طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 92

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 92

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 92، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حقيقة ملك الله وتدبيره للممالك

يشرح هذا الفصل حقيقة ملك الله عز وجل وتدبيره للممالك، مبينًا قدرة الله المطلقة في العطاء والمنع والإكرام والإهانة. يُظهر أيضًا كيف أن تصرف الله في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة.

حكمة الله في أفعاله وتصرفاته

يتناول هذا الفصل حكمة الله في أفعاله، موضحًا أن الله يفعل أفعالًا متضادة بحكمته وكل أفعاله خير. يُبرز أمثلة على ذلك مثل خرق السفينة لحماية أهلها، ويبين أن حتى العقوبة قد تكون خيرًا للظالم إذا كانت سببًا في توبته.

وجود الشر في الكون الإلهي

يناقش هذا الفصل وجود الشر في الكون الذي خلقه الله، ويشير إلى أن الله تعالى خلق الشر في كونه. يُلمح إلى مناقشة فلسفية حول هذا الموضوع، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال إمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وأيضًا فإن حقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع والإكرام والإهانة والإثابة والعقوبة والقبض والبسط والتولية والعزل، وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل». قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، «يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويكشف غمًا، وينصر مظلومًا، ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيًا، ويغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويشفي مريضًا، ويغيض عارضة، ويستر عورة، ويعز ذليلًا، ويذل عزيزًا، ويعطي سائلًا، ويذهب بدولة، ويأتي بأخرى، ويداول الأيام بين الناس، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، يسوق المقادير التي قدّرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها، فلا يتقدم شيء منها عن وقته، ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كتابه، وجرى به قلمه، ونفذ فيها حكمه، وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده، تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم، تام الملك، لا ينازع في ملكه منازع، ولا يعارض فيه معارض، وتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة، فلا يخرج عن تصرفه ذلك». أورد رحمه الله تعالى هذه الجمل في سياق ذكره لما تقدم ذكره من تقدير الله عز وجل في قضائه وقدره للخير والشر، وأن تقديره ذلك أولًا هو من خلق الله كما تقدم، وما تقدم كذلك من أمور كثيرة تتعلق بهذا، ومنها كذلك أنه كما أشار إليه هنا يتحقق به حقيقة ملك الرب العظيم الذي بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، يستلزم كمال ربوبيته وملكه وواسع قدرته، أنه يعطي ويمنع ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويرضى ويغضب ويولي ويعزل، وكل هذه الأفعال المتضادة تقع بحكمته سبحانه وتعالى. ولهذا ذكر الله عز وجل ذلك في سياق ذكره لعظيم ملكه سبحانه، فالله سبحانه وتعالى مالك الملك، فهو يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، فإيتاؤه خير، ونزعه من غيره شر، ولكن كما تقدم معنا أنه لا يوجد شر محض، وإنما باعتبار ما يضاف إليه، وأما أفعال الله سبحانه وتعالى فكلها خير؛ لأن الله عز وجل يعمل ويفعل ما فيه حكمة، يخلق الخير والشر، ولا يضاف الشر إليه إضافة صفة، ولا إضافة فعل، وإنما يضاف إضافة ماذا؟ خلق. قل: «أعوذ برب الفلق من شر ما خلق»، وفي الحديث: «والشر ليس إليك». فإذا لا بد أن هناك جمعًا لا يعارض القرآن السنة، ولا السنة القرآن، فأضاف الشر إلى نفسه إضافة خلق في الآية، ونفاه عن نفسه سبحانه وتعالى، ولكن هذا النفي لا ينافي تلك الإضافة، فعلم أن المراد بالإضافة إضافة خلق، والمراد بذلك النفي نفي الصفة والفعل، وبهذا يزول الإشكال. فمن كمال ملكه سبحانه وتعالى أنه يعطي ويمنع ويعز ويذل، فهو المعز وهو المذل، وهو المعطي وهو المانع، ومقتضى هذه الأسماء والصفات وجود آثارها، وآثارها كلها خير، لكن باعتبار وجودها وخلقها قد تكون في ظاهرها شر، ولكن الأمر ليس كذلك. ويضرب مثالًا يقرب المعنى كحال أهل السفينة التي خرقت سفينتهم، ظاهر هذا الخرق أنه ماذا؟ شر، ولكن الله عز وجل أراد بما أوحاه لعبده الخضر أن يفعل ذلك الخير بأهل السفينة، فلولا أن الله عز وجل أوحى إلى الخضر أن يفعل هذا بالسفينة لما سلمت السفينة من الغاصبين، فلما رأى الغاصبون هذه السفينة وفيها هذا العيب تركوها، فإن لم يكن فيها هذا العيب ماذا؟ أخذوها، فصار وجود ما ظنه هؤلاء شرًا هو ماذا؟ خيرًا. وهذا هو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. الحياة خير، والوفاة شر، هذا باعتبار ما يرى الإنسان، لكن باعتبار فعل الله الحكيم فكله خير، فكله خير. فما اختاره الله لعبده خير مما يختاره العبد لنفسه، وما يختاره الله سبحانه وتعالى ماذا؟ لنفسه، ما يختاره العبد لنفسه لن يكون أفضل مما يختاره الله سبحانه وتعالى ماذا؟ له. وبهذا الاعتبار أفعال الله سبحانه وتعالى كلها خير، حتى بالنسبة للظالم، فالانتقام من الظالم ونزع الملك ممن يستحق النزع هي عقوبة، وفي نفس الوقت خير؛ لأن الله عز وجل يعاجل هذا الظالم بعقوبة في الدنيا خير له من ماذا؟ من عقوبة الآخرة، وهذا خير بالنسبة له. وهكذا كذلك رب عقوبة تكون سببًا في ماذا؟ في توبة ورجوع، فصار هذا خيرًا، حتى الذنب من أسماء الله أنه التواب سبحانه وتعالى، وغافر الذنب، فهذا الذي أذنب ذنبًا شر وليس بخير باعتبار الفاعل، لكن باعتبار حكمة الله العظيمة الذي علم ما تأول إليه وتنتهي إليه الأشياء هو ماذا؟ خير؛ لأنه بهذا عاد هذا المذنب إلى حياض طاعة ربه والإيمان به والفروض والذل له أعظم مما كان عليه قبل ماذا؟ قبل الذنب. ولهذا قدر الله عز وجل فعل الذنب وهو لا يحبه، وقدر الله عز وجل الذل وهو لا يحبه، وقدر الله عز وجل الأخذ وهو لا يحبه، وهكذا كذلك قل في سائر ما يكون في ملك الله سبحانه وتعالى. فمن كمال ربوبيته وألوهيته وملكه سبحانه وتعالى وعظيم قدرته أنه يملك هذه المتضادات، وهكذا ما ذكره الإمام رحمه الله في المعنى الثاني أنه يفعل ما يشاء، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، بعض ما لا يدركه الإنسان ولا يدرك حكمته هو بالنسبة لله عز وجل العظيم له حكمة، فلولا أن الله أخبرنا بقصة الخضر مع موسى لظن موسى السوء بعبده الخضر، ولهذا ما استطاع أن يصبر عليه الصلاة والسلام، لكن لما أخبره الخضر نبي الله أنه بوحي من الله، فعلى ذلك ماذا؟ فهم أنه استعجل وعلم أنه أخطأ. فالشاهد من هذا أن ما لا يستطيع الإنسان إدراكه من أمر القدر فينبغي أن يعلم أن الله العظيم الحكيم يفعل في ملكه ما يشاء، وهو لا يسأل، وهو يفعل في ملكه ما يشاء لكمال حكمته وعظيم قدرته سبحانه وتعالى. فالله الذي خلق الخلق كما ذكر خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام كما جاء في الحديث الصحيح، وقدر مقادير الخلائق وأمر بكتابتها وإحصائها، كل هذا بعظيم حكمة الله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن ينازع في ملكه كما لا ينازع في قضائه وقدره، فإذا وقع هذا التسليم والرضا والاعتراف بحكمة الله وكماله في ربوبيته وملكه وكذلك قدرته لم يحصل أي اعتراض على قضاء الله وقدره، ولا على ما يتعلق بخلق الشر في كونه سبحانه وتعالى. هذا خلاصة ما أشار إليه. وإلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.