شرح لامية ابن الوردي 2

شرح لامية ابن الوردي 2

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير ابن الوردي من التعلق بأيام الصبا

يتحدث الشيخ عن تحذير ابن الوردي من التعلق بأيام الصبا والانغماس في الملذات، ويبين خطورة المعاصي مثل الغناء والمعازف مستدلًا بالقرآن والسنة. كما يشير إلى أن لذة المعصية مؤقتة بينما آثارها السيئة تبقى في الدنيا والآخرة.

آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

الذنوب والمعاصي لها آثار سلبية على أصحابها، وتؤدي إلى تغيير قلوبهم وانحرافهم عن الدين. كما أن الإصرار على المعاصي يؤدي إلى الغرق في بحور الذنوب ويصعب الرجوع والتوبة.

أهمية التقوى وصدقها في السر والعلن

يؤكد المقطع على أهمية صدق التقوى في جميع الأحوال، ويشدد على أن التقوى الحقة تظهر في السر والعلن. نسأل الله أن يرزقنا التقوى وأن يجعلنا من عباده الصالحين.

التفريغ النصي الكامل

يصرّح إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح لامية ابن الوردي رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مرّ معنا في الدرس الماضي، في أول درس لامية ابن الوردي رحمه الله، أن المؤلف رحمه الله ابتدأ هذه اللامية بالتحذير من الأغاني والغزل. لماذا؟ من من؟ نعم، حدّ من الخلف، أتفضل. اشتهر في زمانه، ولأنه له ضرر عظيم. من يذكر لنا دليلًا من القرآن؟ نعم، دليل من القرآن. حدّ من الخلف، أتفضل. من الناس من اشترى الله، والحديث جاء عن عدد من الصحابة والتابعين أنه الغناء. ومن السنة، من السنة، أحد في الخلف، من السنة. من يحفظ شيء من السنة؟ أحد مشارك من الخلف. استحلّوا الحرة والحريرة والخمر والمعازف. نعم، والشاهد قوله: المعازف. قرنت بهذه الكبائر الثلاث، قرنت بهذه الثلاث كبائر، فهو على القول الصحيح كبيرة من الكبائر. نعم، طيب. قال رحمه الله تعالى: ودِّعِ الذكرى لأيام الصبَا ... فلأيام الصبَا نجم أفل إن أهنى عيشة قضيتها ... ذهبت لذاتها والإثم حل وترك الغادة لا تحفل بها ... تمسي في عز رفيع وتجل قال: وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرًا جللًا، وهجور الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل؟ أتبع بهذه الأبيات رحمه الله، وهي كذلك من وصيته رحمه الله، وجعلها وصية لولده، سواء أكانت حقيقية لابنه أو جعلها لعموم أبناء المسلمين، وكلا الأمرين فيه وعض الآباء للأبناء. فينهى هنا عن التعلق بأيام الصبا حتى لا يكون ذلك سببًا في أمل، ماذا تسوء عاقبته؟ لأن من الناس من يمضي به العمر، ومع ذلك يظن نفسه لا يزال على ما كان عليه في صغر سنه، بل لا يمضي يوم إلا وهو يتقدم من قبره وأجله. فما مضى من أيام الصبا نجم أفل، يعني نجم وذهب، فانظر إلى ما سيأتي، هذا هو المهم. وكم عسى أن تبقى، وكم عسى أن تبقى بعد أن تتأمل كم مضى من عمرك، وكم من مضى من عمر من حولك؟ ومنهم من أخذه الأجل في شبابه، ومنهم من أخذه في نصف عمره. فلا يكون عندك طول الأمل. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من أعظم ما يضل به الناس قول الأمل. وقوله: ﴿إن أهنى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها﴾، وليس محل، يعني إذا كنت تتلذذ في بعض المعاصي وتظن أنها من أهنى العيش الذي مر عليك، ففي الحقيقة أنت مخطئ، لأن تلك اللذات ذهبت وزالت، ولكن لم يزل أثرها. اللذة لذة ساعة ولحظة، ثم يبقى شؤمها وعاقبتها في الدنيا والآخرة. ومن ذلك الإثم الذي لا يزول عنك إلا بتوبة صادقة. ولا تدري بأي لحظة يتوفاك الله سبحانه وتعالى. فالعاقل إذا تأمل ما فيه من أثر الذنوب والمعاصي، علم أن لذة معصية ساعة لا تساويها تلك الآثار العظيمة التي يصاب بها من اقترف ذلكم الذنب. فعلى سبيل المثال، لو أن إنسانًا تلذذ بشرب الخمرة أو فعل الفاحشة مرة واحدة، كم عسى أن يبقى تلك اللذة؟ تبقى ساعات، لحظات، ثم تزول. وماذا بعد هذا؟ أخرج نفسه من طريق أهل الطاعة والتقوى إلى طريق أهل الفجور والمعصية. كانت صحيفته بيضاء فصارت ماذا؟ سوداء. كانت صحيفته خالية من الذنوب والمعاصي فصارت مليئة بالذنوب والمعاصي. كان قلبه أبيض مثل الصفا كما جاء في الحديث، فنكث فيه نكثة سوداء. وهذه النكثة السوداء كفيلة بأن تعكر البياض. ولهذا انظروا سبحان الله إلى الحديث وبلاغة النبي صلى الله عليه وسلم. فيه القلب قبل المعصية أبيض مثل الصفا. إذا كان عندك شيء أبيض مثل الماء أو مثل الحليب، ووضعت فيه قطرة حبر واحدة، كيف سيكون أثر هذا الماء؟ هل يبقى ذاك الصفا؟ لن يبقى هذا الصفا. هل يبقى ذاك البياض الذي للحليب؟ لن يبقى. تلك القطرة الواحدة عكرت ذاك الصفا والبياض، حتى أن الإنسان يجد الفرق. إذا كان هذا في الشيء الحسي، فكذلك في الشيء المعنوي. وللذنوب آثار عظيمة على أصحابها. من آثار الذنوب أنها تثقل عن الطاعات. ومن آثار الذنوب أنها تظلم على الوجوه. ومن آثار الذنوب أنها تظلم على القلوب وتغير القلوب. قال الله عز وجل: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾. زاغة العبد بذنب كفيلة بزاغة القلب. ولذلك تجد أول الانحراف ذنبًا. هذا الذي يقع في كبائر الذنوب لم يصل إلى هذه الكبائر إلا بذنوب صغار. أو صلته إلى الكبار والكبار أو صلته إلى أكبر، حتى والعياذ بالله انحرف، وربما يخرج من الدين. وهذا من الآثار. فكيف إذا توفاك الله على هذا؟ ولذلك جمع بين ذكر المعصية والأمل، لأن من أسباب إصرار الناس على المعاصي ماذا؟ طول الأمل. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله وتعالى في حال الإنسان مع معصيته وطول أمله وغروره فيه، أن مثله كمثل من لا يحسن السباحة فيدخل إلى الماء، فإنه كلما دخل وتعمق في الماء ازداد ضعفًا وماذا تماسكًا؟ فعند ذلك إذا دخل إلى العمق وارتفعت رجلاه من الأرض غرق. وهكذا صاحب الذنوب والمعاصي يمشي في المعصية وهو لا يدري أنه يمشي في عمق الغرق في بحر الذنوب والمعاصي. هذا الذي مشى إلى الماء يناديه المنادي يقول له: انتبه، أنت لا تحسن السباحة، أخرج، أنت الآن تمشي برجليك، أخرج وانجو بنفسك. وهو يقول: دخلت برجلي وسأخرج برجلي. ولا يدري أنه كلما ازداد مشيًا وتعمق في الماء ازداد ماذا؟ ضعفًا وقل التماسك. فإذا غمره الماء وارتفعت رجلاه من الأرض غرق. يريد الرجوع، هل يستطيع الرجوع؟ ما يستطيع الرجوع. وكذلك الذي يتعمق في الذنوب والمعاصي يدخل في شيء يسير بقدمه، ويقول: لذة وأتوب وأرجع. وما يدري أن ثمن هذه اللذة هو الغرق في بحور الذنوب والمعاصي. ومن غرق في بحر الذنوب والمعاصي فإنه من الصعب عليه أن ينجو. وهذا هو الواقع. كم من الناس من يقول: أنا شاب وسأتوب ويتوب الله عليه. وما يدري أن قلبه يتغير، وعند ذلك لا يرى المعروف معروفًا ولا المنكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه. يتغير قلبه ويتغير طبعه وخلقه، ويصير بعد أن كان من أهل المساجد صار من أهل الفساد. وضرب الإمام ابن القيم رحمه الله مثالًا آخر، قال: مثل صاحب الذنب مع ذنبه وطول أمله كمثل رجل غرس شجرة. وهذه شجرة الذنوب والمعاصي غرس شجرة، فتركها فلا تزال الشجرة تكبر، ولا يزال هو يضعف. فالشجرة تقوى والإنسان يضعف بكبر سنه. وصاحب الذنب هكذا يقول: هذه المعصية أنا فعلتها وسأقلع عنها. ولا يدري أنه كلما تأخر ماذا؟ زادت شجرة معصيته بالرسوخ، وزاد هو في الضعف في نزعها. وهكذا مثل الشجرة مع هذا الإنسان. إذا كبرت الشجرة وصارت شجرة كبيرة، هل يستطيع الإنسان أن يقتلعها؟ ما يستطيع أن يقتلعها. أنت أنظر نخلة صغيرة تضع نخلة صغيرة بإصبعين تستطيع تنزعها، لكن إذا كبرت هذه النخلة ومر عليها الوقت وصارت شجرة، أنت ما تستطيع تهزها، فضلًا أنك ماذا؟ تقتلعها. وهكذا شجرة الذنوب والمعاصي إذا تركتها فإنها يصعب عليك أن تقتلعها. وهذا هو الذي أراد الوصول إليه رحمه الله تعالى. مع ما لا يخفى من الإثم الذي يملأ صحيفتك وأعمالك، وإذا كان وبالًا عليه. وقوله: ﴿واترك الغادة لا تحفل بها تمسي في عز رفيع وتجل﴾، كذلك يعني يحذر أن يكون الإنسان عنده هذا الغرور بنفسه ومعاصيه والتساهل في هذا الباب، فإن حصل شيء من العز فهو عز لا يدوم. أو كذلك كان له شيء من الاحتفال فإنه كذلك عاقبته خسار. وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرًا جللًا، يعني هذا الذي تلذذ بتلك المعاصي وصار قلبه يعشقها ويهواها، لو تأمل بعدل وإنصاف والتعظ واعتبر، وجد نفسه أنه في الحقيقة سينتهي إلى أمر يكون فيه له به الخسارة. ثم ذكر الخمرة على وجه الخصوص، كما قال بعض الشراح لأن الخمرة مما اشتهرت في زمانه رحمه الله وتعالى. ونصص عليها لوجود من يفتتن بها ولما جاء من التحذير منها، فهي أم الخبائث كما تقدم معنا. وهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل؟ يعني إذا كنت تعرف أن هناك فرقًا ولا شك بين العاقل والمجنون، ولا يمكن لعاقل أن يرضى لنفسه بالجنون، فكيف يرضى عاقل أن يزيل عقله بالخمرة فيخسر الدين والدنيا؟ يخسر الدين والدنيا. وهذا قليل من كثير من شؤم هذه المعصية. من يبتلى بالخمرة وما كان بمعناها من المسكرات والمخدرات، عاقبته أن يرمي نفسه في حضيض المجانين وأرذل من ذلك. المجنون قد يعذر لأنه ماذا؟ لأنه حقيقة فاقد عقله. بل بعض المجانين يستحي أن يفعل ما يفعله بعض المخمورين والمخدرين. هؤلاء هؤلاء الذين يتعمقون وانغمسون في بحور الخمور والمخدرات والمسكرات يصر بهم الحال إلى مراحل عميقة وكذلك شديدة في البعد عن الدين وعن العقل وعن الفطرة. ربما بعضهم والعياذ بالله يعتدي على محارمه أو والعياذ بالله ينتقل إلى معاصي وذنوب أكبر كالسرقة والقتل والإفساد في الأرض. كل هذا لأجل أن يصل إلى هذا المسكر أو ذاك المخدر، فيصير من المجرمين. ولهذا ترتبط هذه المعاصي غالبًا بمعاصي أخرى. ما تجد إنسانًا عنده خمرة وخلاص يقف عند هذا الذنب، تجد معه خمرًا، فواحش، إجرام، تجارة بالمحرمات، وأنواع من المعاصي بسبب هذه الكبيرة. ولهذا جاء في الحديث أنها أم الخبائث، أم الخبائث. فيزيل عقله إما الإزالة الكلية فيصير مثل المجنون. تجد بعض أصحاب المخدرات والمسكرات يمشي في الشوارع كأنه مجنون، مثله مثل الحيوان الذي هو أشد يعني ماذا؟ اتزانًا واعتناءً بنفسه من الحيوان. الحيوان ربما ما يرضى لنفسه أن يتبول ويتغوط في نفسه، وأن يجلس ويرتمي وينام في الشوارع والقاذورات. حتى المجنون بعض المجانين ما يفعل مثل هذا. بعض الحيوانات ما تفعل من هذا. لكن أصحاب المسكرات والمخدرات ربما ينام في الشارع فيموت وهو في الشارع، يرمي نفسه بين الزبالة، ما يدري إلا وسقط بسبب خمرته أو المخدرات، ونام في وسط الزبالة -أكرمكم الله- أو كذلك وقع، يعني ضحية العصابات. ولهذا يكثر المجرمون من استخدام المخدرات في الشباب لأجل أن يستخدمونهم في أنواع المعاصي والإجرام الذي لا يصلون إليه بأنفسهم، ولكن يستخدمون هؤلاء، وخصوصًا النساء إذا أرادوا أن يستخدموا النساء فيبدأون معهن بماذا؟ بالمخدرات. يعطوهن المخدرات حتى تصير هذه المرأة ضحية، وعند ذلك تكون سلعة رخيصة مبتذلة ممتهنة عند هذه العصابات. وهذا قليل من كثير من آثار هذه المشكلة وهذه الكبيرة. ثم قال رحمه الله: واتق الله. وتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل. وتقوى الله مفتاح كل خير. وتقوى الله أن تجعل بينك وبين ما يغضب الله سبحانه وتعالى وقاية وحجاب. فإذا اتقيت الله حرست على فعل الطاعات وترك الذنوب والمعاصي والسيئات، وعند ذلك تسلم وتنجو في الدنيا وفي الآخرة. وليس المقصود أن تعرف معنى التقوى، وهنا يقع الخطأ أن الكثير من الناس يعرف معنى التقوى ولكن بالحقيقة لا يطبق هذا التقوى الذي يعرف. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾. ليس ليس الشأن كل الشأن أن تقول بلسانك: اللهم اجعلنا من المتقين، ثم إذا خلوت بذنوبك ومعاصيك كنت من أفجر الناس ومن أفسد الناس. أنت لست من المتقين بقولك بلسانك: اللهم اجعلنا من المتقين ونحو ذلك. لا، المسألة ليست بالإدعاء ولا بالكلام. وليس كما قال الحسن ابن أبي الحسن البصري رحمه الله: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل وصدقه العمل. وكذلك التقوى، التقوى شيء يقر في القلب ويصدقه العمل. إذا لم يصدق تقواك عملك في السر وفي العلن وفي الظاهر وفي الغيب والشهادة، فأنت لست بمتق لله عز وجل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا التقوى وأن يجعلنا من عباده الصالحين. وإلى هنا والله تعالى أعلم.