الصحيح المسند من دلائل النبوة  48

الصحيح المسند من دلائل النبوة 48

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 48، الدرس الثامن والأربعون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا أبو معمر حدثنا عبدالوارث ... وينظر في قوله فأمدوا إخوانكم فإني لم أجدها في غير هذا الحديث ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

غزوة مؤتة وتعيين القادة واستشهادهم

يتناول هذا الفصل غزوة مؤتة وتعيين النبي صلى الله عليه وسلم للقادة الثلاثة: زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، واستشهادهم الواحد تلو الآخر. ثم تولى خالد بن الوليد القيادة.

تعزية النبي ودلائل نبوته

يتناول هذا الفصل تعزية النبي صلى الله عليه وسلم لآل جعفر بعد استشهاده ودعاءه لهم، كما يبرز دلائل نبوته في إخباره عن غزوة مؤتة وما حدث فيها.

مسائل فقهية مستنبطة من غزوة مؤتة

يستعرض هذا الفصل مسائل فقهية متعددة مستنبطة من غزوة مؤتة، منها جواز تعدد الأمراء، وعدم الجزم بالشهادة لمن قتل في المعركة، واتخاذ الراية للمسلمين، ونصرة المسلمين لبعضهم البعض.

التفريق بين القتل والاستشهاد

يفصل هذا الفصل بين مفهومي القتل والاستشهاد، حيث إن القتل هو إثبات الموت على وجه القتل، بينما الاستشهاد يثبت وصفًا زائدًا وهو حكم الشهادة.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله: قال البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له». وقال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن أبي عقيل يحدث، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا استعمل عليهم زيد بن حارثة، وإن قتل زيد أو استشهد، فأميركم جعفر، فإن قتل أو استشهد، فأميركم عبد الله بن رواحة. قال: فلقوا العدو، فأخذ الراية زيد، فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، ففتح الله عليه. وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: «إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدًا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، ففتح الله عليه». فأمهل، ثم أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم -يعني انتظرهم ثلاثًا- فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم أو غد، إلي بن أخي أو ابني أخي». قال: فجيء بنا كأن أفراخ، فقال: «ادعوا إلي الحلاق»، فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال: «أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي». ثم أخذ بيدي، فأشالها، فقال: «اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه»، قالها ثلاث مرات. قال: فجاءت أمنا، فذكرت له يتيمًا، وجعلت تفرح له، فقال: «العيلة تخافين عليهم؟» قالت: العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة. قال: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. وقال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن شمير، قال: قدم علينا عبد الله بن رباح، فوجدته قد اجتمع إليه ناس من الناس، قال: حدثنا أبو قتادة، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء، وقال: «عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري». فوثب جعفر، فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي، ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا. قال: «أمّا أنت فإنك لا تدري أي ذلك خير». قال: فانطلق الجيش، فلبي ما شاء الله، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، وأمر أن ينادي: الصلاة جامعة -يعني المنادي- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناب خبر أو ثاب خبر -شك عبد الرحمن- ومعناه عندي خبر أو حصل شيء سأخبركم به». قال: شك عبد الرحمن: «ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد شهيدًا، فاستغفروا له». فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيدًا أشهد له بالشهادة، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدًا، فاستغفروا له. ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء -يعني لم يؤمر من المدينة- ولكن قال لهم كما جاء في بعض الروايات: «فأمركم بعد ذلك شورى». فجعل أميرًا بعد الأمراء. قال: ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه، فقال: «اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره». فقال عبد الرحمن: مرة «فانتصر به»، فيومئذ سمي خالد سيف الله. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد». فنفر الناس في حر شديد، مشاة وركبانًا. قال: هذا حديث صحيح، رواته ثقات. وينظر في قوله: «فأمدوا إخوانكم»، فإني لم أجدها في غير هذا الحديث. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث بطرقه ورواياته، من حديث أنس، وهكذا كذلك عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن رباح، عن أبي قتادة. فهذه الروايات فيها هذه القصة التي فيها علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالة عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بأمر غيبي، والقوم في جهة الشام، في البلقاء، في جهة الأردن اليوم، الجيش هناك، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فيخبر في اليوم الذي قتل فيه هؤلاء الأمراء، وما وقع للجيش أصحابه، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وهذا إن دل على شيء، دل على ما كان يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك لا يكون إلا من نبي، وهو قليل من كثير كما مر معنا من دلائل نبوته، صدق رسالته عليه الصلاة والسلام التي أُيِّد بها. وهذا