طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 112

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 112

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 112، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرور العالم والقضاء الإلهي

يناقش المقطع آراء القدرية حول الشرور وتقسيمها، ويشرح مبرراتهم لوجود الشرور تحت القضاء الإلهي. يحاول القدرية تبرير وجود الآلام والأمراض كوسيلة لتحقيق مصالح.

الرد على القدرية النفاة وضلالهم

يناقش المقطع آراء القدرية النفاة ويبين ضلالهم في نفي إرادة الله في الشرور. يشرح أن الله له إرادتان شرعية وكونية، وكل ما يحدث يقع بإذن الله.

الرد على الجبرية والقدرية في مسألة الشرور

يتناول المقطع الرد على الجبرية والقدرية، موضحا أن كلا الطرفين أخطأ في فهم الإرادة الإلهية. يبين أن الحق هو ما جاء به أهل السنة في إثبات الإرادتين الشرعية والكونية.

خاتمة الدرس والإشارة للدرس التالي

يختتم الدرس بالإشارة إلى أن التفاصيل ستأتي في الدرس التالي، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يشير إلى استمرارية الموضوع في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «طريق الهجرتين»: قال: وهؤلاء قسموا الشر الواقع في العالم إلى قسمين، أحدهما شرور هي أفعال العباد وما تولد منها، فهذه لا تدخل عندهم في القضاء الإلهي، تنزيها للرب تعالى عن نسبتها إليه، ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ولا تكوينه. والثاني: شرور التي لا تتعلق بأفعال العباد، كالسموم والأمراض وأنواع الآلام، وكإبليس وجنوده، وغير ذلك من شرور المخلوقات، كإيلام الأطفال وذبح الحيوان. فهذا النوع هو الذي كدر على القدرية أصولهم، وشوش عليهم قواعدهم. قالوا: ذلك كله حسن؛ لما فيه من اللطف والمصلحة العاجلة والآجلة. قالوا: أما الآلام والأمراض، فمفعولة لغرض صحيح، وهو ما ضمن الرب سبحانه لمن أصابه بها من العوض الوافي. قالوا: وذلك يجري مجرى استئجار أجير في فعل شاق؛ فإنه بغرض الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثا، وبالأجرة أخرجوا عن كونه ظلما؛ فكان حسنا. قالوا: فإن قيل: إذا كان الله قادرا على التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم، فأي حاجة إلى توسطه؟ وأيضا فإذا حسن الألم لأجل العوض، فهل يحسن منا أن نؤلم أحدنا بغير إذنه لعوض يصل إليه؟ فالجواب: أن الله سبحانه لا يمرض ولا يؤلم إلا من يعلم من حاله أنه لو أطلعه على الأعواض - كأن لو الثانية زائدة على الأعواض التي تصر إليه - لرضي بالألم ولا رغب فيه؛ لوفور الأعواض وعظمها. وليس كذلك في الشاهد استئجار الأجير من غير اختياره. قالوا: وليس كذلك إلى مؤحدنا لغيره؛ لأجل التعويض، فإن من قطع يد غيره أو رجله ليعوضه عنها لم يحسن ذلك منه؛ لأن العوض يصل إليه هو مقوع اليد والرجل، وليس من العقلاء من يختاروا ملك الدنيا مع ذلك. والله يوصل الأعواض في الآخرة إلى الأحياء، وهم أكمل شيء خلقا وأتمه أعضاء؛ فلذلك افترق الشاهد والغائب في هذا. قالوا: فإن فردتموه في ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قبح؛ لأنه عبث. فإن فرض فيه مصلحة ورضي المضروه بذلك وعظمة الأعواض عنه، فهو حسن في العقل لا محالة. قالوا: وسر الأمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلما؛ لأنه نفع عظيم موف على مضرة الألم، وباعتبار كونه لطفا في الدين يخرج عن كونه عبثا. قالوا: وقد رأينا في الشاهد حسن الألم للنفع؛ فإنه يحسن في الشاهد إيلام أنفسنا وإتعابها في ضرب العلوم والأرباح التي لا يعبر إليها إلا على جسر من التعب والمشقة. قالوا: وهذا الوجه هو الذي حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم؛ فإنه إيلام للنفع. فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام، وكذلك نفوسهم؛ إنما تكمل بذلك. وإيلام الحيوان لنفع الآدمي به غير قبيح. قالوا: أما الألم المستحق للعقوبة، فإنه حسن في الشاهد، ولكنه غير متحقق في الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم؛ لعدم تكليفها، ولكن لابد في إيلامها من مصلحة ترجع إليها، وهي ما يحصل لهم من العوض في الآخرة. قالوا: يجب إعادتها؛ ليستوفى ذلك الحق الذي لها، وهو العوض على الآلام التي حصلت لها. قالوا: وبقاؤها بعد الإعادة موقوف على مقدار معلوم؛ لانقطاعه. ونعيم الأطفال والمجانين دائم، واختلف في البهائم؛ فقال بعضهم: يدوم عوضهم. وقال آخرون: بانقطاعه، وإنهم يصيرون ترابا. قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلا، وتحسن إعادتها. وما يحسنه قد يفعله الله، وقد لا يفعله. هذه مجموعة من المسائل ذكرها رحمه الله تعالى في سياق ذكره ما عليه أهل البدع في باب القدر، وفي ذلك أقوالهم في مسألة الشر وخلقه. وقد مر معنا في دروسنا الماضية شيء من ذلك، ولكنه رحمه الله يعيد ويكرر ليزيد في إيضاح هذا الأمر. وبعد أن ذكر طرفين نقيض في هذا الباب من القدرية الجبرية الذين أوقعوا التشبيه في صفات الله عز وجل، والقدرية النفاة الذين أوقعوا التشبيه في أفعال الله؛ فشبهوا أفعال الله بأفعال المخلوقين، كما شبه الجبرية صفات الله عز وجل بصفات المخلوقين. وكلا الطائفتين على ضلال وخطأ. فذكرها هنا رحمه الله كلام القدرية النفاة وتقسيمهم للشر إلى قسمين، فقسم هو يتعلق بأفعال العباد وما تولد من أفعال العباد؛ يعني كون أن العبد يفعل شيئا ظاهره الشر، كالقتل والسرقة والقطع وغير ذلك. يقولون: أن هذا وما تولد منه من حصول المقتول والمسروق وغير ذلك من آثار هذا الشر، يقولون: هذا لا يضاف إلى الله عز وجل أنه من قدره، ومن ذلك خلقه. وهذا كما مر معنا خطأ، وسببه أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الشرعية التي تستلزم حب كل خير وبغض كل شر، وخلطوا بين الإرادة الشرعية وبين الإرادة الكونية. وهذه المخلوقات من إرادته الكونية بعد وقوعها، وقبل وقوعها لا يحبها ولا يرضاها، وكونها وقعت أذن الله سبحانه وتعالى بوقوعها، وشاء ذلك قدرا لحكمة. وقد مر معنا الجواب على ذلك في أمثلة ونظائر كثيرة. فإذا آمن الإنسان بما جاءت به الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة من التفريق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية زال الإشكال. ولكن هؤلاء لما لم يفرقوا هذا التفريق وضع عندهم الإشكال، فأثبتوا شيئا ونفوا شيئا آخر؛ أثبتوا الإرادة الشرعية ونفوا الإرادة الكونية. فبهذا شبهوا أفعال الله بأفعال خلقه؛ فنزهوا الله تعالى عن قولهم، زعماً منهم عن الظلم، وأوقعوه في التعطيل؛ تشبهوه بالمخلوقين. وهذا أعظم ظلما في حق الله سبحانه وتعالى. إذ لو كان في ملكه - وهو مالك كل شيء، وبيده ملكوت السماوات والأرض - إن كان في ملكه من يفعل الشر بغير إذنه ولا رضاه، وهو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ثم يزعم هؤلاء أن الإنسان يريد أن يكفر ويعصي ويفسق، فيفعل ما لا يريد الله من الأقوى؟ صار الأقوى هذا المخلوق؛ فكأن المخلوق غلب الله سبحانه وتعالى في إرادته. وهذا الكفر أعظم مما فروا منه. أرادوا أن ينزهوا الله عن الظلم، فأوقعوا الله في العجز؛ فجعلوا بعض المخلوقين أقوى من الله. وهذا من أعظم الكفر. ولهذا قال العلماء: إنهم وقعوا في هذا الضلال من جهتين: من جهة نفي الإرادة الكونية، وتشبيه الخالق بالمخلوق. وليس كل ما ينزه عنه المخلوق ينزه عنه الخالق؛ لأن المخلوق في وصفه وضعفه ينزه عما يليق به. وأما الله العظيم، ففعله ليس كفعل المخلوقين سبحانه وتعالى؛ لأنه له إرادتان: إرادة شرعية تقتضي كل ما يحبه الله ويرضاه من الخير والإيمان والطاعة والبر والتقوى وغير ذلك من المحاسن والفضائل. وإرادة كونية تقتضي كمال ربوبيته وعلوهيته وملكه وقدرته في خلقه؛ وذلك أن لا يكون في خلقه شيء إلا بإذنه. حتى هذا الشر الذي يقع يقع بإذن الله. لو شاء الله كما قال سبحانه: ﴿فَجَعَلْنَا النَّاسَ كُلَّهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، كلهم أهل إيمان، وليس فيهم أهل كفر ولا فسوق ولا عصيان. ولكن الله سبحانه وتعالى لحكمة شاء أن يكون في كونه وفي ملكه إيمان وكفر