الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 109، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك مقصد الإمام ابن القيم من كتابه «طريق الهجرتين» في بيان أن القرآن يختص بالإخبار عن صفات الله وأسمائه وأفعاله. كما يوضح أهمية ختم الآيات بأسماء الله وصفاته في فهم معاني الحمد والثناء.
يؤكد على أهمية تنزيه الله عما ينافي كماله، ويبين أن هذا التنزيه يكمل إثبات صفات الكمال لله. كما يشرح العلاقة بين التسبيح والتحميد في توحيد الله.
يشرح حكمة الله في وقوع الشرور في الدنيا، وكيف يتحول الشر إلى خير للمؤمنين من خلال زيادة تعظيمهم وتنزيههم لله. يبين أن الله يحب الخير ويكره الشر، ولكن يقع الشر لحكمة إلهية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وهذا القرآن المجيد، عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب جل جلاله، وأسمائه، وأفعاله، وأنواع حمده والثناء عليه، والإنباء عن عظمته وعلائه، وحكمته، وإبداع صنعه، والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله، وتصديقهم بما أقامه من الشواهد والدلالات على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله، وتبيين مراده من ذلك كله. وكان من تمام ذلك الإخبار عن الكافرين والمكذبين، وذكر ما أجابوا به رسلهم، وقابلوا به رسالات ربهم، ووصف كفرهم وعنادهم، وكيف كذبوا على الله، وكذبوا رسله، وردوا أمره ونصائحه. وكان في اجتلاب ذلك من العلوم والمعارف والبيان وضوح شواهد الحق، وقيام أدلته وتنوعها. ووجه ذلك أن القرآن - كما ذكر رحمه الله - مليء بما فيه من ختم تلك الآيات بأسماء الله وصفاته وأنواع حمده والثناء عليه بما يبين هذه المعاني، فما من قصة من قصص الأنبياء، ولا كذلك شيء مما أنزل الله، فأمر به أو نهى عنه، إلا ويختم بشيء من أسماء الله وصفاته ما يدل على هذا المعنى الذي أشار إليه رحمه الله، فضلًا عما يذكر ضمنًا أو بأوائل ذلك، وما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بل والرسل من قبله عليهم الصلاة والسلام. فكل ذلك يجتلب من العلوم والمعارف والبيان ما يوضح شواهد الحق، فتقوم الأدلة وتتنوع بما لا يكون به حجة لأحد على الله، ولا على دينه، ولا على شرعه، ولا على رسله». قال رحمه الله: «وكان موقع هذا من خلقه موقع تسبيحه تعالى وتنزيه من الثناء عليه، فإن أسماءه تعالى الحسنى وصفاته العلاء هي موضع الحمد، ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيه عما وصفه بأعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به. فأنت تحمد الله سبحانه وتعالى على كماله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وحين تعلم ما أنقصه المشركون والكافرون والمجرمون، يستلزم ذلك أن تنزهه سبحانه وتعالى عن ذلك كله. ولذلك كانت كلمة التوحيد تنزيه وحمد، نفي وإثبات. وهكذا هو دين الله سبحانه وتعالى، فتقول: لا إله إلا الله، تنفي الألوهية عما سوى الله، فتنزه أن يكون مع الله إلهًا وربًا، وكذلك موجدًا، وتثبت ذلك وتفرغه لله عز وجل وحده. وهكذا إذا أثبت محامد الله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإنه من كمال إثباته على الكمال تنزيهه سبحانه وتعالى مما ينافي هذا الكمال مما ذكره أعداء الرسل، أو خطر ببالهم، أو لم يذكروه. فلا يتم الكمال حتى يقترن بالتنزيه والنفي». قال رحمه الله تعالى: «وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف، وتقرير صفات الكمال، وتكميل أنواع الحمد، ما في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه. فإذا كان هذا في حق الله، فكذلك في حق خلق الله، ما يعرف العبد نعمة الإسلام إلا بوجود الكفر، ولا يعرف نعمة الأمن إلا من وجد الخوف والتشرد، ولا يعرف نعمة الصحة إلا من عرف المرض. فبالمرض ازداد شكر الله عز وجل على نعمة الصحة، وبالجنون ازداد شكر الله عز وجل على نعمة العقل. وهكذا وجود ما ينافي تلك النعم يورث كمال الشكر والحمد بلسان الحال والمقال لله عز وجل فيما أنعم به على عباده وخلقه». قال رحمه الله: «وهذا هو الحكمة في إيراد هذا المبحث في باب القضاء والقدر». قال: «ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده، وحمده من تمام تسبيحه، لا يتم هذا إلا