القول السديد في مقاصد التوحيد  60

القول السديد في مقاصد التوحيد 60

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 60، الدرس الستون:من( فيه مسائل-الأولى:التنبيه على قوله:ألا إنما طائرهم عند الله ... الحادية عشرة:تفسير الطيرة المذمومة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح مسائل التطير والفأل

يتناول شرح مسائل التطير والفأل في كتاب التوحيد، ويوضح الفرق بينهما وبين تأثيرهما على الإيمان. يبين أن التطير ينافي التوحيد وقد يكون شركاً.

الفرق بين الطيرة والفأل الحسن

يفرق بين الطيرة والفأل الحسن، حيث أن الطيرة تشاؤم وتعليق الأمور بالخير أو الشر، بينما الفأل الحسن هو ظن حسن بالله دون تعليق الأمور بالغيب.

مراتب الناس في التعامل مع التطير وتحريمه

يناقش مراتب الناس تجاه التطير وتحريمها، حيث قسمهم إلى ثلاث مراتب ويذكر أحاديث نبوية تذم الطيرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": قال في مسائل: الأولى التنبيه على قوله "ألا إنما طائرهم عند الله" مع قوله "طائركم معكم". الثاني نفي العدوى. الثالث نفي الطيرة. الرابع نفي الهامة. الخامس نفي الصفر. السادس أن الفأل ليس من ذلك، بل مستحب. السابع تفسير الفأل. الثامن أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهيته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل. التاسع ذكر ما يقول من وجده. العاشر التصريح بأن الطيرة شرك. الحادي عشر تفسير الطيرة المذمومة. أورد رحمه الله هذه المسائل بعد ما ختم به هذا الباب بما جاء في حديث الفضل بن عباس. وقد ذكر المعلق وأشار إلى ضعف رواية هذا المروي، ومعناه صحيح. فقد رويت فيه آثار موقوفة كثيرة، وهو مما لا يقال بالرأي. فإن هذا من الموقوف الذي له حكم الرفع، وهو كذلك. وردت فيه أحاديث صحيحة كثيرة، ومرت معنا بعض الآثار المروية في هذا الباب. وأما المسائل التي أشار إليها - أي بعض المسائل التي تأخذ من أحاديث الباب - يشير بها إلى ما أراد من معاني التطير المذكورة في هذه المسائل. فقوله "الأولى التنبيه على قوله ألا إنما طائرهم عند الله" فيه ما سبق في الآيتين أن التطير من أخلاق المشركين، وهو مما ينافي الإيمان والتوحيد. فلا يجتمع إيمان كامل مع تطير. فلا يدخل التطير على أحد إلا ونقص إيمانه وتوحيده، سواء كان التطير باللسان أو كان بالفعل أو كان بالقلب. فإن ذلك - على أقل الأحوال - ينقص الإيمان والتوحيد، فضلا على أن بعضه قد يهدم هذا الإيمان والتوحيد. لأن التطير - كما مر معنا - ينقسم إلى قسمين: قسم منه شرك أصغر، وقسم منه شرك أكبر. وقوله "الثانية نفي العدوى" على ما تقدم تفصيله، جمعا بين الأدلة. فإن العدوى تأتي بمعنيين: معنى مذموم، ومعنى مشروع. فالمشروع ما جاء معناه في الأدلة الشرعية من مجانبة أسباب الضرر: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"، "لا يوردن ممرض على مصح". والأحاديث الواردة في عدم دخول أرض الطاعون، وعدم الخروج منها إذا وقع الطاعون، فكل هذا من باب الأخذ بالأسباب ودرء المفاسد، وعمومات الشريعة، والأدلة الخاصة في عين المسألة تدل على هذا المعنى الصحيح المشروع. وأما