الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 25، الدرس الخامس والعشرون: (يحفظ بالقلب وباللسان ... إلى قوله ... دون كلام بارئ الخليقة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مسألة اللفظ بالقرآن والخلافات حولها بين العلماء، حيث يرى البعض أن لفظ القرآن مخلوق بينما يرى آخرون أن هذا القول يوافق قول الجهمية.
يتناول آراء إمام أحمد في مسألة لفظ القرآن وخلقه، ويجب التفرقة بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقرؤ، حيث أفعال العباد مخلوقة بينما القرآن ليس بمخلوق.
يشرح أن القرآن كلام الله، والأفعال المتعلقة به مخلوقة بينما الكلام نفسه ليس بمخلوق، وهناك فرق بين القول والصوت.
يُبين أن القول بأن لفظ القرآن مخلوق أو غير مخلوق كلاهما خطأ، والصواب التفريق بين المخلوق وغير المخلوق في سياق القرآن وتلاوته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الله تعالى ﴿يحفظ بالقلب وباللسان يتلوه كما يسمعه بالأذان﴾، ﴿سباب الأبصار﴾، سباب الأبصار إليه ينظر، وبالأيدي صفة يسطر، وكل ذي مخلوقة حقيقة دون كلام ذي الخليقة. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأبيات الثلاثة لينبه رحمه الله تعالى على مسألة تتعلق بالقرآن. فلما بيّن رحمه الله أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، ناسا بأن يبين رحمه الله مسألة أخرى، صار بعض أهل البدع والأهواء يلبسون بها، يلبسون بها، ويريدون أن يصلوا إلى الباطل من تعطيل الصفة عن الله، وتعطيل أن القرآن صفة لله عز وجل، بقولهم: «لفظي بالقرآن مخلوق»، لفظي بالقرآن مخلوق، وهي التي تسمى مسألة اللفظ، مسألة اللفظ، وهي مسألة محدثة، أول من تكلم بها الجهمية، ثم تناقلها بعض ضعاف القلوب، وكذلك الذين عندهم جهل بالعلم، فصارت محل خلاف يتنازع فيها بعض من لا علم عنده. فبين علماء أهل الإسلام أن هذه المسألة مسألة واضحة وجلية، والناس بها طرفان ووسط. فمن الناس من يقول: «لفظي بالقرآن مخلوق»، وهو يريد أو لا يريد يكون بقوله هذا موافقا لقول أهل البدع الذين يقولون بخلق القرآن، لأن اللفظ يشمل فعل الإنسان، ويشمل هذا القرآن الذي هو صفة لله عز وجل، فصار قولا موهما، يدخل في ضمنه الحق والباطل. فلأجل هذا قال علماء من قال: «لفظي بالقرآن مخلوق» فهو جهمي، كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، وربما قال هذا القول بعض الجهلة، أو كذلك بعض الملبسين، ويسمون أنهم ما أرادوا قول الجهمية، وفي الحقيقة لا يغني عنهم ذلك شيئا، فإنهم وافقوا أهل البدع. فلأجل هذا ثبت عن إمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «من قال لفظي بالقرآن فهو مخلوق فهو جهمي»، من قال لفظي بالقرآن فهو جهمي، ولا يصلى خلفه، وكان ينهى عن الصلاة خلف من يقول: «لفظي بالقرآن مخلوق»، لأنه وافق الجهمية. وآخرون كانوا يردونها بالبدعة ببدعة أخرى، فقالوا: بدلا من قول أولئك «لفظي بالقرآن مخلوق»، قالوا: «لفظي بالقرآن ليس بمخلوق»، يريدون أن يردوا بدعة الجهمية، وهم مخطئون بذلك كذلك، لأن اللفظ يشمل فعل الإنسان، ويشمل قول الله عز وجل القرآن، فهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: «ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع»، لماذا مبتدع؟ لأنه وافق بقوله هذا قول القدرية، القدرية النفاة، يخرجون أفعال العباد من خلق الله عز وجل، وأفعال العباد مخلوقة لله عز وجل، أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل. فكان الصواب في ذلك التفرقة والتفصيل، فيفرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقرؤ، والكتابة والمكتوب، فيفرق بين ذلك، وكذلك الحفظ والمحفوظ. فالتلاوة والقراءة والحفظ والكتابة كل ذلك من أفعال وأعمال العباد، وهي مخلوقة لله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾، فالتلاوة والكتابة والقراءة والحفظ من أفعال العباد، وهي مخلوقة لله عز وجل، كما سمعنا في الآية: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾. في «مستدرك الحاكم» بإسناد حسن، عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»، فالله خلق كل صانع وصنعته، صنعته يعني أفعاله ومفعولاته كلها مخلوقة لله عز وجل. وهكذا إذا قلنا هذا في أفعال العباد، فما كان مما يتعلق بالقرآن فإنه ليس بمخلوق، فالمحفوظ في الصدور هو القرآن ليس بمخلوق، والمكتوب في المصاحف هو القرآن ليس بمخلوق، وكذلك المتلو على الألسنة هو القرآن ليس بمخلوق، وكذلك المسموع بالأذان هو القرآن وليس بمخلوق، كل ذلك ليس بمخلوق، لكن التلاوة مخلوقة، والسماع مخلوق، والقراءة مخلوقة، كذلك الحفظ مخلوق، فنفرق بين الفعل وبين هذا الذي يباشره هذا الفعل. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: «بالقلب يحفظ، وباللسان يتلوه، كما يسمع بالأذان»، فهذه الآن من المؤلف رحمه الله توطئة لأجل يبين أنه لا فرق، كما أنه يحفظ بالقلب، وباللسان يتلوه، وهو يقرأ كما يسمع بالآذان، مسألة السماع واضحة، أن سماع الإنسان مخلوق، وأن الذي يسمعه كلام الله عز وجل ليس بمخلوق، كلام الله الذي هو القرآن ليس بمخلوق. وهذا لما قال رحمه الله: «كذا بالأبصار إليه ينظر، وبالأيدي حطه يسطر»، كل هذا يقع في القرآن، فقال: «وكل ذي مخلوقة حقيقة»، أي الأفعال: النظر والسماع والإبصار والكتابة والتلاوة والحفظ، هذه كلها مخلوقة، قال: «دون كلام ذي الخليقة»، دون كلام ذي الخليقة، فكلام ذي الخليقة أي هو القرآن ليس بمخلوق. فلهذا يقولون عبارة مشهورة متداولة بين أهل العلم: «نعمة الدين من سلب أدلة الأمة»، يقولون: «التلاوة قول قارئ، والقول قول الباري، والصوت صوت قارئ، والقول قول الباري»، من الذي قال القرآن أولا؟ هو الله عز وجل، فالقول قول الباري، والصوت صوت القارئ، الصوت صوت القارئ هذا الذي يقرأ، لكن القول هو قول من؟ قول الله عز وجل الذي تكلم به ابتداء. فالقرآن هو كلام الله، أن الله تكلم به ابتداء، كما نقول مثلا: «إنما الأعمال بالنيات»، «إنما الأعمال بالنيات» قول من؟ ليس قولي، ولا قول زيد، ولا قول عمر، لو تكلم به الناس جميعا ما زال هو قول من؟ قول النبي عليه الصلاة والسلام، قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالقول يرجع إلى من قال ابتداء، فهكذا كذلك القرآن، فالقرآن كلام الله، وكلام الله ليس بمخلوق كما سبق وتبين. فبهذا نعلم أن المؤلف رحمه الله أراد أن ينفي بهذه المسألة هذه البدعة، بما يتعلق بمسألة اللفظ، وأن الناس فيها طرفان ووسط، هناك طرف الأول: آخذ بشيء، طرف الأول الذين يقولون عبارة من ما يقولون: نعم، لكن في مسألة اللفظ ما يقولون: «لفظي بالقرآن مخلوق»، فهذا قول يوافق قول الجهمية. والثاني: «لفظي بالقرآن ليس بمخلوق»، أو غير مخلوق، هذا قول القدرية، فالأول خطأ، والثاني خطأ، وما هو الصواب؟ التفريق بين المخلوق وغير المخلوق، والقرآن والسماع والمسموع، والمتلو، نعم، وهكذا نعم، والكتابة والمكتوب، ونحو ذلك. والحمد لله رب العالمين.