هو الشاهد من هذه الروايات في هذه القصة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس، فأخبرهم بأن الجيش قد لقي العدو، وأنه استشهد فيه هؤلاء الذين ذكرهم، رضي الله عنهم، ويشهد أنهم شهداء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك عبد الله بن رواحة، أنهم استشهدوا في نفس اليوم الذي استشهدوا فيه. وفي الحديث، وفي الحديث مسائل أخرى، ففي هذا الحديث من المسائل: فضل هؤلاء الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم لفضلهم، وأرسلهم، وشهد لهم بالشهادة، وكل هذا من فضائلهم، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وفي هذا الحديث كذلك: بيان أن هذا الدين العظيم لا يجعل المراتب بالأنساب، ولا بالأحساب، ولكن بما يكون من الدين، وكذلك بما يحتاج إليه من الخبرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن حارثة، وكان مولى مولى من الموالي، على جيش فيه جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وأمثالهم من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ممن هم من قبائل العرب المعروفة، من المهاجرين والأنصار. بل وفيهم خالد بن الوليد، كذلك. وسمعنا في الحديث، في رواية أبي قتادة: كيف قال جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه: «ما كنت أظن أنك تؤمر علي زيدًا». فقال: «بأبي أنت يا نبي الله وأمي، ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أمّا أنت فإنك لا تدري أي ذلك خير». فينبغي أن يرتسم هذا المعنى في نفس كل مسلم: أن المناصب ليست هي بالأنساب، ولا بالأحساب، ولكنها بدين الله عز وجل. وهكذا كذلك بما يقتضيه المقام من الخبرة وغير ذلك. فكما قال أهل العلم: دلت أدلة الكتاب والسنة: أن الولايات تولى بحسب الخبرة والقدرة، مع الأمانة. يا أبا تستعجره: «إن خير من استعجرت القوي الأمين». وصفان اثنان، من كمل فيه تحصيلهما، فهو أولى بالولاية في الأمور التي يحتاجها أهل الإسلام. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف بفضل هؤلاء، وما قد يقع لهم، فأمر أكثر من أمير. ففيه جواز تعدد الأمراء على وجه النيابة والوكالة، إذا وجد مضنة ذلك. لأنهم ذهبوا ليلقوا عدوًا يعتبر في ذاك الزمان من أقوى الأعداء، وهم ذهبوا ليلاقوا الروم. فكذلك ينبغي فيما هو مضنة ذلك أن يجعل الاستنابة في الإمارة، سواء إمارة عامة أو إمارة خاصة، إمارة سفر أو غير إمارة سفر. وهكذا كذلك فيه من المسائل: عدم الجزم بالشهادة لمن قتل في أرض المعركة، ولو في سبيل الله. أي القتال. فالله أعلم بمن قتل في سبيله. وعلى هذا يحمل ما جاء في بعض الروايات، كما جاء في رواية حديث عبد الله بن جعفر: قال «قتل أو استشهد، قتل أو استشهد». وهذا بحسب علمه، لأنه لا يدري. وقد علموا من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقال: شهيد إلا بمن شهد الله عز وجل له بالشهادة. ومن لم يشهد له بالشهادة، فلا نجزم له بالشهادة. فإذا كان هذا بحق الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فمن دونهم من باب أولى. فلم يجزم في الحديث هذا؛ لأنه لم يبلغه ذلك. وفي الرواية الأخرى: حديث أبي قتادة جزم؛ لأنه سمع ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام. فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أصيبوا». وفي موضع آخر قال: «أشهد أنهم شهداء». فمن لم يبلغه لفظ الشهادة، رواه بهذا اللفظ: «قتل أو استشهد». وهذا من الأمانة. فإذا كان كذلك، فمن دون الصحابة من باب أولى أن لا يجزم لأحد بشهادة. لكن نقول: نحسبه شهيدًا، ونرجو أن يكون شهيدًا، ونسأل الله أن يكون شهيدًا، ونحو ذلك. فما يفعله بعض الناس اليوم: «الشهيد فلان ابن فلان»، وهكذا ربما «هنيئًا له الجنة»، وهكذا كذلك: «أنه دخل جنة كذا وكذا». كل هذا مخالف للشرع، ويخشى أن يكون من التألي على الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك: اتخاذ الراية للمسلمين. وعلمنا في دروس سابقة أنها علامة يتخذها الأمير، يوجه بها الجيش في إقباله وإدباره، وفي ميلانه وكره وفره. فإنها علامة يشار بها إلى ما يتوجه به الجيش. وقد مر معنا أنه جاء في بعض الروايات، وصححها بعض أهل العلم: أنها كانت راية سوداء -أي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم- وفي بعض الروايات: بيضاء. وجمع بينها بعض أهل العلم، ففرق بين الراية وغيرها. وأما ما جاء: أنه كان مكتوب عليها «لا إله إلا الله»، فبعض أهل العلم قال: صح موقوفًا، ولم يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: ما ينبغي أن ترفع به معنويات المسلمين بالأخبار الحسنة التي تنقل لهم، وتثبت به قلوبهم وقلوب إخوانهم. وفيه كذلك من المسائل: ما ينبغي أن يكون من النصرة والتأييد بين أهل الإسلام بعضهم لبعض. والنبي عليه الصلاة والسلام قال -كما في الرواية الأخرى- وفي الأخرى: «انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد». فنفر الناس، قال: في حر شديد، مشاة وركبانًا. وفيه دليل: أن أيام الضرورات أو أحوال الضرورة يكون فيها الإلزام والقتال ما لا يكون في وقت الرخاء. فإن أمثال هؤلاء لا يجب عليهم القتال، لكن في وقت الشدة يؤمر الجميع، ولو مشاة -يعني ليس معهم شيء- مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخلف عنه ناس بسبب ما يجدون ما يحملون عليه. هذا خلاصة ما يذكر بالحديث، وبنكتفي به. والله تعالى أعلم. يقول: ما الفرق بين القتل والاستشهاد؟ وهل هما مترادفان؟ وما المناسبة إذا كانا مترادفين؟ سمعت: الفرق هو عدم الجزم. القتل هو إثبات الموت على وجه القتل، والاستشهاد إثبات وصف زائد، وهو ثبوت حكم الشهادة. فكان السبب الذي سمعت.