المعنى المذموم، فهو العدوى الذي كان يعتقده أهل الجاهلية قديما وحديثا، وهو أحد معنيين اثنين. أولهما: أن الشيء يعدي بأصله، أن ينفون أن يكون لذلك تعلق بمشيئة الله سبحانه وتعالى، بل الأمر كله لله سبحانه وتعالى. إذا شاء أوقع الشيء من دون سبب ظاهر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للأعراب في حديثه بن مسعود: "فمن أعدى الأول؟" إذا كان الأول أصابه العدوى من غير سبب ظاهر، فهو سبحانه وتعالى قادر على أن يمنع العدوى مع وجود السبب الظاهر. فالأمر أولاً وآخراً لله. والمعنى الثاني: أن لا تضعف القلوب إذا ابتلي الإنسان بما لا مفر منه، فيكون متخلفاً عن أداء الواجبات والثبات في مواقع الثبات. بل المؤمن الذي توكل على الله حق توكله، وعظم يقينه بربه سبحانه وتعالى، يعمل بالأسباب، ومع ذلك لا يجزع ولا يفر من مواقف الثبات. فلا يمنعه هذا الأمر من أن يفعل واجباً أو يجتنب محرماً. فإذا كان جهاد في سبيل الله، وكان يعارض ذلك شيء مما قد يكون فيه معنى من هذه المعاني، فهنا ينظر بين المصالح والمفاسد. فإذا اقتضت المصالح ودرء المفاسد الكبرى باقتحام تلك البلاد - ولو كان فيها مثلاً الطاعون - متوكلين على الله سبحانه وتعالى، لم يكن ذلك منافياً للأحاديث الواردة في هذا الباب. وهكذا كذلك القيام بالواجب من خدمة مريض، خصوصاً إذا كان ذا قرابة. فذو القرابات لهم حقوق. وبه نعرف الفرق بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والموحد ممن ضعف توحيده. وما أكثر من يرمى ممن ضعف توحيدهم وقل إيمانهم من قرابات أولئك في دور العجزة ومواضع الحجبة المرضية، فراراً من هذا الباب. وقوله "الثالث نفي الطيرة" على ما تقدم تفصيله. والرابع نفي الهامة كذلك على ما تقدم تفسيره. وقوله "الخامس نفي الصفر" كذلك على ما سبق ذكره. فهو فسر بتفسيرين: أحدهما داء الصفار، وثانيهما شهر صفر. وقوله "السادس أن الفأل ليس من ذلك بل مستحب". المعنى: الفأل الذي كان يحبه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ليس من تعليق وقوع الأشياء وإظهار الغيبيات بما يظن أنه خير. ولا كذلك اعتقاد أن بعض ما يظن أنه خير سبب لحصول الخير. فهذان المعنيان مما يدخل أمرهما في معنى التطير المذموم. فالتطير لا ينحصر بالشر، بل بالشر والخير. ومرت معنا بعض الآثار في ذلك. فلما ذكر لبعض السلف حين سمع بعضهم صوتا لبعض الطير، فقال "خير خير". فقال "أي خير أو شر عند هذا الطير؟" فالطيرة لا تنحصر بمعنى الشر، بل حتى اعتقاد حصول الخير بأصوات بعض الأشياء أو أسمائها أو كذلك معلوماتها مسموعة ومرئية ومعلومة، كل ذلك من معنى الطيرة. فالطيرة: التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم. ومعنى هذا التشاؤم ليس ينحصر بالشر، ولكنه كذلك تعليق هذه الأشياء - ولو كان بالخير - بها. هذا مما ينافي التوكل والإيمان بالله والتوحيد له. فالمقصود هو أن لا يجعل المؤمن ما ليس بسبب سببا - لا للخير ولا للشر - فإن الله لم يجعل هذه المعاني المسموعة والمرئية والمعلومة أسبابا للخير ولا أسبابا للشر، ولم يجعلها كذلك كاشفات للغيب - لا لخير الغيب ولا للشر الذي يضن ويتوقع. فلذلك قال بعد ذلك "السابعة تفسير الفأل". إذن معنى الفأل ليس هو اعتقاد الخير في بعض الأشياء أنها أسباب لذلك. فتكون كاشفة للغيب للخير الذي في الغيب، أو أنها أسباب لهذا الخير. فالله جل وعلا لم يجعل هذه المسموعات والمرئيات والمعلومات - لا أسبابا للخير ولا كاشفات لخير الغيب. وإنما معنى الفأل الحسن هو الظن الحسن بالله، مع عدم تعليق تلك المسموعات والمرئيات والمعلومات بالغيب، أو أنها كذلك أسباب للخير. