الدرس في شرح لامية ابن الوردي 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المقطع الأول يقدم شرحًا لامية ابن الوردي، وهي منظومة شعرية أدبية أخلاقية علمية، ويشرح أهميتها في تقديم النصائح والآداب والأخلاق. يبين سبب تأليفها وتحذير ابن الوردي من الأغاني والغزل في بداية المنظومة.
يتناول المقطع الثاني تحريم الأغاني والمعازف مستندًا إلى القرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الاستماع إليها يعتبر من كبائر الذنوب. كما يشرح أن ارتكاب الكبائر يحول دون مغفرة الصغائر حتى مع أداء الأعمال الصالحة.
يتحدث المقطع الثالث عن خطورة التدرج في المعاصي، حيث يبدأ الشخص بسماع الأغاني ثم يتدرج إلى معاصٍ أكبر حتى يصل إلى الكفر. يشرح كيف أن الشيطان يستدرج الإنسان خطوة بخطوة حتى يبتعد عن دين الله.
ينصح الشيخ ولده بالابتعاد عن طريق أهل الهزل الذين خسروا دينهم بسبب الأغاني والغزل. يشير إلى أن بعض الصحابة كانوا مؤمنين ثم أصبحوا كفارًا نتيجة الهزل. يحذر من الدخول في هذا الغي الذي يؤدي إلى الخسارة الدينية.
يسرد إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح لامية ابن الوردي، رحمه الله تعالى، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن مريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول، بسم الله الرحمن الرحيم، وحمد الله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فبين أيدينا لامية ابن الوردي، أحد المنظومات الشعرية الأدبية الأخلاقية العلمية التي جمع فيها ناظمها، وهو أبو حفص عمر بن مظفر بن عمر، المشهور بابن الوردي، جمع فيها من النصائح والآداب والأخلاق والتوجيهات ما يحسن، وكانوا معه والاعتناء بهذه الأبيات حفظًا، وكذلك تأملًا. وقد حوت أنواعًا من الحكم، وكذلك عددًا من الآداب، ومن تدبرها وجد فيها خلاصة تجارب الناس في هذه الحياة، ومنتهى ما يصل إليه الإنسان، فإن تلك التجارب جمعت في هذه الحكم وهذه الآداب والأخلاق التي أشار إليها رحمه الله تعالى في هذه المنظومة. وقد اشتهرت هذه المنظومة بين أهل العلم، واعتنوا بقراءتها والتعليق عليها وحفظها وتحفيظها، لما حوته هذه المنظومة من تلك الآداب، وكذلك الأخلاق والحكم، وسنرى ذلك إن شاء الله في أثناء قراءة هذه المنظومة. وقد جعلها رحمه الله تعالى على هيئة النصيحة والخطاب من أب لابنه، لتكون خير وصية وخير هدية يجعلها الأب لابنه، ولتخرج كذلك مخرج العظة والعبرة والأدب والتعليم الذي يحتاجه الآباء، ولا يستغني عنه الأبناء. فكأنك تقول: لو قال قائل: اعطني نصيحة، وصية أنصح بها، وأوصي بها من أحب من أبنائي، فيكون الجواب: لامية ابن الوردي، احفظها، وحفظها، واجعلها محل تسلية للطفل في الصغر، تكون له درسًا في الكبر. ولذلك اعتنى العلماء في الكتاتيب وغيرها بتحفيظها للصغار، قد يحفظها الصغير اليوم، ولا يتدبر عمق ما فيها من آداب وحكم وأخلاق، لكن إذا كبر، سيعرف عمق ما كان فيها ماذا من نصائح، ومن حكم، وآداب، وأخلاق، وتوجيهات. وستكون على لسانه معلمًا، ومنبهًا، ومربيًا لنفسه أولًا، ولمن حوله ثانيًا، وتكون واعظات تجري على لسانه، وتضرب على قلبه، لأنه لو فعل شيئًا يخالفه الذي كان قد حفظه بهذه اللامية، وهذه المنظومة، سيقول: قد وقعت فيما حذر منه ابن الوردي، اليوم خالفت ما حفظته من لامية ابن الوردي. وهكذا، فلذلك ينبغي الاعتناء بهذه اللامية لما حوته من هذه الآداب والحكم والأخلاق، كما سنرى إن شاء الله تعالى، وكونه جعلها على وجه الخطاب بين أب وابنه، هذا يزيد في الاعتناء بها، وفي كذلك الاهتمام بما فيها. فما منا إلا ويحب أن ينصح لمن أحب من أبنائه، وأن يكون أبناؤه قد هُدوا إلى الطريق السوي بالأخلاق الكريمة والآداب السوية والحكم الجليلة التي تعينهم وتسندهم في البقاء على الخير الذي يحبه الآباء لأبنائهم. قال رحمه الله تعالى في لامية ابن الوردي: مخاطبًا ولده: «اعتزل ذكرى الأغاني والغزل قال وقل الفصل وجانب من هزل ودعِ الذكرى لأيام الصباء فلأيام الصباء نجم أفل» ابتدأ رحمه الله هذه المنظومة بهذين البيتين، وكما قال بعض الشراح: