الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 09، الدرس التاسع: (اعلم بأن الله جل وعلا ... إلى قوله ... وبالإلهية يفردوه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الله لم يخلق الخلق عبثًا، بل خلقهم ليعبدوه ويوحّدوه كما دلّ عليه الشرع والعقل وفطرة الإنسان. خلق الله الخلق على الفطرة الإسلامية التي قد تتأثر بالمحيط الخارجي.
الله خلق الإنسان على فطرة تؤمن بالحق والهدى، واستدل بالآيات على أن الناس لم يتركوا بدون هداية. الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم ليس أساسًا للثواب والعقاب بل حجة تقام بإرسال الرسل.
العبادة تشمل غاية الحب مع الذل لله وتشمل الأقوال والأفعال التي يحبها الله. أول واجب على المكلف هو توحيد الله بالعبادة، والغاية من إرسال الرسل هي تحقيق توحيد الألوهية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. اعلم بأن الله جل وعلا لم يترك الخلق سُدىً وهملًا، بل خلق الخلق ليعبدوه وبالألوهية يفردوه. شرع المؤلف -رحمه الله تعالى- وابتدأ بالدخول في المقصود، وأول ما ابتدأ به -رحمه الله- بيان الحكمة من خلق الخلق، وهذا من حسن تنسيقه وترتيبه -رحمه الله- للنظم. فبين -رحمه الله- أن الله جل وعلا لم يترك الخلق سُدىً وهملًا، بل الأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. الله جل وعلا لم يترك الخلق سُدىً وهملًا، بل خلقهم بحكمة بليغة عظيمة، وهي عبادته جل وعلا. وكما أن هذا علم بالشرع، فهو كذلك قد فطرت عليه الفطر، فإن الله عز وجل فطر الفطر السليمة على ذلك. وهكذا فإن أهل العقول المستقيمة تشهد بذلك، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم مبينًا هذا المعنى، أي أن الله جل وعلا فطر الخلق على الحق والهدى، قال سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، أي فطرة الإسلام. وكما قال الله عز وجل: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي على الفطرة. وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء». وفيه: «فيتلاعب بهم الشياطين». قال: «معناه أنهم خلقوا على الفطرة». وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». وفي رواية لمسلم: «كل مولود يولد على الملة»، أي على ملة الإسلام والحق والهدى الذي أراده الله عز وجل. وهكذا كما أن هذا قد فطر الناس عليه بفطرتهم فاستقر، فإنه كذلك تشهد به العقول الصحيحة السليمة أن الحق والهدى الذي أمر الله جل وعلا به هو الذي يجب أن يسلك، وهو الطريقة السوية في الدنيا، وهو الذي يستلزم الجزاء الحسن في الدار الآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة بهذا المعنى. فعلم بهذا أنه قد استقر في فطر الناس الحق والهدى، وأنه كذلك قد علم الناس أن الحق والهدى هو الذي يجب المصير إليه، وأن الناس لم يتركوا سدىً وهملًا، بل إن الله جل وعلا خلقهم لعبادة الله جل وعلا. وقد ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- مسألة الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على آدم وذريته، في قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. ومراده -رحمه الله تعالى- من إيراد هذه الآية بيان أن الله جل وعلا أخرج خلقًا من ظهر آدم، كما جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لما خلق الله آدم مسح على ظهره، فأخرج كل نفس كائنة من ذرية آدم، فكانوا بين عينيه كالدر الحبيب». وفيه: «أن الله أخذ عليهم الميثاق». ومعنى الميثاق هو العهد الذي فطر الله عز وجل الناس عليه، هذا هو التفسير الصحيح لمعنى الميثاق. وليس بهذا الميثاق أقيمت الحجة على الخلق، ويكون عليه الثواب والعقاب، بل الثواب والعقاب على الحجة التي تكون بإرسال الرسل وإنزال الكتب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ثم قال -رحمه الله تعالى-: «بل خلق الخلق ليعبدوه وبالألوهية يفردوه»، وذلك كما سبق في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ومعنى العبادة التي هي الفعل هو غاية الحب مع الذل، غاية الحب مع الذل، كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابديه، هذان أمران لا ثالث لهما بالأمر، قال الله، قال رسوله، لا بالهوى والنفس والشيطان». فقطب العبادة غاية الحب مع غاية الذل، فكل فعل فُعل فيه غاية الحب والذل فهو عبادة، فلا يجوز أن يصرف لغير الله جل وعلا. وأما تعريف العبادة باعتبار المفعولات، أي الأعمال التي نريد أن نعرف أنها من العبادة وليس من العبادة، فقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنها «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة». فالفرق بين التعريف الأول والتعريف الثاني أن التعريف الأول -تعريف المنقذ- رحمه الله هو للعبادة التي هي فعل العبد، أي الشيء الذي به تقع تلك الأفعال. وأما الثاني فهو تعريف لنفس العبادات التي يؤتى بها، فالأول الفعل والثاني المفعول. وقوله -رحمه الله تعالى-: «وبالألوهية يفردوه»، أي أن الله جل وعلا خلق الخلق لهذا المقصد العظيم، وهو إفراد الله جل وعلا بالألوهية، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، والآيات كثيرة. وهكذا كذلك في حديث عبد الله بن عباس بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن: «ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله»، كما في رواية البخاري. وفي رواية البخاري ومسلم: «أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله». فعلم بذلك أن الله عز وجل أمرهم بأن يفردوا الله جل وعلا بالألوهية. ومعنى الألوهية أي العبادة، أي أن يفردوا الله جل وعلا بالعبادة. وبه نعلم أن أول واجب على المكلف هو عبادة الله جل وعلا وتوحيده، خلافًا لقول أهل الكلام ومن وافقهم من الضلال المحدثين الذين زعموا أن أول واجب على المكلف هو التفكر الذي يستوجب عندهم الحيرة. ثم إن التوحيد عندهم إنما ينحصر بتوحيد ربوبية، بإثبات أن الله جل وعلا خالق ورازق ومدبر، وهذا شيء قد أقرت به الأمم السابقة. وإنما الشيء الذي أرسل الله عز وجل من أجله الرسل هو توحيد الألوهية، ولأجله كان إنزال الكتب وإرسال الرسل، والأمر بين أهل الحق والباطل. هذا فصل ما يذكر في هذه الأبيات، ونبت فيه الحمد لله رب العالمين.