الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 92، الدرس الثاني والتسعون:من( باب من سب الدهر فقد آذى الله ... وفي رواية:لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مسألة سب الدهر وتأثيرها على التوحيد، مستندًا إلى قول الله تعالى وحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يُظهر أن سب الدهر يعتبر إيذاءً لله.
سب الدهر لا يجوز وهو في الحقيقة سب لفعل الله عز وجل وخالقه ومدبره. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله يتأذى من سب الدهر.
سب الدهر ينقص القدر ويعرض أفعال الله للنقص، ويجب على المسلم أن يرضى بقضاء الله ويشكر النعماء ويصبر على الضرّاء. يُبين المقطع معنى سب الدهر وعلاقته بالإيمان بالقدر.
يتم ختام الدرس بالتأكيد على اكتفاء الحاضرين بما تم شرحه حتى الآن، مع الإشارة إلى أن الباقي سيتم تناوله في درس لاحق بإذن الله. يُظهر أهمية الرضا بقضاء الله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، باب من سب الدهر فقد آذى الله. وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية. وفي الصحيح عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار». وفي رواية: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر». قال فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر. الثانية: تسمية أذى لله. الثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر». الرابعة: أنه قد يكون سابًا ولو لم يقصده بقلبه. أورد المؤلف، رحمه الله، هذا الباب في سياق ذكره ما ينافي كمال التوحيد من مسائل، فقال: باب من سب الدهر فقد آذى الله، أي هذا مدخل لمعرفة حكم من سب الدهر وأنه آذى الله. ثم ذكر آية وحديثًا، وفيها الدلالة على هذا المعنى. فالآية في قول المشركين: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ وهي آية مكية؛ فسورة الجاثية سورة مكية، فنزلت في حق المشركين، فهم يقولون ذلك. ومعنى أن سب الدهر إذا صدر من المسلم، فقد تشبه بالكفار؛ فهم الذين يسبون الدهر. وسب الدهر يكون على وجه الإجمال والتفصيل، فكل ذلك لا يجوز؛ لا يجوز على وجه الإجمال أن تسب الدهر، ولا أن تسب كذلك تفاصيل فيه، بأن تقول -مثلًا-: ما هذا الصباح صباح نحس، ما هذا اليوم يوم شؤم، ما هذه الليلة ليلة غبرة، ونحو ذلك من تعابير العامة، ونحوهم مما يكون فيه سب للدهر، سواء على وجه الإجمال بأن يقول: الدهر، أو الزمان، أو الدنيا، أو نحو ذلك، أو بتفاصيل بأن يذكر بعض آحاد الزمان، أو كذلك ما كان بمعناه. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك؛ فيه أن الله تعالى يتأذى من ابن آدم إذ يسب الدهر، وهو جل وعلا الدهر. ومعنى أنه الدهر: ليس أنه من أسمائه، ولا أنه هو ذاته كما قال الحلولية الكفار الملحدون؛ فقد استدلوا بهذه اللفظة كذبًا على الله وعلى رسوله وعلى شريعة الله أن فيه معنى الحلول والاتحاد، فزعموا أن هذا دليل على أن الله هو الدهر بذاته في كل مكان، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. ولكن المراد: أنا الدهر، أي: أنا خالقه وأنا مدبره؛ فسبه سب لفعل الله عز وجل. فالله عز وجل بحكمته أجرى ما أجرى في هذا الكون، ومنه ما يجري في طيات زمانه وهو الدهر. ولهذا قال: «أقلب الليل والنهار»، معنى: أنا خالقه، وأنا فاعل ما يفعل فيه؛ فسبه سب لخالق هذا المخلوق، ولكذلك فاعل ما فعل فيه، فهو سب لله عز وجل بهذا الاعتبار. وفيه أولًا: تحريم سب الدهر. وفيه كذلك إثبات أفعال الله عز وجل التي هي من معاني ربوبيته، ومنها ما يجري في هذا الكون؛ فكله بأمر الله، وهو معنى من معاني القدر الذي يجب الإيمان به من نفوذ مشيئته، وكذلك سعة علمه، وسابق كتابته، وعموم خلقه لخلقه؛ فكل هذه الأمور الأربعة من لوازم الإيمان بالقدر، فهي من مراتب الإيمان بالقدر التي لا يتم الإيمان بالقدر إلا بها، وهي تدخل في معنى هذا. فمن سب الدهر فقد انتقص القدر، وكذلك تعرض لأفعال الله جل وعلا الحكيمة المحكمة بالنقص، وهذا ليس بالصحيح. وهكذا كذلك من معاني سب الدهر: أن لا يكون السب باللسان، ولكنه يكون بالفعل، كأن يتسخط ما يأتيه من هذا أو في هذا الزمان؛ فتسخطه يكون فيه معنى سب الدهر؛ لأن فيه عدم رضا بما أنضاه الله عز وجل فيه. ولكن الواجب على المسلم إن أتته النعماء شكر، فكان خيرًا له، وإن ابتلي بالضراء صبر، فكان خيرًا له؛ ليس ذلك إلا للمؤمن، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الأحاديث الصحيحة. وهكذا كذلك في قوله: «يؤذيني ابن آدم»؛ فيه أن الله جل وعلا يتأذى على ما يقتضيه المعنى التام من كماله سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته؛ فليس معنى يتأذى أن يلحقه نقص أو أن يضره المخلوق؛ فالله عز وجل عظيم، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ولكن معناه ما يدل عليه اللفظ بما لا ينافي كماله جل وعلا، وما يكون فيه معنى دم هذا الفعل الذي يفعله ابن آدم. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله أعلم.