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام - من حديث ابن عباس - فيما رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني في "الصحيحة" - أنه قال: "كان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - لا يتفاءل ولا يتطير، ويعجبه الإسم الحسن". فانتبه لهذه اللفظة: "كان لا يتفاءل ولا يتطير، ويعجبه الإسم الحسن". فقوله "لا يتفاءل" نفي للتفاءل. وما جاء في بعض الأحاديث من أنه يعجبه الفأل، هذا إثبات للفأل. فكيف يجمع بينهما؟ يجمع بينهما بالتفصيل السابق: أن الفأل الحسن المقصود ليس هو تعليق الأشياء أنها أسباب للخير أو للشر، ولا أنها كاشفات للغيب. فإن هذا من الفأل المذموم الذي كان لا يتفاءل به عليه الصلاة والسلام - حتى ولو كان خير. فليس من الفأل الحسن إذا سمعت صوت عصفور في الصباح الباكر، قلت "هذا دليل على أنها سفرة مباركة". أو إذا دخلت نحلة أو دبور إلى بيتك أو صرصور، قلت "هذا معناه سيأتي ضيف". أو إذا حكت يدك اليمنى، قلت "هذا معناه سيأتي رزق". أو إذا طنت أذنك اليمنى، قلت "هذا معناه ستسمع خبر سار". وغير ذلك مما يظن في بعض المعلومات والمسموعات والمرئيات أنها أسباب للخير أو كاشفات للخير الذي في الغيب. فهذا هو الفأل المذموم. وأما الفأل الحسن، فهو حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. حسن الظن بالله، مع عدم الجزم بأن هذا خير أو هذا شر، أو أن هذا سبب للخير أو هذا سبب للشر. والله جل وعلا لم يجعل هذا أسبابا. يعني مثلا ليس في الشرع أن حكة اليمين معناه سيأتي رزق، وأن حكة الشمال معناه سيذهب عليك مال. ليس هذا في الشرع. فكونك تجعل هذا سببا، هذا شر، وهو من التطير المذموم. أما كونك تحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فهذا خير. تحسن الظن بالله في كل خير تراه معلوما أو مسموعا أو مرئيا. فهذا الذي كان يعجبه نبينا عليه الصلاة والسلام. وقوله "الثامن أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهيته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل". ومعنى "لا يضر" ليس معناه لا يضر بالإيمان بالمرة. لأن ما في القلب معنيين اثنين. أحدهما حديث النفس وشيء يقع فيه، فهذا لا يكتب به إثم. هذا لا يكتب به إثم، ولا يكون كذلك سببا لشر. وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم: سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ومنا أناس يتطيرون". قال عليه الصلاة والسلام: "ذلكم شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم". ومعنى أن الذي يضر: أن يكون لحديث النفس مواقف قولية أو فعلية تنافي التوحيد. وعلى هذا يفسر ما جاء: ما جاء عن الفضل ابن عباس "إنما الطيرة ما أنضاك