طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 137

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 137

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 137، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة الله في وقوع الذنوب والمعاصي

يشرح الشيخ حكمة الله في وقوع الذنوب والمعاصي، موضحا أن الله يظهر سعة حلمه وكرمه وستره. يبين أن المصالح المترتبة على ذلك أعظم من الذنب الذي وقع، خصوصا إذا تبع الذنب بالتوبة.

فضل التوبة ومعاني العبودية لله

يشرح المقطع معاني العبودية لله وفضل التوبة، وكيف أن التوبة تزيد من عبودية الإنسان لربه. يبين أهمية الرحمة والرفق بعباد الله، وأن الجزاء من جنس العمل.

صفات التائب الصادق وخطورة العجب

يصف التائب الصادق بالتواضع والرأفة والرحمة، ويحذر من العجب الذي قد يفسد الطاعة. يبين أن الذنب يبعث على الشعور بالتقصير والافتقار، مما يكسر العجب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين: الثامنة، قال: السابع، تعريف عبده سعة حلمه تعالى وكرمه في ستره عليه، فإنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده، فلم يصف له، فلم يصف له معهم عيش. والمعنى: من حكمة الله عز وجل في وقوع الذنوب والمعاصي من العباد أنه سبحانه وتعالى يظهر سعة حلمه جل وعلا وكرمه وستره، وأنه جل وعلا أمهل ليتوب المذنب، وستر سبحانه وتعالى ليعينه على الرجوع إليه، فإذا تأمل العبد مثل هذا زادت عظمة الرب جل وعلا في قلبه، وزاد انكساره واشتدت حاجته من حق نفسه، بما يوجب كمال عبوديته وقربه من ربه وخالقه. ولا شك أن المصالح المترتبة بمثل هذا وغيرها أعظم من ذاك الذنب الذي وقع، خصوصا إذا كان قد عاجل بعده بالتوبة، بخلاف ذا استدرجه الشيطان فأصر على ذنوبه ومعاصيه، فإنه على شفا هلكة. والله المستعان. قال رحمه الله: الثامن، تعريفه أنه لا طريق إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته. ووجه ذلك أنه بسبب الذنب تتراكم عليه الهموم والغموم، الخوف من عقوبة الله، وخشية الفضيحة في الدنيا قبل الآخرة، وآثار الذنوب في نفسه وأهله وولده، وغير ذلك مما لا يقف من شؤم المعصية، فعند ذلك لا يجد طريقا للنجاة إلا التوبة والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، وطلب عفوه ومغفرته، فيكون كما قال الإمام القيم رحمه الله في مواضع من كتبه الأخرى: رب ذنب كان سببا في صلاح عبد وكمال عبوديته. قال: التاسع، تعريف كرمه في قبول توبته ومغفرته له على ظلمه وإساءته. وهذا معناه موجود في المعنى السابع، لكن في هذا الموضع مقارنة مع ظلمه وإساءته، فينظر إلى إساءة نفسه وظلمه، وإلى سعة كرم الله ومغفرته وتوبته وستره، فعند ذلك يعينه ذلك -كما تقدم- على إصلاح حاله مع ربه وخالقه. قال: العاشر، إقامة الحجة على عبده، وأنه له عليه الحجة البالغة، فإن عذبه فبعدله وببعض حقه عليه، بل اليسير منه، حتى إذا وقعت العقوبة فإنه يعترف أنه يستحق أكثر منها. وإذا تدارك نفسه الأمارة بالسوء وعاجل بالتوبة والإنابة، تزداد عند ذلك معاني عبوديته لربه وخالقه. ولا يمكن الوصول إلى هذا إلا -لا شك- لتلك الفلتات والسقطات التي تقع، فرب فلت وسقطة تكون سببا في رفعه، ولكن لا يعني ذلك التساهل في هذه السقطات والفلتات والذنوب والمعاصي، بل يجاهد الإنسان نفسه، فإذا ابتلي فسقطت نفسه وضعفت، فعند ذلك يبادر بالتوبة، ويتأمل هذه المعاني التي ذكرت. قال رحمه الله: الحادي عشر، أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحب أن يعامله الله به، فإن الجزاء من جنس العمل، فيعتمد في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه الله بذنوبه. والجزاء من جنس العمل، فمن رفق بعباد الله رفق الله به، ومن ستر مسلما في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن عانى مسلما أعانه الله، وهكذا. الجزاء من جنس العمل، فإذا رأى عظيم كرم