفض رأسه، لا يدخلها وهو على قامته. وهذا من بساطة عيشه عليه الصلاة والسلام، وسقفها بالجذوع والجريد، سقف هذه الحجر بالجذوع جذوع النخل، والجريد، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان لا يتكلف، إن تيسر له ذلك فذاك، الحمد لله يسكن فيه، وإن تيسر له أفضل من ذلك فكذلك يسكن فيه، لا يحرم ما أنعم الله عليه شيء، ولا يستنكف أن يسكن فيما هو حقيقة حاله ووضعه. وسط يكون حاله وسط، إن ابتلاه الله عز وجل بشيء من الشدة يصبر، لا يسخط نعمة الله، ويرضى بما قدر الله وكتب له، وإن وسع الله عليه فليوسع على نفسه وأهله، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ودين الله بين الغالي والجافي. نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في درس قادم. والله تعالى أعلم. يقول: هل يصح أن يقال أن المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد قباء كان تعيين أماكن بناها بوحي من الله عز وجل؟ أما المسجد الحرام فكما جاء في نص القرآن والسنة نعم. وأما مسجد المدينة فكما سمعنا: «دعوها فإنها مأمورة». وأما مسجد قباء فلا أعلم شيء يدل على أنه بوحي، والمسجد الأقصى كذلك لا أعلم شيء يدل أنه بوحي، فالله أعلم، إن وجد دليل يدل على ذلك فنعم، وإن لم يدل دليل فنقول: الله أعلم. طيب، إلى هنا إن شاء الله.