الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 158، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع الأول تفسير الإمام ابن القيم للأصناف الثلاثة المذكورة في القرآن ويشرح اختلاف العلماء في مصيرهم. بينما يشرح المقطع الثاني تقسيم الأمة الإسلامية إلى ثلاثة أصناف يوم القيامة بناءً على أعمالهم.
استدل الفريق الأول بآثار روائية على أن الأصناف الثلاثة من أهل الجنة، منها أحاديث لأسامة بن زيد وعائشة وأبي الدرداء، وتحدث عن ضعف بعض الأسانيد ولكن أكد على صحة المعنى بشكل عام.
المقطع يشير إلى ضعف إسناد حديث معين، لكنه يؤكد صحة معناه لوجود شواهد ومتابعات كثيرة. ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: فذهب الطائفة إلى أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة، وهذا يروى عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، أم المؤمنين. قال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعته ستين سنة فكلهم ناج، يعني بتفسير الآية بالأصناف الثلاثة. وقد مر معنا أنهم اختلفوا بهذا، وأن الصحيح باعتبار مآلهم إلى الجنة، فكلهم يصلون إلى الجنة؛ لأنه ليس فيهم مشرك ولا كافر، وسيأتي من الآثار والأحاديث ما يدل على ذلك. ولا ينافي هذا على الصحيح كون الصنف الثالث منهم قد تكون له محاسبة قبل دخوله إلى الجنة، كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار - ويروى في بعض النسخ: الصلت بن عبد الرحمن - قال: حدثنا عقبة بن صهبان الهنائي، قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾، فقالت لي: يا ابني، كل هؤلاء في الجنة. فأما السابق في الخيرات، فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، هكذا عندنا. وجاء بالخيرة أو بالخير، والمعنى أنه شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته أنه من أهل الجنة. قال: وأما المقتصد، فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به. وأما الظالم لنفسه، فمثله ومثله، قال: فجعلت نفسها معنا. وهذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف؛ الصلت بن دينار متروك، وإذا كان الصلت بن عبد الرحمن على ما جاء في بعض الأسانيد الأخرى فهو مجهول، فالإسناد ضعيف. ومعناه قد يصح باعتبار ما سيأتي من آثار، لكن بالتقييد الذي مضى معنا، فيكون الأصناف الثلاثة: صنفان من أهل الجنة، وصنف منهم من أهل الجنة ومنهم - يعني دخولًا أوليًا - ومنهم لا يدخل الجنة دخولًا أوليًا، وإن كان من أهل الجنة، نسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته. قال: وقال ابن مسعود: «هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة - يعني لا يعاقبون - وثلث يجيئون بذنوب عظام، فيقول الله: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا، فيقول الله عز وجل: أدخلوهم في ساعة رحمته». وهذا الأثر روي بطرق يرتقي بها إلى الحسن، ذكره الطبري وغيره، ومعناه صحيح في صنف من الصنف الثالث، وهم أهل التوحيد الذين قوي توحيدهم، مثل صاحب البطاقة؛ فإنه تغلب ذنوبه بإيمانه وتوحيده. وليس كل أحد قال: «لا إله إلا الله» تخرج له بطاقة فتطيش كفته، ولكن كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معنى كلامه: فإن ما يحف به من الإخلاص والصدق يكون معه ما يكفر به ما يكون من الذنوب. قال رحمه الله: وقال كعب: «تحاكت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم» - يعني تقاربت منازلهم بعضهم من بعض - وهذا كما قلنا يوجه بالتفصيل الذي سبق. قال: وقال الحسن: «السابق من رجحت حسناته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفت موازينه». وهذا كذلك لا ينافي ما تقدم؛ فالجميع من أهل الإيمان والتوحيد، ولكنهم لا يستوون. فالصنف الثالث منهم الظالم لنفسه هم أصناف: ظالم غلبت عليه ذنوبه فاستحق بعدل الله سبحانه وتعالى دخول النار بقدرها، وآخر ظالم لنفسه غلبت حسناته، وآخر غلبت سيئاته، لكن عنده من الأعمال الصالحة الخالصة الصادقة ما أثقلت الميزان من تلك السيئات. قال: واحتجت هذه الفرقة بأنه سبحانه سمى الكل مصطفين، وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد، ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفين؛ لأن الاصطفاء هو الاختيار، وهو افتعال من صفوة الشيء وهو خياره. تعلم أن هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق، وبعضهم خير من بعض، فسابقهم مصطفى عليهم، ثم مقتصدهم مصطفى على ظالمهم، ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك. وكلهم أهل إيمان وتوحيد، فهم بالجملة من أهل الجنة، ولكن الفريق الأول والثاني يدخلون دخولًا أوليًا، ويكون لهم الصفح بحسب أعمالهم وصلاحهم وصدقهم، جعلنا الله وإياكم والسامعين منهم. وصنف خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز عنا جميعًا، فيكون هؤلاء أصنافًا - أي القسم الثالث - كما سبقت الإشارة إليه وتفصيله. قال: واحتجت أيضًا بآثار روتها - يعني الفرقة الأولى القائلين بهذا القول كما تقدم معنا - قال: تؤيد ما ذهبت إليه، فمنها ما رواه سليمان بن شاذكون، قال: حدثنا حسين بن نمير، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، قال: «كلهم في الجنة». وهذا الإسناد فيه ضعف، لكن له طرق يرتقي بها للحسن. وجاء معناه عند الترمذي، حسنه شيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي، وجاء معناه من حديث عائشة كذلك في أحد رواياته. وحديث عائشة كما تقدم فيه ضعف من جهة الإسناد، لكن معناه صحيح، ويؤيده هذا المرفوع، وكذلك ما سيأتي من موقوف ومرفوع، ومر معنا بعض ذلك. قال: ومنها ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا ابن لهيعة - وابن لهيعة فيه ضعف على التفصيل الذي تكرر معنا في رواية العباد لو نحو ذلك - قال: عن أحمد بن حازم المعافري، عن صالح بن أبي الأسود التوأم، عن أبي الدرداء، قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾، قال: «فأما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم فيحبس في طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه». وهذا بهذا الإسناد فيه ضعف، لكن كما مر معنا معناه صحيح لورود شواهد ومتابعات كثيرة تدل عليه، وفي هذا إشارة إلى صنف من أصناف القسم الثالث، وهم من يحبسون طويلًا ثم يؤذن لهم بدخول الجنة، وهذا صنف من أصناف الذين يدخلون في هذه الأقسام الثلاثة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.