لأن الكثير من أهل زمانه، وهذا من أسباب التأليف، سواء نثرًا أو شعرًا أو غيره من أنواع النصيحة، أن يكون لها سبب، وبحسب ذاك السبب في الزمان والمكان يكون الخطاب. فلما كان زمان المؤلف رحمه الله، والمؤلف كان في القرن السابع، يعني في وقت حصل فيه ضعف للمسلمين في تلك الفترة، وانتشر عدد من المخالفات والمعاصي، ومن ذلك الأغاني والغزليات، فإنه مما تشيع في ذلك الزمان. فلذلك ابتدأ رحمه الله تعالى بالتحذير من الأغاني والغزل في أول ما يذكره من هذه الأبيات في هذه المنظومة، وكما تقدم: الإنسان إذا حفظ مثل هذه الكلمات، كانت هذه الواعظات تجري في لسانه، وتضرب على قلبه، فتؤثر فيه. فلما يحفظ الصغير الذي كان على الفطرة مثل هذه الأبيات، فإذا بدأ ينحرف بسبب رفقاء السوء أو غيرهم، ويميل إلى الغناء والأغاني ومجالسة أهلها، والغزل ونحوه، فإن مثل هذه الأبيات لا شك ستؤثر فيه، وتكون حجة عليه. وتحريم الأغاني قد جاء ذكره في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد جاء عن عدد من الصحابة والتابعين في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أنه الغناء. وكذلك في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قالوا: صوت الشيطان هو الغناء والمعازف. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في البخاري معلقًا، ووصل في خارج الصحيح: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف»، أي يعاملونها معاملة الحلال، وهي حرام. فأفاد الحديث أولًا: أنه يحرم هذا المذكور، بل وأن هذا المذكور من أشد المحرمات، ولهذا قرن هذه الثلاث مع بعض: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف»، قرن مع المعازف الحِرَ، أي الزنى. والحرير وهو لبس الحرير للرجال، لأنه سبب لأحد أمرين اثنين: إما البطر والخيلاء، وهذا من كبائر الذنوب، وهو يفضي إلى الكبر، وعلامة عليه، أو يفضي إلى التخنث والميوعة، لأن الحرير ناعم بطبعه، ولا يميل إليه إلا أحد هذين الرجلين: إما رجل عنده من الكبر والخيلاء ما يحب أن يلبس أغلى اللباس، والحرير أغلى اللباس وأفخره. وإما أنه عنده شيء من الأنوثة، فيميل إلى هذه الليونة التي في هذا الحرير، وكل الأمرين من أكبر الكبائر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عائشة وغيرها: أنه لعن المتخنثين من الرجال والمترجلات من النساء. وفي الحديث الآخر: «لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل»، والحرير من لبسة النساء، فلبس الرجل لها سبب للعن، واللعن الطرد من رحمة الله، فدل أن هذا من كبائر الذنوب. فالزنى من كبائر الذنوب، ولبس الحرير من كبائر الذنوب، وكذلك الخمر شربًا من كبائر الذنوب، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث: «أم الخبائث»، وهو يعني مفتاح وجامع لحصول الخبائث. ولهذا مجتمع ينتشر فيه شرب الخمر، واستعمال المخدرات، مجتمع ساقط، إذا انتشرت هذه الخبائث المخدرات والخمور، فلا تسأل عن الفساد الذي يقع في المجتمع، فالرذيلة تنتشر، والفاحشة، والفساد، وتحلل الأسرة، والضياع، وكل شيء من الشر والفساد ينتشر. لأن الإنسان يكون في غاية من السقوط والانحراف عن معاني الاستقامة وغيرها، ولهذا صار شرب الخمر من أكبر الكبائر، ومن كذلك أم الخبائث. وكذلك الرابع وهو الذي قرن معه هذه الكبائر الثلاث، وهو من الكبائر على الصحيح، بماذا بدلالة الاقتران التي ذكرت في هذا الحديث، فالمعازف من الكبائر على الصحيح من أقوال أهل العلم، وليس من الصغائر. فاستعمال المعازف، والاستماع للغناء من كبائر الذنوب، وليس من صغائر الذنوب، وكبائر الذنوب شأنها عظيم، شأنها عظيم في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فعلم أن الكبائر لا تكفرها هذه الأعمال الصالحة، هذه الأعمال الصالحة لا تكفر الكبائر، بل إذا كانت عندك هذه الكبائر، حتى الصغائر لا تغفر لك، ولو فعلت هذه الأعمال الصالحة. فمن شرط مغفرة الصغائر بالأعمال الصالحة ترك الكبائر، فهذا يدل على عظم أمر الكبائر، فالأغاني والمعازف، وأعظم منه الغزل، الغزل مسلك من مسالك أهل الغناء والمعازف، يسلكون الغزليات. وكانت الغزليات في الزمن القديم نوعًا من الشعر يقولونه ويحدونه، وصارت بعد ذلك أوسع من الشعر، صارت كلمات، وصارت رسومًا، وصارت تماثيل، وتطورت في العصر الحديث، فصارت أفلامًا رومانسية كما يقولون. ثم تدرجوا حتى صارت الأفلام الإباحية، وهذا من خطوات الشيطان، انظروا ماذا بدأ الغناء بريد معاصي أكبر منه، ولهذا قال العلماء: المعاصي بريد الكفر، تتدرج بك خطوة خطوة حتى تخرج من دين الله سبحانه وتعالى. هذا الذي يسترسل في الأغاني والمعازف، وكذلك في الغزل والعشق وما كان معه، هل يقف عند حد؟ ما يقف عند حد، الشيطان لا يزال به، يسمع كل الأغاني، انظر بعض الناس يسمع الأغاني العربية، حتى يتعب، بعدها يدخل في الأغاني الأجنبية، ما يفهم. بعض الناس يسمع بأغاني لغات ما يفهمها، والله أوقفنا بعض الشباب وهم في غاية من السكر مع الغناء بهذا الغناء العجمي، ماذا تفهم مما يقول؟ قال: لا أفهم شيء، طيب ليش تسمع؟ ليش تسمع؟ قال: خلاص تعودنا. ادعو الله أن يهدينا، ادعو الله أن يهدينا، يعني يصير الإنسان عنده مثل السكر والإدمان، ينتقل من شيء إلى شيء إلى شيء إلى أن يصل في الأخير إلى الكفر. قد يقول: لا تبالغ، كيف يصل إلى الكفر؟ يصل إلى الكفر لأن القلب يمتلئ بالغي، فعند ذلك لا يكون هناك مكان لذكر الله، ولذلك تجد أكثر من يدمن الغناء تارك للصلاة، وهو أول الكفر. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة»، كما في حديث جابر، وفي حديث بريدة في مسند الإمام أحمد، وعنده أبو داود وغيره بسند صحيح. والحديث الأول حديث جابر في صحيح مسلم، وفي حديث بريدة: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، وما أكثر من يتدرج في الأغاني والعشق، وهذه السلسلة التي لا تنتهي، فيكون نهايته ترك الصلاة، تثقل عليه الطاعات. يكون في البداية من أهل المساجد، فيرافق رفقة السوء، ويدخل في هذه الدوامة مع أهل الأغاني والمعازف والغزليات بأنواعها، فإذا به يصير عليه أمر الطاعات ثقيل، فيترك الصلاة، ويرافق أهل الشر، ويصل به الأمر والعياذ بالله أن يكون من أهل الكفر بالله سبحانه وتعالى. بل بعضهم والعياذ بالله قد يصل به الأمر إلى الردة، يصل به الأمر إلى الردة، انظروا إلى رجل يضرب به العلماء المثل، وهو عبد الله القصيمي، كان ممن يكتب ويؤلف، وقد درس عند أهل العلم، وصار يشار إليه بالبنان في كتاباته وردوده. فسافر إلى بعض البلاد، وخالط رفقاء سوء، ومن خالطته لرفقاء السوء، ولأنه كما قال بعض قرنائه: عنده الفضول، يحب يدخل في كل شيء، فرافق رفقاء السوء حتى تدرج في الفساد، فوقع في الشر والفساد، فخرج من دين الإسلام بسبب رفقاء السوء ومخالط أهل السوء. ثم صار بدل ما كان يكتب ويرد على أهل الكفر، صار يرد على أهل الإسلام، ويقول كما قال بعضهم في كتاباته: وهو مع البغايا - يعني الزانيات - والعياذ بالله، ويقول: لن يدخل الله مثل هؤلاء الجميلات النار. انظر كيف انتكس، هذه الانتكاسة العظيمة، لأجل أن تعرف أن القلوب ضعيفة، والشهوات خطافة، فلا تعرض قلبك للفتن، فإنك ضعيف أمام الفتن، لكن احفظ نفسك بطاعة الله، وبلزوم طريق الاستقامة وأهل الصلاح. ولهذا كان أول ما ابتدأ به ابن الوردي التحذير من الأغاني والغزل، لأن الفتن بها من أعظم الفتن، وقوله: «وقل الفصل وجانب من هزل»، يعني قل الحق الفاصل الذي فصل بين الباطل والحق، وجانب من هزل، أي من هزل بدينه من رفقاء السوء وغيرهم. أكثر من يدخل في الغي يدخل في البداية من باب الهزل، كما وقع أهل النفاق لما قالوا تلك الكلمات التي كانت سببًا في كفرهم، قالوا: «إنما كنا نخوض ونلعب»، حديث نمضي به سآمة السفر، أو كما قالوا. فما زاد النبي صلى الله عليه وسلم أن تلى عليهم قول سبحانه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. يعني كانوا مؤمنين، وصاروا كفارًا بسبب الهزل، بسبب الهزل، وهكذا كذلك أنت يا ولدي، كأنه ينصح ولده: احذر طريق أهل الهزل، فإنهم خسروا دينهم، ومن أسباب الهزل الدخول في هذا الغي: غي الأغاني والغزل. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله في درس اللاحق، والله تعالى أعلم.