الله ورحمته وعفوه، بما كان من تجاوزه وستره له، وقبول توبته، ويعانته للرجوع إلى ما كان عليه من الإيمان والطاعة بأفضل مما كان، تذكر ما كان عليه من تقصير، فالتقصير الذي وقع فيه يجعله عونا لغيره أن يكمل نقصه، فيستره ويجبره، ويعينه على إصلاح ذنوب نفسه، كما يحب أن يكون كذلك مع نفسه. والجزاء من جنس العمل: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». ولا يمكن أن يصل لهذا إلا لمن شعر بألم المعصية وجرح بجرحها، فمن جرح بجرحها وتألم بألمها استشعر حاجة من ابتلي بذلك إلى الإعانة، فيكون رحيما ودودا معينا لغيره أن يرده إلى حياض الطاعة والإيمان والعبودية. وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، ولا يكون ذلك إلا مع التائبين الذين وفقهم الله للتوبة، فمن لم ير من نفسه ذنبا ابتلي بالعجب والغرور، ما يجعله متعاليا على الخلق، ومن أصر على الذنوب والمعاصي يبتلي بالغفلة، ما يمنعه كذلك من الوصول إلى مثل هذا، فلا يوفق إلا من ابتلي بذنب ثم تاب منه، ووفقه الله لعودة رشيدة، فيعينه ذلك على إصلاح نفسه، وإعانة الآخرين على إصلاح أنفسهم. قال رحمه الله تعالى: الثاني عشر، أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم مع إقامة أمر الله فيهم، فيقيم أمر الله فيهم رحمة لهم لا قسوة ولا جفاء عليهم. وهذا من فضل الله أن يجعل قلب التائب قلبا حيا، ينظر دائما لنفسه محل التقصير، وينظر إلى المقصرين بنظرين: نظر ما وقع فيه من معصية الرب ومخالفة الشرع، فيبغض أفعالهم، ونظر ما ابتليوا به مما جر به القدر، فينظر إليهم بنظر الرحمة والشفقة، فيكون ذلك سببا لإعانتهم على الخير، فإذا رأى من أحد رجى فيه التوبة ذنبا ستره ولم يفضحه، وأعانه ولم يخذله، ورحمه ولم يقص عليه. لماذا؟ لأنه جرب ألم الذنب وذاق لذة التوبة، فهو يرجو أن يوفق الله هذا المذنب كما وفقه، وأن يعينه كما أعانه، وأن يصلحه كما أصلحه، فيكون عونا لنفسه وإخوانه ولمجتمعه. ولا شك أن هذه منزلة جليلة ودرجة رفيعة، لا يصل إليها إلا الخلص من عباد الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: الثالث عشر، أن يخلع صولة الطاعة والإحسان من قلبه، فتتبدل برقة ورأفة ورحمة. ومعنى صولة الطاعة: العجب والغرور الذي قد يدخله الشيطان مع الطائعين، الطائع إذا تدرج في درجات الطاعات قد يدخل الشيطان في قلبه العجب والغرور والتباهي، فلا ينظر إلى الآخرين إلا بنظر النقص، وينظر إلى نفسه بالكمال، ولكن إذا أذنب وقصر احتقر نفسه، وعلم كذلك افتقاره إلى ربه وخالقه، وفضل الكثير من الناس عن نفسه، فذاك الزهو والكبر والخيلاء والصولة والجولة تنكسر في القلب وفي الجوارح. ولهذا من علامات التائب الصادق في توبته أن يصاب بانكسار، كما قال الإمام بن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم العارفين: «يورث انكسارا من غير علة ولا مرض، ليس بمريض ولا عليل، ولكنه انكسرت نفسه وخضعت وذلت جوارحه لما يرى من حقارة نفسه الأمارة بالسوء، كيف غلبته». في معاني عبوديته لربه وخالقه. ولا شك أن من يبتلى بمثل هذا تغلب عليه الرقة والرأفة والرحمة، فيكون لإخوانه رحيما رؤوفا رقيقا، لما يرى من ضعف نفسه وافتقاره إلى عون ربه وخالقه، وعون إخوانه بعد عون الله له، فهو يعرف أنه لولا فضل الله ثم وجود إخوانه الصالحين الذين عانوه على التوبة لما رجع إلى ما كان عليه قبل ذنبه ومعصيته، فهذا يدفعه أن يكون رؤوفا رحيما رقيقا مع إخوانه. قال: الرابع عشر، أن يعريه من رداء العجب بعمله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد منه: العجب». أو كما قال، وهو حديث لم يصح مرفوعا، ولكنه صح موقوفا عن أنس وغيره. والمعنى: أنه كما تقدم، رداء العجب يدخل على من وفق للطاعة، فيكون ذلك فتنة له، لكنه إذا أذنب شعر بالتقصير والافتقار، وهذا يكسر تلك الرفعة ورداء العجب الذي أشير إليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.