الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 111، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش آراء الناس في دخول الشر في القضاء الإلهي، حيث يرى أهل الإسلام أن الله فعال لما يريد، بينما يرى الفلاسفة أن العالم يصدر عن الله صدورًا ذاتيًا. يشرح موقف أهل السنة والجماعة من هذه المسألة.
يتناول آراء الفلاسفة المسلمين وغيرهم حول مصدر الكائنات ووجود الشر، واختلافهم في تفسير ذلك وتأويل أفعال الله تعالى. يشير إلى ردود شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم على تلك الآراء.
يتناول آراء المشبهة الذين نفوا القدر وادعوا أن الله تعالى لو أراد أفعال العباد لكان ظالمًا إن عذبهم عليها. يبين الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية وخطأ المشبهة في عدم التفريق بينهما.
يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع الدعاء لله تعالى بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر المقطع الختامي للكلام توجيهًا دينيًا للصلاة على النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال فصل، وللناس في دخول الشر في القضاء الإلهي طرق، فنذكرها ونذكر أصولهم التي تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك، فنقول: الناس قائلون، أحدهما قول أهل الإسلام وأتباع المرسلين كلهم: إن الله فعال لما يريد، يفعل باختياره وقدرته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعبر عنه متأخرو المتكلمين بكونه فاعلا بالاختيار. وهذا التعبير خطأ، وإن كانوا أرادوا هذا المعنى الذي عليه أهل الإسلام وأتباع المرسلين، إلا أن التعبير لم يرد به نص كتاب ولا سنة، ويحتمل كذلك معنى فاسدًا؛ فليس فاعلا بالاختيار يدل على أن هناك ما لا اختيار فيه، وسيأتي إن شاء الله بيانه. والكلام عليه والخلاص على وجه الإجمال: أن أهل السنة والجماعة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم والمرسلين جميعًا، الذين أخذوا بالدين الحق والصراط المستقيم والدين القويم، إنما داروا مع الدليل حيث دار، فأخذوا بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة في جميع أبواب الشريعة، ومن ذلك ما يتعلق في باب القضاء والقدر، وما يتعلق على وجه الخصوص في مسائل الشر وتعلقها بفعل العباد وخلق الله سبحانه وتعالى، وسيأتي إن شاء الله زيادة التوضيح. قال رحمه الله تعالى: والفريق الثاني قول من نفى ذلك، وقال: صدور العالم عنه تعالى صدورًا ذاتيًا كصدور النور عن الشمس، والحرارة عن النار، والتبريد عن الماء، ويسمي المتكلمون هذا الإيجاب الذاتي، ومصدره موجبًا بالذات، أو موجبًا بالذات. وهذا قول الفلاسفة المشائين، وسموا بالمشائين لأمرين اثنين: قيل لأنهم خاضوا في مسألة المشيئة، وهي مسألتنا هذه، وقالوا بالإيجاب الذاتي أو الموجب الذاتي. وقيل: المشائين أنهم كانوا يتعلمون وهم يمشون، وأولهم فلاسفة اليونان أرسطو ومدرسته. قال: وهو الذي يذكره ابن الخطيب وغيره عن الفلاسفة، ولا يحكي عنهم غيره، وإنما هو قول المشائين، وقربه متأخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى الإسلام. وسماه فاضلهم؛ لأنه انتسب إلى الإسلام، وشره أقل بالنسبة لمن قبله، فمن قبله شرهم أكثر، وابن سينا بالنسبة لمن قبله شره أقل. قال: وفاضلهم ابن سينا إلى الإسلام بعض التقريب، مع مباينته لما جاءت به الرسل ولما دل عليه صريح العقل والفطرة؛ وذلك لأن الذي جاءت به الرسل ينافي ما زعمه هؤلاء الفلاسفة، وما كذلك أخذ به من يسمى بفلاسفة الإسلام الذي منهم ابن سينا، وقولهم قول كفري في باب القدر والمشيئة، وهكذا كذلك في أبواب أخرى كثيرة. وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدة مواضع من كتبه، وهكذا تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله. قال رحمه الله: الفريقان متفقون على أن مصدر الكائنات بأسرها خير محض من جميع الوجوه، وكمال صرف، ووجود الشر في العالم مشهود، والخير لا يصدر عنه إلا خير، فلا جرى ما اختلفت طرقهم في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي، وتنوعت إلى أربعة طرق. والمعنى بالجملة: وهم متفقون أن أفعال الرب سبحانه وتعالى لمن يؤمن بوجوده كلها خير، وأنه لا يأتي من هو خير إلا بالخير، ثم بعد ذلك اختلفوا في تفسير هذا الشر وإضافته إلى الله وإضافته إلى المخلوق. قال: وتنوعت إلى أربعة