طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 160

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 160

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 160، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير ظلم النفس وأنواع الظلم

يناقش تفسير ظلم النفس في القرآن الكريم وأنواع الظلم الثلاثة. يبين أن الظلم يشمل ظلم النفس بالمعاصي، وظلم الخلق، وظلم الرب بالشرك.

الاستفاء والظلم في سياق الإيمان وتفاصيله

يتناول مفهوم الاستفاء والظلم في الإيمان، ويوضح أن الظالم لنفسه ليس بالضرورة خارجًا عن الاستفاء. يُفصّل الكلام حول أنواع الظلم وظلم العصاة والمؤمنين.

تفاوت أهل الجنة والنار ودرجاتهم

يشرح تفاوت أهل الجنة والنار في درجاتهم، ويوضح أن أهل التقوى والاستفاء يتفاوتون في دخول الجنة. يفسر الآيات القرآنية التي تدل على تفاوت درجاتهم.

ختام الكلام وإزالة الإشكال المطروح

يزيل الإشكال المطروح بعد التوضيح، ويختتم الكلام بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي الموضوع بشكل نهائي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال عماد بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق هجرتين. قال: واحتجت أيضا بأن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي، فإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم في حق النفس باتباعها شهواتها وإثارها لها على طاعة ربها، وظلم في حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم، وظلم في حق الرب بالشرك به. فظلم النفس إنما هو بالمعاصي. وقد تواترت النصوص بأن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. وقال الطائفة: وهذا هو أرجح الأقوال أن الآية تناول الأصناف الثلاثة من أهل التوحيد، بدليل أول الآية بقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾. ولا يكون الاستفاء لأهل الكفر والشرك والنفاق، وإنما الاستفاء لأهل الإيمان. فمن هداه الله عز وجل لأصل الإيمان ولو كان من العصاة فإنه مصطفى استفاه الله بدعوة التوحيد والسنة. ولا يسلم الإنسان من ذنب، ولذلك إذا ظلم نفسه بالذنوب فإنه يؤمر بالتوبة، والتوبة تجب ما قبلها. فإن لم يتُب، فإنه إلى رحمة الله، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يدخل الجنة. ودخوله إلى الجنة استفاء من الله سبحانه وتعالى، حتى ولو دخل النار لأنه على أصل الإيمان والتوحيد. قال رحمه الله: وقال الطائفة: بل الوعد بالجنات إنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم لنفسه. فإن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق. والظالم لنفسه هنا هو الكافر، والمقتصد المؤمن العاصي، والسابق المؤمن التقي. وهذا يروى عن عكرمة والحسن وقتادة، وهو اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف، ومنذر ابن سعيد لتفسيره، والرماني وغيرهم. وهذا القول مرجوح، وكونه يروى عن بعض التابعين وقد روي بصيغة التضعيف لا يعني ذلك صواب هذا القول. وأما من أشار من المفسرين فليس ممن يعتمد عليه. وصاحب الكشاف معتزلي، وهكذا كذلك الرماني معتزلي، ومنذر ابن سعيد كذلك، فهؤلاء ليسوا ممن يعتمد عليهم. وهذه توافق عقيدتهم عقيدة المعتزلة، فإن المعتزلة يرون أن الظالم من أهل النار. قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أصناف الخلق شقيهم وسعيدهم، وهي نظير آية: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون. والصحيح أن الآية في كل بني الإنسان، فإن أول سورة الرحمن وأول سورة الواقعة فيها هذا التقسيم لكل بني الإنسان. ولا يقاس ما في هذه الآية بالآية الأخرى، وقياس الشبه كما مر معنا من أضعف الأقيسة. فما في سورة