بهذا، لا يتم حمد إلا بتسبيح، ولا يتم تسبيح إلا بحمد، فهما مترابطان متلازمان، كما لا يتم توحيد إلا بنفي الشرك بالله، بنفي الشرك، فهو تخلية وتحلية، نفي وإثبات». قال رحمه الله تعالى: «ولهذا كان التسبيح والتحميد قرينين. فكان ما نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفات كماله من علوه على خلقه، وإنزال كلامه، وإنزال كلامه الذي تكلم به على رسله، وغير ذلك من صفات كلامه، موجبًا لتنزيه رسله له، وتسبيحهم عن ذلك مما نزه عنه نفسه، وسبح به نفسه. إذن وقوع هذا الشرك كان فيه حكمة، وجود المعطلين والمبتدعين الذين عطلوا أسماء الله وصفاته، أوجب عند أهل التوحيد كمال التعظيم والتسبيح والتنزيه لله عز وجل. انظر: أنت تحب الله وتعظمه، وكذلك تخضع له وتذله، فإذا رأيت أحدًا يشبه الله، ماذا يحصل لك؟ يحصل لك من زيادة التعظيم والإجلال ما يقع الألم في القلب، وتدمع العين، أن يوجد من ينتقص الرب العظيم، فيزداد في قلبك حب هذا الرب العظيم، بما يكون من تنزيه سبحانه وتعالى عما وصفه به الواصفون. ويضرب في هذا مثال، ولله المثل الأعلى: أنت تحب ولدك، فإذا اعتدى أحد على ولدك بسب أو شتم أو ضرب، كيف يكون زيادة حياطتك وحبك ورعايتك وكلاءتك لولدك؟ يكون أكثر وأشد، تبدأ تحيطه وتحفظه، ويزداد حبك له بالرعاية والكلاءة وغير ذلك، أعظم مما كان قبل هذه الأذية التي حصلت. أليس كذلك؟ الجواب: بلى. فكيف حصل هذا؟ زيادة الحب والإقبال والرعاية بما كان من حصول هذه المنقصة، وهو بالنسبة لفاعلها شر، وبالنسبة لمن فعلت عليه صار خيرًا، ربما هذا الولد كان قليل الرعاية من والده، فلما وقعت له هذه المشكلة وهذا الشر، صار الأب يعتني به أكثر، ويحافظ عليه أكثر، ويرعاه أكثر. وهكذا قل في كل ما يقع من الشرور التي لا يحبها الله سبحانه وتعالى، فوقوعها لماذا؟ لحكمة. فلذلك إذا تأملت هذا الشر بالنسبة لما يقابله من الخير، أيهما أكبر؟ الخير، الخير أكبر من الشر. الله ما ضره شيء سبحانه وتعالى من سب السابين، وكذلك ما يكون من قول المعطلين، ولكن ازداد عند أهل التوحيد إعظامًا وإجلالًا. وكذلك كل معاني العبودية تتحقق، والتسبيح بما يكون من مثل هذا. وهكذا كذلك فيما يقع في أفعال العباد مما هو في باب القضاء والقدر، الله سبحانه وتعالى يحب الخير، ويكره الشر، والشر ليس إليه، ولكنه لحكمة أوقعه في هذه الدنيا. قال رحمه الله تعالى: «وإنزال كلامه الذي تكلم به على رسله، وغير ذلك من صفات كلامه، موجبًا لتنزيه رسله له، وتسبيحه عن ذلك مما نزه عنه نفسه، وسبح به نفسه. وكان بذلك ظهور حمده لخلقه، وتنوع أسبابه، وكثرة شواهده، فصار يثبت هذا الحمد والكمال بالنفي والإثبات، الإثبات الذي أخبر الله عز وجل به، وأخبرت به الرسل، وجاءت به الشرائع، وتضافرت عليه الأدلة العقلية مع الأدلة الشرعية، وانضاف معها وهذا من التنوع معاني التسبيح والتنزيه. وكيف وصلنا إلى معاني التسبيح والتنزيه بوجود هؤلاء المعطلة والمباغية المعتدية في حق أسماء الله وصفاته، ومعاني كماله في ذاته وأفعاله سبحانه وتعالى». قال رحمه الله تعالى: «وتنوع أسبابه، وكثرة شواهده، وسعة طرق الثناء عليه به، وتقرير عظمته ومعرفته في قلوب عباده. فلولا معرفة الأسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها، وخلق من يضيفه إليه ويصفه بها، لما قامت حقيقة التسبيح. إذن فعل هؤلاء الذين فعلوا أسباب هذا التسبيح، بالنسبة لهم شر، وبالنسبة للمؤمنين صار خيرًا، لأنه أوجب لهم من التعظيم والتنزيه والتسبيح والإجلال ما هو أعظم مما كان لو لم يكن هذا النقص وهذا الشر الذي وقع من هؤلاء المشركين والكافرين والملحدين». قال رحمه الله تعالى: «ولا ظهر لقلوب أهل الإيمان عن أي شيء نسبحونه، وعن ماذا يتنزهونه. فلما رأوا في خلقه من قد نسبه إلى ما لا يليق به، وجحد من كماله ما هو أولى به، سبحه حينئذ تسبيحًا مجلًا له، معظمًا له، منزهًا له عن أمر قد نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفاته. وهذا ظاهر وواضح، وهذا من جميل ما ذكره العلماء رحمهم الله في هذا الباب، مما يعرف به حكمة الله سبحانه وتعالى في وقوع مثل هذا الشر النسبي في كونه. وأما في شرعه فهو لا يحبه، ولا يرضاه. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.