أو ردك". فإذا كان مضيك أو رجوعك في أمر أن تعازم عليه، كان بسبب تعليقي أمر ما بمسموع أو مرئي أو معلوم، فهذا من الطيرة - سواء اعتقدت ذلك سببا للخير أو سببا للشر - فإن ذلك من الطيرة. مثال الأول: أنك ربما ترى رجلا قبيحا في أول صباحك وأنت على سفر، فتترك السفر تشاؤما من رؤيتك لهذا القبيح. فهذا من الطيرة. كذلك كنت مترددا في السفر، فرأيت منظرا حسنا جعلك تمضي في سفرك وتجزم بعد ترددك. هذا كذلك من الطيرة. فالطيرة ما ردتك وأمضتك. فما أمضاك أو ردك فهو من الطيرة. أما إن أمضيت في أمرك أو رجعت عن أمرك لغير أمر كان سببا في ذلك المضي أو ذاك الرجوع - من مسموع أو مرئي أو معلوم - فهذا هو الجائز المشروع. وأحسن من ذلك الاستخارة: أن يكون مضي الإنسان ورجوعه وتأخره بالاستخارة. فهذا هو المقصود. وأما المعنى الثاني الذي يضر في القلب، هو ما لم يكن حديث نفس فقط، ولكنه انتقل من حديث النفس إلى ماذا؟ إلى اعتقاد. إلى اعتقاد في القلب. وهذا الاعتقاد معنى من معاني الإيمان. لأن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان. فلذلك تجد مثلا الناس في هذا الباب ثلاثة مراتب: مؤمن موحد لا يضره كلام المتطيرين، فإنه لا يبالي بإقبال الأسباب الحقيقية وإدبارها، فضلا عن الموهوم المشبهة. انتبهوا لهذا: المؤمن الموحد لا يبالي بإقبال الأسباب الحقيقية التي جعلها الله أسبابا، لا يبالي بإقبالها وإدبارها. لأنه معتمد على من على مسبب الأسباب. ولهذا لما ألقي إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار، قال: "حسبي الله ونعم الوكيل". وقالها نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا أهل التوحيد. وهؤلاء هم أهل المرتبة الأولى. فهم لا يتضررون ولا يتغيرون - لا في الظاهر ولا في الباطن - بإقبال وإدبار الأسباب الحقيقية، "فضلا عن ماذا؟ فضلا عن الموهومة". ما هي الموهومة؟ أسباب من؟ أهل الطيرة. أسباب أهل الطيرة. أسباب موهومة مشبوهة ليست حقيقية. فهي من باب أولى لا تضر ولا تؤثر في الموحد. فظاهره وباطنه واحد - من شدة توكله وتعلقه بربه سبحانه وتعالى. وأما الثاني - أي أهل المرتبة الثانية - هم الذين يتأثرون بكلام المتطيرين، وإن لم يستقر في القلب. لكنه ماذا يحصل له؟ يحصل له حديث نفس. يشغل قلبه. يقع في قلبه حديث نفس يشغل هذا القلب. وهذا الحديث الذي في النفس لا يضر بالإيمان والتوحيد، لكنه ينافي كماله. ينافي ماذا؟ ينافي كماله. لأن الأول الموحد لم يقع حتى في قلبه حديث النفس - لكمال توكله وتعلقه بربه سبحانه وتعالى. ولهذا كان المتوكلون الذين كمل توكلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. والذين نقص توكلهم هم يدخلون الجنة، لكن لا يدخلونها بغير حساب ولا عذاب. وهذا هو الفرق بين من كمل توحيده، وأمن لم يكمل توحيده. وأما أهل المرتبة الثالثة في هذا المقام، فهم الذين انتقل عندهم حديث النفس إلى أشياء في القلب - شيء من الاعتقاد المنافي لكمال التوحيد. لم يكن حديث نفس عابر. فحديث النفس العابر لا يضر الإنسان. حديث النفس العابر لا يضر الإنسان: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها - ما لم تعمل أو تتكلم". أما ما لم يكن كذلك، بل أثر هذا الحديث العابر فأوقع نكتة في القلب. فإن هذه النكتة تضر في الإيمان والتوحيد، وهي من الإثم. يعني: ليس فقط أن التطير المذموم يكون بما يكون باللسان، وما يكون بالجوارح، بل كذلك ما يكون في القلب. فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان. قد يقول قائل: ما مثاله؟ مثال الأول علمناه. ومثال الثاني علمناه. وتوضيح مثال الثاني: ما جاء بحديث معاوية بن الحكم السلمي. إنسان حديث عهد بتوحيد، أو حديث عهد بإسلام. كان في جاهليته مثلا يتشاءم من يوم الأربعاء، أو من شهر صفر، أو كذلك من رقم ثلاثة عشر، أو من لون كذا وكذا. بعضهم يتشاءم من رؤية الأبرص أو الأعور أو غير ذلك. فلما من الله عز وجل عليه بالإسلام والتوحيد، بقي عنده من بقايا ذاك الاعتقاد السابق حديث نفس. فحديث النفس العابر لا يضر به، لا يلحقه بالإثم. لكن ماذا؟ لكن مادام يدور فيه حديث نفس يوقع عنده شيء، فهذا منافي لكمال التوحيد. لأنه إذا كمل علمه وعمله، لن يقع في قلبه أصلا حديث النفس. بل إن وقع، سيمر عليه على وجه الإنكار - لا على وجه التردد. وهذا الفرق بين حديث النفس العابر على المؤمن الموحد الذي كمل في توحيده، وكمل علمه وعمله، وبين من نقص علمه أو عمله. وأما الثالث، فهذا الذي يكون عنده نفس هذا المعنى، لكن يزداد أن يقع في قلبه شيء من الخوف. الخوف عمل قلبي، أو هو عمل بالجوارح فقط. ها قد يكون بالقلب فقط، وقد يكون بالقلب وماذا؟ في الجوارح. فمثلا عزم الناس السفر يوم الأربعاء، أو سكن رفيقان في فندق غرفة رقم ثلاثة عشر. هذا الذي كمل توحيده ما سيبالي، لن يبالي أن السفر كان يوم الأربعاء، أو أن السكن كان في غرفة رقم ثلاثة عشر. أما الذي بقي عنده شيء من بقايا جاهليته، فسيبقى في قلبه خوف. هذا الخوف لن يظهر في لسانه ولا في جوارحه، ولم يكن حديث قلب عابر، وإنما كان معه ماذا؟ عقيدة. كان معه عقيدة خفية لم يدري بها أحد، ولكن الله سبحانه وتعالى علم بها. أثمر هذا الاعتقاد الذي أنقص توحيده وأوجب له الإثم. ومعنى "أوجب" ليس من الوجوب، ولكن من الوقوع. أوقع له الإثم: أنه تطير تطيرا قلبيا. إذ أنه وقع عنده خوف. والله سبحانه وتعالى أمرنا ألا نخاف إلا منه: "فلا تخافوهم وخافوني - إن كنتم مؤمنين". فمن كمال الإيمان عدم الخوف من غير الله - خوف اعتقاد. فهذا هو توضيح مثال المرتبة الثالثة. قال رحمه الله "التاسعة ذكر ما يقول من وجده". ومعنى ذلك: أي من وجد التطير عرض عليه - كما مر معنا في أهل المرتبة الثانية، وكذلك أهل المرتبة الثالثة. فينبغي عليه أن يقول: "اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك". لو تحقق في هذا اللفظ بلسانه وبقلبه، زال هذا الذي في القلب. أنت إذا قلت "اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" تعلق قلبك - كما تتعلق جوارعك - بالله وحده. قال "العاشر التصريح بأن الطيرة شرك". لما تقدم. وفي حديث ابن مسعود: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك". كررها ثلاثا. رواه أحمد بإسناد صحيح. وقول "الحادي عشر تفسير الطيرة المذمومة" على ما تقدم تفصيله، وذكره في الشرح المتقدم. نقف إلى هنا. والله تعالى أعلم.