الدرس في كتاب الصلاة 25، الدرس الخامس والعشرون:من( الحديث الثالث والستون:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ... 7-فيه جواز العمل بخبر الواحد إذا كان ثقة معروفاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح الحديث الثالث والستين عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يفيد بأن بلالا كان يؤذن بليل لصلاة الفجر. يبين الشيخ أن الأذان الأول مستحب وليس بدخول الوقت.
المقطع يشرح الأحكام المستفادة من حديث متعلق بالأذان لصلاة الفجر، مثل جواز الأذان قبل دخول وقت الصلاة، واستحباب تنبيه الناس قبل الفجر بالأذان الأول.
الأذان عبادة لا تصح بالتسجيل، ولفظ 'الصلاة خير من النوم' يجوز في الأذان الأول أو الثاني. ينبغي تجنب ما يسبب الفتنة في مسائل الخلاف.
إذا لم تتحقق المفسدة في مسائل الخلاف، ينبغي أن تتسع صدورنا لها ولا نضيق على أحد. الأمر واسع ولا ينبغي التضييق على الناس في مثل هذه المسائل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثالث والستون. قال: عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث الأذان. وهذا الحديث مما اتفق عليه البخاري ومسلم. ورواه البخاري في حديث رقم ستمائة وعشرين. قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... فذكر الحديث بلفظه. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال بن رباح وعبد الله بن أم مكتوم، وكان ضريرا. فكان بلال يؤذن لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر؛ لأنها تقع وقت نوم، ويحتاج الناس للاستعداد لها قبل دخول وقتها. وكان بلال هو المؤذن للمسجد. وفيه أنه ينبغي ويستحب إذا لم يكن فيه مشقة ولا ضرر أن الذي يؤذن الأذان في الصلوات هو الذي يؤذن الأذان الأول. قال: فكان صلى الله عليه وسلم ينبه أصحابه إلى أن بلالا يؤذن بليل، فيأمرهم بالأكل والشرب حتى يطلع الفجر ويؤذن المؤذن الثاني، وهو ابن أم مكتوم؛ لأنه كان يؤذن مع طلوع الفجر الثاني. وذلك لمن أراد الصيام، فحينئذ يكف عن الطعام والشراب. يعني: الآكل أو الصائم، أو يكف يعني الجميع. قال: ويدخل وقت الصلاة وهو خاص بها، ولا يجوز فيما عداها أذان قبل دخول الوقت. يعني: هذا خاص بصلاة الفجر فقط. وسيأتي معنا إن شاء الله: هل هذا عام أم في رمضان خاصة؟ فيه خلاف بين أهل العلم. قال: واختلف في الأذان الأول لصلاة الصبح: هل يكتفى به أو لا بد من أذان ثان لدخول الوقت؟ وجمهور العلماء على أنه مشروع ولا يكتفى به، فلابد من أذانين لما وردت به السنة. أما أذان الإعلام بدخول الوقت فهو لا بد منه، وأما الأذان الأول فمستحب. الأذان الأول مستحب. وجاء في بعض الروايات بيان سبب تأذين بلال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بلالا يؤذن بليل، وإنما يؤذن ليرقد مصليكم - أو قال: قائمكم - ويستيقظ نائمكم، ويتسحر متسحركم». فمن كان يصلي يرتاح، أو كان لا يدري بقرب الفجر فيوتر، ومن كان نائما يستيقظ، ومن كان يريد أن يصوم يتسحر. فهذا من فوائد الأذان الأول كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث من أحكام: أولا: جواز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها، وليس هو أذان لصلاة الفجر، ولكنه أذان؛ كما سمعنا في رواية مسلم: لتنبيه من يحتاج لتنبيه في ذلك الوقت. فمن كان يصلي يعرف أن وقت الفجر قرب، يرتاح، أو من كان يريد أن يوتر فليوتر، وهكذا. ومن كان يريد أن يتسحر فليتسحر، ومن كان نائما يستيقظ؛ لأن استيقاظه في الأذان الأول إعانة له على إدراك صلاة الفجر. بينما من يقوم في الأذان الثاني في الغالب لا يستطيع إدراك صلاة الفجر من أولها؛ لأن الوقت قصير. قال: ثانيا: جواز اتخاذ مؤذنين لمسجد واحد، ويكون لأذان كل منهما وقت معلوم. يعني: إذا جاز أن يكون أحد ما يؤذن الأذان الأول، فلا بأس أن يتعاون على الأذان، خصوصا إذا دعت الحاجة إليه. قال: ثالثا: جواز اتخاذ المؤذن الأعمى وتقليده؛ لأن ابن أم مكتوم رجل أعمى. أما اتخاذ المؤذن الأعمى فظاهر؛ لأنه أعمى، فيجوز أن يتخذ مؤذن أعمى، خلافا لمن قال من الفقهاء: أن من موانع مثل هذه الأعمال وجود نقص في بعض الحواس أو وجود بعض العاهات. وهذا ليس بالصحيح، بل يجوز أن يكون الإمام أعمى، يجوز، لا مانع من ذلك. قال: رابعا: وفيه استحباب تنبيه أهل البلد أو المحلة على إرادة الأذان قبل طلوع الفجر حتى يكونوا على بصيرة، لكن بالوجه المشروع، وهو بالأذان الأول. ليس معناه أن تضرب المدافع، أو كذلك يتخذ وسائل أخرى. إنما بما دل عليه الدليل: الأذان الأول. والحمد لله اليوم وسائل بث الأذان ونقله سهلة ومتيسرة، فقط يحتاج من الناس تعاون واعتناء. قال: خامسا: اتخاذ مؤذن ثان يؤذن مع طلوع الفجر، يعني استحباب ذلك. وهذا ظاهر بالحديث. وفائدته: عدم حصول اللبس بين الأذان الأول والثاني. فإنه لو كان المؤذن واحدا يؤذن الأذان الأول والأذان الثاني، وهذا لا يشق عليه. ما يشق على المؤذن أن يؤذن أذانين، أليس كذلك؟ الجواب: بلى، لا شك. لا يشق عليه، لكن لهذا التنويع حكمة؛ هو أن لا يحصل اللبس عند الناس. لأن الناس لو سمعوا المؤذن أذن مرتين، ما يدرون هل هذا الأذان الأول أو الأذان الثاني؟ لأن مؤذنهم هو الذي أذن. إذن صار عند كثير من الناس ما في فائدة من الأذان. لكن إذا اختلف الأذان، إذا اختلف الأذان، صار في هذا مصلحة ومنفعة للناس. قال: وفيه استحباب عدم الكف عن الأكل والشرب لمن أراد الصيام حتى يتحقق طلوع الفجر، وأن لا يمسك قبل ذلك. والأمر في قوله: «فكلوا واشربوا» هو للإباحة والإعلام بامتداد وقت السحور إلى هذا الوقت. وسيأتي إن شاء الله. ولهذا جاء في بعض الروايات في مسلم: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». وجاء معه: «حتى يستطير» أي: الفجر، يعني: ينتشر في جهة المشرق. وفيه دليل على أن الشك لا يمنع من الأكل والشرب، ولكن كما جاء في نص الآية والحديث: «فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر». والتبين هو زوال الشك وحصول اليقين بدخول الفجر. وعلى هذا، كما قال العلماء: إذا ترقب ثلاث الفجر فاختلف اثنان، فإنه لا يقضى به حتى يوافق الثالث. لا يقضى بأن الفجر دخل حتى يقول الثالث. قال: وفيه جواز العمل بخبر الواحد إذا كان ثقة معروفا. ووجهه: أن ابن أم مكتوم كان يقال له: «أصبحت، أصبحت»، فيقبل. فدل على قبول خبر الواحد في مثل هذه العبادة، فما دونه من باب أولى. هذا سائل يقول: عندنا مسجد يؤذن في الأذان الأول بمسجلة، ثم إنه يؤذن للأذان الثاني. فهل هذا صحيح؟ لا، ليس بالصحيح؛ لأن الأذان عبادة، ولا يصح أن يكون بتسجيل. إنما إنسان يؤذن ويتعبد لله عز وجل به. يقول: الصلاة خير من النوم. هل هذا اللفظ بالأذان الأول أو الثاني؟ اختلف أهل العلم في ذلك لاختلاف الروايات تصحيحا وتضعيفا، وفهما لبعض النصوص. والأمر في هذا واسع. من قال: أنه الأذان الأول أو الأذان الثاني، فلا بأس. لا بأس يؤذن في الأذان الأول، ومن رأى أنه يؤذن في الأذان الثاني لا حرج. وإن كان والله أعلم ظهرت الأدلة تدل على أنه في الأذان الأول؛ لأنه هو الأذان الذي يستيقظ من النوم، ولأنه جاء في بعض الروايات أنه علمه بلال أن يقول... وإنما بلال كما في هذا الحديث يؤذن للأذان الأول. فمع ذلك الأمر واسع. إذا كان إنسان رأى بما نظر بالأدلة أنه يقال بالأذان الثاني، فهذا أمر سهل إن شاء الله. لكن هنا تنبيه: وهو إذا جاء إنسان إلى مجتمع يؤذنون به في الأذان الثاني، وهو يريد أن يؤذن به بالأذان الأول؛ لأنه يرى أن الصواب أنه بالأذان الأول، فهنا ينظر. فعله لهذا في الأذان الأول سنة، أم ماذا؟ سنة، اختلف فيها أهل العلم من أهل السنة. انتبه لهذا. ولكن أذانه به في الأذان الأول مع حصول الفتنة - يعني: تيقن حصول الفتنة - يسبب ماذا؟ يسبب شرا، وربما في بعض المساجد تنزع المساجد من الناس. يأتي إمام سني، فإذا أصر على الأذان الأول ونصح، ينزع منه المسجد. يقولون له: أنت تسبب لنا فتنة، تهيج علينا العامة، وربما أبعدوه، وأتوا بإنسان آخر إما عامي، وإما من أهل الحزبيات، أو من أهل التصوف. ففقدان المسجد لأجل الصلاة خير من النوم ليس بالصحيح. إذا كنت لا تعتقد ذلك، ما أحد يقول لك: لابد أنت تؤذن. قل لهم: أنا أؤذن كل الأذانات إلا الأذان الأول. هاتوا لكم مؤذن يقول فيه بما شئتم. أو إلا الأذان الثاني. هاتوا لكم مؤذن يقول بما شئتم. أنا ما أرى هذا. لا بأس بذلك أنك لا تفعل؛ لأنك لا تعتقد ذلك، لكن اترك غيرك يفعل هذا إذا تحققت المفسدة. وأما إذا لم تتحقق المفسدة، فكما سمعتم الأمر واسع. لا ينبغي أن يضيق على أحد، وينبغي أن تتسع صدورنا لمسائل الخلاف. طيب، هذه أسئلة طويلة، وقد أطلنا اليوم، فنتركها إن شاء الله إلى وقت لاحق.