طرق، الطريقة الأولى طريقة نفي التعليل والحكمة والأسباب؛ فإنهم سدوا على أنفسهم هذا الباب، وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة يفعل لأجلها، ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة ولا حكمة ولا غاية لها يفعل، بل كل مقدور يحسن منه فعله، ولا حقيقة عندهم للقبيح إلا المستحيل لذاته الذي لا يوصف بالقدرة عليه. وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة، وإن أقروا بلفظ الرحمة والحكمة؛ يعني أثبتوا لفظ الرحمة والحكمة، ولكنهم أثبتوها ألفاظًا جوفاء لا معاني لها. وهؤلاء هم الجبرية كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجدمين وهم يتقلبون في بلائهم، فيقول لهم: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؛ يعني أنه ليس في الحقيقة رحمة، وإنما هو محض مشيئة وصرف إرادة مجرد عن الحكمة والرحمة. وبمثل هذا عطلوا الأسماء والصفات. قال: وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثاني، وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية، وقالوا: لا يفعل شيئًا إلا لحكمة وغاية مطلوبة، ولكن حجر عليه سبحانه وتعالى في ذلك، وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم، وظنوا أن ما يحسن من خلقه تعالى يحسن منه، وما يقبح منهم يقبح منه، فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو للخلق. ولهذا كانوا مشبهة الأفعال، كما أن من شبهه بخلقه بصفاته فهو مشبهة الصفات، فاقتسموا التشبيه نصفين: هؤلاء في أفعاله، وإخوانهم في صفاته؛ فالجبرية في أفعاله والقدرية في صفاته، والقدرية في أفعاله. ولذلك نفوا القدر كالمعتزلة ومن شاكلهم ممن هم نافون للقدر. قال: وقالوا: إنه تعالى لو خص بعض عبيدي عن بعض بعطائه توفيقًا وقدرة وإرادة، ولم يعطها الآخر لكان ظالمًا للذي منعه. وقالوا: لو شاء من عبادي أفعال المعاصي لكان سفها ينزه عنه كما في الشاهد، ولو شاء منهم الكفر والفسوق والعصيان ثم عذبهم عليه لكان ظالمًا أو لكان ظلمًا كما في الشاهد أيضًا. ويريدون في الشاهد أي في المخلوق، فقاس الخالق تعالى الله عما زعموه علوًا كبيرًا بالمخلوق. وهذا من الظلم، والسبب في ذلك أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، فزعموا أن ما أراده كونًا يلزم أنه يحبه، وهذا ليس بصحيح؛ فهناك فرق بين الإرادة الشرعية التي يحبها وقد تقع وقد لا تقع، وبين الإرادة الكونية التي لا بد أن تقع ولكن قد يحبها وقد لا يحبها. وهذا من أعظم الفروق بين الإرادتين، وهكذا دلت الشرع على هذا التفريق. لكن لأن هؤلاء لم يفرقوا بين هذا التفريق بين الإرادتين حصل لهم الخلط واللبس، وبهذا ألزموا بقولهم الباطل. قال: فإن السيد إذا أراد من عبده شيئًا ففعل العبد ما أراد سيده فإنه إذا عذبه عده الناس ظالمًا له. وهكذا بزعمهم أرادوا أن ينزه الرب عن الظلم فوقعوا في الكفر والتعطيل. قال: ﴿وَجَعَلُوا الْعَدْلَ فِي حَقِّهِ مِنْ جِنْسِ الْعَدْلَ فِي حَقِّ عِبَادِهِ﴾ وهذا هو وجه تسميتهم أنهم مشبهة الأفعال، كما أن الجبرية مشبهة ماذا؟ الصفات. قال: ﴿وَالظُلْمَ الَّذِي تَنَزَّهَا عَنْهُ كَالظُلْمِ الَّذِي يَتَنَزَّهُونَ عَنْهُ وَجَعَلُوا مَا يَحْسُنْ مِنْهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْسُنْ مِنْهُمْ وَمَا يَقْبُحُ مِنْهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْبُحُ مِنْهُمْ﴾ وَقَالُوا: لَوْ أَرَادَ الشَّرَّ لَكَانَ شِرِّيرًا كما في الشاهد، فإن مريد الشر شرير، وهذا جهل منهم وظلم؛ لأن الله عز وجل لم يرده شرعًا، بل كرهه، ولا يمكن أن يريد الشر وهو المنزه عنه، وكونه أراده كونًا هذا من كمال ربوبيته وألوهيته؛ لأنه لو كان ربًا كاملا لم يكن في ملكه إلا ما أراد وما أذن. قال: وقالوا: لو ختم على قلوب عدائه وأسماعهم وحال بينهم وبين قلوبهم وأضلهم عن الإيمان وجعل على أبصارهم غشاوة وجعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا ثم عذبهم لكان ذلك ظلمًا لهم؛ لأن أحدنا لو فعل ذلك بعبده ثم عذبه لكان ظالمًا له. وهذا التشبيه هو عين الخطأ والضلال، وهو سبب كذلك هذا الانحراف والكفر. قال: فهؤلاء هم المشبهة حقًا في الأفعال؛ فعدلهم تشبيه وتوحيدهم تعطيل، فجمعوا بين التشبيه والتعطيل. قال: وهؤلاء يقسموا الشر الواقع في العالم إلى قسمين. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.