فاطر السياق يدل أنهم أهل التوحيد، لأن الله عز وجل ذكر معنى الإصطفاء، والإصطفاء لا يكون إلا لأهل الإيمان والتوحيد. وأما آية سورة الواقعة فالآيات في سورة الواقعة في كل الناس، والأمر فرق. قال رحمه الله: قالوا: فأصحاب الميمنة المقتصدون، وأصحاب المشأمة الظالمون لأنفسهم، والسابقون هم السابقون بالخيرات. وإن كان الظلم يرد في معنى الكفر لكن في مواضع، فالسياق والسباق يبين معنى الظلم الذي هو معصية، ومعنى الظلم الذي هو كفر. فهناك فرق بين آية سورة فاطر وآيات سورة الواقعة. قالوا: ولم يصطف الله من خلقه ظالما لنفسه، بل المصطفى من عباده صفوته وخيارهم. والصحيح أن الاستفاء في أصل الإيمان استفاء، وأهل هذا الاستفاء درجات، كما أن أهل الكفر والظلم دركات. قالوا: الظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم، فكيف يوقع عليهم اسم المصطفين وتناولهم فعل الاستفاء. وقد مر معنى أن الله عز وجل سماهم كذلك، ومر معنى أن الله عز وجل سمى بعض أهل الإيمان ظالم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. فالظلم ظلمان: ظلم هو معصية، وظلم هو كفر. قالوا: وأيضا فصفوة الله هم أحباؤه، والله لا يحب الظالمين، فلا يكونون مصطفين. والصحيح التفصيل كما تقدم: الظلم ظلمان. قالوا: ولأن الظالم لنفسه وإن كان ممن أورث الكتاب فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم نفسه. والله سبحانه إنما مصطفى من عباده من أورثه كتابه ليعمل بما فيه، فأما من نبذه وراء ظهره فليس من المصطفين من عباده. وهذا يصح في حق الكافر، وأما في حق المؤمن العاصي فإنه أورث الكتاب، ولأجل ذلك فعنده أصل الإيمان بل والسنة والطاعة. وما خلأ ما كان من معصية، فوجود الظلم لا يفسد ما عنده من طاعة، وإن كان ينقص ما عنده من إيمان وطاعة، لكنه لا يهدمه. وإنما هذه عقيدة الخوارج المعتزلة الذين يقولون أن المعاصي تهدم الإيمان وتذهبه. والخوارج المعتزلة معروف قولهم في فاعل المعاصي، وهم متفقون أنهم في النار، ولكن مختلفون في كونه يستحق اسم الكافر. فمنهم من يقول كافر كالخوارج، ومنهم من يقول في منزل دون منزلتين، فهو ليس بمؤمن ولا بكافر، وهم المعتزلة. قال رحمه الله تعالى: قالوا: ولأن الاستفاء افتعال من صفوة الشيء، وهو خلاصته ولبه وأصله. استفاء يعني بالتاء، فأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد الصاد، كالاستباح والاستلام ونحوه. والأصل في هذا السماع، ولثقل النطق بالتاء لأنه حرف خفيف بعد حرف ثقيل، فالانتقال من الثقيل إلى الخفيف مباشرة فيه ثقل، فلذلك قلبت بحرف مخرجه قريب، وهو من جنس الحرف الذي قبله، يعني قريب منه، فقلبت التاء طاء. وهذا تعليل الصرفيين والنحويين، ولكن العبرة في ذلك هو السماع، فلولا أنه سمع لما قيل بهذا. قال رحمه الله تعالى: والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا لبهم، فلا يكون مصطفى. وهذا على كلامهم، والصحيح التفصيل في هذا كما تقدم، فهناك ظالم كافر، وهناك ظالم عاصي. قال: قالوا: ولأن الله سبحانه سلم على المصطفين من عباده، فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. والآية تذكر صنفا من أصناف أهل الاستفاء. فأهل الاستفاء ثلاث درجات وطبقات كما مر معنا. قال: وهذا يقتضي سلامته من كل شر ومن كل عذاب. والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا، فكيف يكون من المصطفين؟ ويجاب عن هذا بأن الله قسم أهل الاستفاء ثلاث درجات، فإذن أهل الاستفاء ليس شيء واحد. قالوا: وأيضا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب إنما يكون للمتقين لا للظالمين. فقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾. فأين الظالم لنفسه هنا؟ والجواب أن هذا لأهل الدرجة العالية من الاستفاء، وتقدم أن الاستفاء درجات. قال: وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. وهذا كذلك. وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وهذا كذلك. ولا ينافي ذلك أن هذا الظالم العاصي يدخل الجنة، لأنه عنده بعض التقوى، فهو ليس محروم التقوى تماما. ولأجل وجود بعض التقوى فهو مؤمن وليس بكافر، وهو كذلك موحد وليس بمشرك. وهذا لأن عنده بعض التقوى، وليس محروم التقوى، ولكن أهل التقوى درجات، كما أن أهل الاستفاء درجات. فمآل أهل التقوى جميعا إلى الجنة، كما أن مآل أهل الاستفاء جميعا إلى الجنة، لكن منهم من يدخل الجنة دخولا أوليا، ومنهم من لا يدخل الجنة دخولا أوليا، فيطهر من ذنوبه ثم يدخل الجنة. قال: وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. والقرآن مملوء من هذا. ولم يجئ فيه موضع واحد بإطلاق الوعد والثواب للظالم لنفسه أصلا. وهذا ليس بالصحيح، بل الصحيح أن أهل الجنة يتفاوتون كما مر معنا في معنى الاستفاء ومعنى التقوى. قال: قالوا: وأيضا فلم يجئ في القرآن ذكر الظالم لنفسه إلا في معرض الوعيد إلى الوعد. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وكل هذه الآيات تدل على أن الظلم ظلمان: ظلم هو من الكفر، وظلم هو من المعصية كما تقدم معنا. قال: قالوا: وأيضا فالظالم لنفسه هو الذي خفت موازينه ورجحت سيئاته. والقرآن كله يدل على خسارته وأنه غير ناج. كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. والصحيح في هذا كذلك التفصيل، فإن أهل الظلم أنواع، فمن دخل الجنة بعد أن عذب فموازينه حصل فيها خفة، وحصلت له بعض الخسارة لأنه دخل النار، ولكن ليست هي الخسارة الأبدية. ولهذا نجد أن الخسران المبين ذكر في حق الكافرين، ولكن الخسران دون قيد المبين ذكر في حق الكافرين والعصاة من المؤمنين. ففرق الله عز وجل بين أهل الخسارة، فهناك أهل الخسارة الكاملة التامة وهم الكفار، وهناك أهل الخسارة النسبية وهم الفجار. وفرق بين الكفار والفجار، وهكذا كذلك الظلم. وهذا هو الصحيح. قال: قالوا: وأيضا فقولوا تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾. مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. وهو بدل نكرة من معرفة. والصحيح أن هذا من ذكر الخاص بعد العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على زيادة الاختصاص. حافظ على الصلوات والصلاة الوسطى، الصلاة الوسطى من الصلوات، ولكن فيها زيادة تميز واختصاص. وكذلك ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾. وهؤلاء الذين يدخلون الجنة هم من أهل الفضل، وأهل الفضل درجات. فمنهم من أهل الفضل الكبير وهم السابقون والمقتصدون، ومنهم أهل الفضل الصغير وهم العصاة الموحدون. والناس يتفاوتون في فضل الله ما داموا من أهل التوحيد والإيمان. وهكذا كذلك: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. فإن أهل الشقاء دركات، فإن من أهل الشقاء من هو في أخص الدركات كالمنافقين. وليس أهل النفاق مثل سائر أهل الكفر، فالمنافق في الدرك الأسفل من النار. قال رحمه الله: وحسن وقوعه مجيء نكرة موصوفة لتخصصها بالوصف وقربها من المعرفة. ومعلوم أن المبدل منه وهو الفضل الكبير مختص بالسابقين بالخيرات. والمعنى أن سبقهم بالخيرات بإذنه هو الفضل الكبير، وهو جنات عدن يدخلونها. وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها. والصحيح أن هذا هو أعلى الخيرات. وأما من كان ظالما لنفسه وهو موحد ومؤمن، فعنده أصل الخيرات وليس أكبر الفضل والخيرات. وهناك فرق لأنهم يتفاوتون في التوحيد والطاعة، ولكن أصل التوحيد والطاعة موجود. وبهذا يزول الإشكال. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.