الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 11، الدرس الحادي عشر:من( باب الموصى به ... وأما إن وصى في وقت بالرقبة لشحص وفي وقت آخر بالمنافع لغيره فهو كما لو وصى بعين لاثنين في وقتين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ أحكام الوصية بالحمل والمنفعة، موضحًا شروط صحة الوصية وتبعاتها. وأشار إلى أن الوصية بالحمل قد لا تصح بسبب الجهالة، بينما تصح الوصية بالمنفعة إذا كانت تمليكا للرقبة.
يتناول المقطع تفاصيل الوصية بالمنافع والرقبة، ويشرح كيفية التعامل معها عندما تتعلق بالمنفعة دون أصل العين. كما يوضح الحالات التي تبطل فيها الوصية بسبب التعارض بين مصالح الورثة والمنتفعين.
يتناول المقطع تحريم التفريق بين الأقارب في الوصية مستندًا إلى أحاديث نبوية وآثار متعددة. ويُطبق هذا النهي على الوصية كما يُطبق على البيع، مع استثناءات مثل العتق وافتداء الأسرى إذا كان التفريق يحقق نفعًا ولا يسبب ضررًا.
تصح الوصية بالتفريق إذا كان يحصل به النفع ولا يحصل به الضر، لورود أحاديث وآثار صحيحة في هذا المعنى واتفاق أهل العلم عليه. ويشترط لتحقيق الصحة أن يكون التفريق نافعًا وغير مضر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب الموصى به. قال أبو العباس في تعاليقه القديمة: ويظهر لي أنه لا تصح الوصية بالحمل؛ نظرا إلى علة التفريق، إذ ليس النهي عن التفريق يختص بالبيع، بل هو عام في كل تفريق إلا العتق وافتداء الأسرى. انتقل -رحمه الله- إلى بعض المسائل المتعلقة بالموصى به، والمراد بالموصى به ما تقع فيه الوصية من مال أو منفعة أو ما كان بمعناه. فقوله: باب الموصى به، أي: هذا مدخل لمعرفة شيء من أحكام الموصى به مما وقع فيها خلاف، وكان لشيخ الإسلام اختيارات فيها. قوله: قال أبو العباس في تعاليقه القديمة: ويظهر لي أنه لا تصح الوصية بالحمل؛ نظرا إلى علة التفريق، إذ ليس النهي عن التفريق يختص بالبيع، بل هو عام في كل تفريق إلا العتق وافتداء الأسرى. كأنه يشير -رحمه الله- إلى معنى الجهالة، وكذلك السلامة التي يكون في الحمل. وأما قوله: نظرا إلى علة التفريق، فهذا غير ظاهر؛ فيحتاج إلى زيادة التأمل. وقد حاولت أن أنظر في كتب الفقه، فلم أجد شيئا يقرب المعنى في هذا الباب في حق الوصية به. فإن شاء الله نتركه إلى أن نقف على شيء من كلام أهل العلم يظهر ويوضح المعنى في هذه الفقرة. لكن عموما كأنه فيه معنى -كما قلنا- من معنى الجهالة أو عدم السلامة التي لا يكون معها صحة الوصية بمثل هذا الوصف. قال: وتصح الوصية بالمنفعة أبدا، ويكون تمليكا للرقبة، ولا يستحق الورثة منها شيئا. وإن قصد مع ذلك إبقاء الرقبة للورثة والانتفاع بها لآخر، بطلت؛ لامتناع أن تكون المنافع كلها لشخص والرقبة لآخر، ولا سبيل إلى ترجيح أحد الأمرين؛ فيبطلان. يعني: ما تعارضت فيه تنفيذ الوصية لدخول أكثر من مالك ومنتفع فيها؛ فينظر: هل يمكن التفصيل؟ فإن أمكن التفصيل وحصل معه الانتفاع؛ فذاك، وإن لم يمكن التفصيل؛ فلا تصح الوصية. ومن ذلك -يعني من الذي يمكن التفصيل-: قال: وتصح الوصية بالمنفعة أبدا. المنفعة غير العين؛ عندنا شجرة، يقول مثلا: أوصي بثمرة هذه المزرعة أو الشجرة لكذا وكذا. فالمزرعة ليست وقف ولا وصية، لكن الوصية وقعت في ماذا؟ في ثمرة المزرعة أو ثمرة الشجرة. أو له سيارة، ثلث ما يخرج من أجرة هذه السيارة يجعلها وصية في باب من أبواب الخير والبر أو وقف. فهنا يحصل كذلك ماذا؟ يحصل أن الوصية وقعت في المنفعة، ولم تقع في أصل العين، وهذا يمكن التفصيل فيه. فالمالك إنسان، والمنتفع بالمنفعة إنسان آخر أو جهة أخرى. قال: ويكون تمليكا للرقبة، ولا يستحق الورثة منها شيئا. كذلك ممكن؛ لو قدر أنه عبد، فيمكن أن يقول: منافع هذا العبد في باب كذا وكذا من أبواب الخير، وملكه لفلان؛ إذن فلان ينتفع به، ولا مانع أن يبقى كذلك له منفعة في الباب الذي وقعت فيه الوصية. لكن إذا تعارض؛ فالورثة لا ينتفعون. قال: وإن قصد مع ذلك إبقاء الرقبة للورثة والانتفاع بها لآخر، بطلت. لماذا بطلت؟ نعم؛ لأنه ما يستفيدون منها -يعني كيف يمكن أن يملكون شيئا يعبؤون به، ثم منفعته ليس لهم-؛ فلهذا ما دام لا يمكن التفصيل؛ فعند ذلك تبطل هذه الوصية. قال: لامتناع أن تكون المنافع كلها لشخص والرقبة لآخر، ولا سبيل إلى ترجيح أحد الأمرين؛ فيبطلان. يبطل هذا وهذا؛ فيبقى على الأصل للورثة. قال: وأما إن وصى في وقت بالرقبة لشخص، وفي وقت آخر بالمنافع لغيره؛ فهو كما لو وصى بعين لاثنين في وقتين. لو فصل في الوقت، قال: هو في شهر كذا وكذا، أو شهر بشهر، لشخص، وفي الشهر الآخر في كذا وكذا من أبواب الخير والبر. يقول: هذه المسألة مثل كمن يوصي بعين لاثنين في وقتين. يعني: كأنه يقول: في هذا خلاف، ويرجع هذا الخلاف -على الصحيح كما تقدم- إن أمكن العمل بالمعنيين من دون تعارض؛ فذاك، وإن وقع التعارض؛ فتبطل؛ لأنه قد يكون الوقت فيه تعارض، وقد يكون لا يوجد فيه تعارض؛ فهو بحسب ما يؤول إليه الأمر. تنبيه: بالنسبة لما مر معنا في قول المؤلف -رحمه الله-: قال أبو العباس في تعاليقه القديمة: ويظهر لي أنه لا تصح الوصية بالحمل؛ نظرا إلى علة التفريق إلى آخر كلامه. نبهني الأخ فهد -حفظه الله- أنه لعله يشير إلى الأحاديث الواردة في النهي عن التفريق بين الوالد وولده. والظاهر هو كذلك؛ فقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث في هذا الباب؛ كحديث عباد بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- فيما رواه الدارقطني: «لا يفرق أو لا يفرق بين الأم وولدها؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن التفريق بين الأم وولدها؛ فقيل: إلى متى يا رسول الله؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية» والحديث فيه ضعف؛ فقد ضعفه الدارقطني؛ فيه عبد الله بن عمر الواقفي؛ قد كذب. ولكن في الباب أحاديث كثيرة، والعلماء متفقون على معنى ما وردت به هذه الأحاديث؛ فقد روي عن علي -كذلك- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يباع جارية؛ فيفرق بينها وبين ولدها. وروي عن أبي موسى -كذلك- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن من فرق بين الوالدة وولدها والأخ وأخته. وهكذا جاء عن أبي أيوب أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: «من فرق بين والدة وولدها؛ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة». فهذه الأحاديث وفي معناها آثار كثيرة، وإن كانت الأحاديث لا تخلو من مقال؛ لكن اتفق أهل العلم على صحة معناها؛ فحرموا بيع الأم من دون الولد، وبيع الأخ من دون أخته. فيكون معنى كلام الشيخ أنه لا يرى صحة الوصية بإخراج الحمل دون أمه؛ يعني: لو أوصى إنسان بأن يخرج الحمل دون الأم أو الأم دون الحمل؛ فهي وصية مخالفة للسنة؛ لا تنفذ؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». ولهذا قال: نظرا إلى علة التفريق؛ إذ ليس النهي عن التفريق يختص بالبيع. وبهذا يتضح المعنى تماما؛ فنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما روي في هذه الأحاديث -سواء قيل بصحتها أو قيل بصحة معناها- لما تضافرت فيه الآثار، واتفق أهل العلم بعمومات كثيرة مع هذه الأحاديث على صحة القول بهذه المسألة؛ أي: لا يجوز التفريق بين ذوي الأرحام: الأم وابنها، والولد وأبويه، أو الأخ مع أخته، أو غير ذلك مما فيه هذا المعنى. فهذا النهي وإن كان ورد في البيع؛ فكذلك يدخل في معناه كل ما يحصل به التفريق؛ ولو كان بالوصية. ولهذا قال: بل هو عام في كل تفريق إلا العتق وافتداء الأسرى؛ يعني: يجوز أن يعتق مثلا الأم، ويبقي الولد؛ لكن من دون تفريق؛ سيكون عتق هذا حر، وهذا ليس بحر بدون تفريق. وهكذا افتداء الأسرى؛ أسر المسلمون مثلا رجالا ونساء؛ فأطلقوا المرأة، وتركوا الرجل؛ فحصل هنا تفريق؛ لكن ليس تفريق يحصل به الضر؛ بل يحصل به النفع. فممكن أن يقال: كل تفريق يحصل به الضر؛ الشرع ينهى عنه. وكل تفريق لا يحصل به الضر؛ بل يحصل به النفع؛ فإن الشرع لا ينهى عنه. وهكذا يقال في هذه المسألة في الوصية بالحمل؛ إذا كان تفريق يحصل به الضر؛ فلا تصح الوصية. وإذا كان التفريق يحصل به النفع، ولا يحصل به الضر؛ فتصح الوصية؛ لما روي في هذا الباب من أحاديث معناها صحيح، وآثار كذلك، واتفق أهل العلم على صحة هذا المعنى. نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.