وطاعة ومعصية وبر وفجور؛ لحكمة منه سبحانه وتعالى، بل لحكم كثيرة. وكونه شاء وأراد أن يكون ذلك لا يعني أنه يحبه، وهو لا يحبه سبحانه وتعالى، ولكن لحكمة يبتل الناس بعضهم ببعض. وكذلك يظهر به محاسن ما أنزل من شرعه ودينه، وبعث به رسله. وكل ذلك لا يظهر إلا بوجود أضدادها. كما تقدم معنا وسبق. وبهذا يزول الإشكال. وفي مقابل هؤلاء القدرية الجبرية - كما تقدم معنا - الذين أثبتوا الإرادة الكونية ونفوا الإرادة الشرعية؛ فشبهوا الرب سبحانه وتعالى في صفاته بصفات المخلوقين. وهؤلاء كذلك ظلوا وأضلوا؛ إذ جعلوا أفعال الله عديمة المعاني والحكم والعلل. ولذلك قالوا بالجبر: وأن كل ما يقع في الكون فهو بإرادة الله ومشيئته، وليس للإنسان إرادة ولا مشيئة. وهذا كذلك تكذيب في دين الله وشرعه، واتهام في أفعال الله سبحانه وتعالى. وهذا كله ظلم وباطل. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، وغير ذلك من الآيات والأدلة الكثيرة التي تدل على تكذيب قول الجبرية. والحق قول أهل السنة والجماعة - كما تقدم معنا - وهو الوسط: بأن يثبت معنى الإرادة الشرعية بضوابطها، والإرادة الكونية بضوابطها. وبهذا يكون الكمال والعدل الذي تقوم به السماوات والأرض والدنيا والآخرة، والذي يحبه الله سبحانه وتعالى. بقي القسم الثاني من الشرور، وهي الشرور التي لا تتعلق بأفعال العباد، كالسموم والأمراض والآلام وغيرها. وهذا اضطرب فيه الجبرية والقدرية؛ اضطربوا فيه لأنه ما جرى على قاعدتهم. القدرية النفاة نظروا إلى هذا فجعلوا أن وجوده لحكمة. ولازم قول هؤلاء أن يقولوا بمثله في الشرور التي هي في أفعال العباد وما تولد منها. فإن قالوا: وجود الآلام لحكم، فلماذا لا يكون مثله كذلك وجود الشرور في أفعال العباد وما تولد منها كذلك لحكم؟ فكما أن هذا لحكمة، فإن ذلك كذلك لحكمة. والله سبحانه وتعالى لا يكون في ملكه إلا ما يريد. والسبب أنهم لم يستطيعوا أن ينفوا ذلك؛ لأن هذه مخلوقات لا تضاف إلى المخلوقين؛ يعني لم يخلق المخلوق الألم، ولم يخلق المخلوق السم والأمراض. ولو زعموا أن أحدا خلقها لكفروا، ولجعلوا خالقا مع الله سبحانه وتعالى. والحقيقة أنهم فعلوا هذا فيما يتعلق بأفعال العباد وما تولد منها. ولهذا شابه القدرية النفاة بالحقيقة المجوس؛ سموا المجوسية؛ لأنهم شابهوا المجوس في جعل خالق للخير وخالق للشر. ووجه ذلك: أن هؤلاء القدرية النفاة زعموا أن الله لا يخلق إلا الخير، ومن الذي يخلق الشر عندهم المخلوق؛ يخلق الشر. إذن جعلوا خالقين اثنين: خالق للخير وخالق للشر. وهذا هو قول المجوسية. فلما قالوا هذا القول الباطل فيما تعلق بالشرور المتعلقة بأفعال العباد وما تولد منها، لزمهم أن يقولوا بمثله بالنسبة للشرور التي لا تتعلق بأفعال العباد؛ يعني أن الله لا يخلق إلا طيبا من الذوات والأجناس والأفعال. فلما لم يقولوا بذلك لزمهم أن يلتزموا بذلك في القول الآخر. فإذا قالوا: لحكمة خلق الله السموم والأمراض، فيقال لهم كذلك: لحكمة جعل الله عز وجل أفعال العباد فيها الخير والشر. وما كان جوابا عما ذكروه في السموم والأمراض والآلام، فهو جواب كذلك في حق أفعال العباد. فإن قالوا: هذا لحكمة؛ لأن بها - كما مر معنا - ذكر عدة شبه. وأجاب عنها بكلام هؤلاء القدرية، فقالوا: مثلا إيلام الصبي صحيح أنه أذية للصبي، لكنه سبب لقوة هذا الصبي؛ فالصبي لا يقوى بجسده فيتحمل الأسقام والأمراض إلا بوجود هذه الآلام والأمراض التي تكون سببا لقوة جسده وتحمله لما هو أكبر منه مما سيأتي. فصارت هذه الآلام بالنسبة لما يأتي من خير بعدها خيرا كذلك. وكما مر معنا في النار: النار محرقة، ولولا أنها محرقة ما استفاد الناس منها بدفئها، ولا كذلك بحرارتها؛ فاستفاد الناس من حرارتها بما يكون من الدفء والطبخ والطاقة وغير ذلك. فإذا هذا في مقابل هذا. ومثله الأمثلة التي ذكرها رحمه الله. وسيأتي إن شاء الله الكلام على بعض الأمور التي فيها وقفات. لكن هذا معنى الكلام بالجملة. وإن شاء الله يأتي تفصيل ذلك بالدرس الآتي. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.