الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 16، الدرس السادس عشر:من( فصل:في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية والجسدية كما وردت في كتاب "الصحيح المسند من دلائل النبوة". يبرز الفصل جمال وجه النبي وأخلاقه الحسنة.
يصف هذا الفصل جانباً من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه، خاصة في شهر رمضان حين يدارسه جبريل القرآن. يبرز الفصل جود النبي وسخاءه.
يناقش هذا الفصل بعض الأحكام الفقهية مثل صيام كفارة اليمين وجواز التيمم للجنب إذا خاف البرد. يشدد على الاعتدال في استخدام الماء عند الوضوء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": فصل في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلقية والخلقية. قال: هذا الباب يشتمل على كتاب مستقل، ولكن يقطف منه بعض الأحاديث لدخولها في دلائل النبوة، وهو ما يسمى بباب الشمائل. وقد ألف العلماء فيه مؤلفات؛ أي في شمائل النبي صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بصفته الخلقية والخلقية. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنه خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. وجه المناسبة بأن يذكر هذا في دلائل النبوة لأمرين: الأمر الأول أن الأنبياء من أكمل الناس صفات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كمل في صفته. وثانيا أنه قد وصف عليه الصلاة والسلام في كتب أهل الكتاب، وجاء وصفه بمثل ما وصف به عليه الصلاة والسلام، حتى ما كان من خاتم النبوة وموضعه قد وصف به عليه الصلاة والسلام، حتى جاء سلمان رضي الله عنه أرضاه قبل أن يسلم، لما أراد أن يتحقق أنه رسول الله الذي قرأ عنه في كتب أهل الكتاب وتتبع الصفات صفة صفة، فلما بقيت الصفة الثالثة ويخاتم النبوة، كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن كتفه ليريه إياه، فعند ذلك أسلم رضي الله عنه أرضاه. قال البخاري رحمه الله: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعا، بعيدا ما بين المنكبين؛ يعني ليس بالنحيف ولا بالمتين، بل هو معتدل، وبعيد ما بين المنكبين؛ يعني عظيم الصدر في اعتدال. قال: له شعر يبلغ شحمة أذنيه. رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه. ومعناه أن شعره كان طويلا يضرب إلى شحمة الأذن أحيانا وإلى المنكب أحيانا؛ يعني يطول فيصل إلى شحمة الأذن هذه شحمة الأذن من الخلف، ويطول فيضرب إلى المنكب أحيانا. وقوله: في حلة حمراء، بيّن ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلبس الأحمر الخالص، بل كان يلبس الأحمر المشوب بغيره؛ لأنه نهى عن الأحمر. هكذا قال رحمه الله، وهو يشير إلى رواية أهل السنن في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب الأحمر. قال رحمه الله: وقال يوسف بن أبي إسحاق عن أبيه: إلى منكبيه. قال البخاري رحمه الله: يعني معناه أنه جاء في رواية إلى منكبيه الشعر، وفي رواية إلى أذنيه. وقلنا أن هذا بحسب طول الشعر وقصره؛ فأحيانا يطول حتى يصل إلى المنكبين، وأحيانا يقصره أو يحلقه إذا ذهب عمره أو غير ذلك، فيكون إذا طال يصل إلى شحمة الأذنين. والحلة قد يقول قائل: ما هي الحلة؟ الحلة هو ما يلبس على الثياب فوق الثياب، مثل ما نقول العباءة أو الكوت أو ما كان بمعناه مما يتزين به فوق الثياب. قال رحمه الله: وقال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير عن أبي إسحاق، قال: سئل البراء: أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. ومعنى مثل السيف: أي فيه إضاءة مع حدة؛ يعني حدة في الوجه. ومعنى مثل القمر: يعني مستدير مع إضاءة؛ فوجوه الناس أحيانا تكون طويلة نحيفة مع إضاءة، فيكون وصفه مثل السيف. وأحيانا يكون فيه إضاءة مع استدارة، فيقال مثل القمر. قال البخاري رحمه الله: حدثنا الحسن بن منصور أبو علي، قال: حدثنا حجاج بن محمد الأعور بالمصيصة -اسم مكان-، قال: حدثنا شعبة عن الحكم، قال: سمعت أبا جحيفة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة -يعني وقت الهجير مع الظهر- إلى البطحاء، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة. قال شعبة: وزاد فيه عون عن أبي جحيفة: كان يمر من ورائه المرأة. وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك. يعني كان من طبيعة يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت باردة. وهكذا تجد بعض الناس في أيديهم برودة، وبعضهم في أيديهم حرارة، وبعضهم في أيديهم اعتدال؛ فهذا شيء من صفة النبي عليه الصلاة والسلام. ورائحة وأطيب رائحة من المسك؛ يعني فيه رائحة طيبة، وهذا مما أكرمه الله عز وجل به. قال البخاري رحمه الله: حدثنا الحسن بن الصباح، قال: حدثنا محمد بن سابق، قال: حدثنا مالك بن مغول، قال: سمعت عون بن أبي جحيفة عن أبيه -يعني أبا جحيفة- قال: دفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالأبطح في قبة -كان بالهاجرة- فخرج بلال فنادى بالصلاة، ثم دخل فخرج فأخرج فضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع الناس عليه يأخذون منه. ثم دخل فأخرج العنزة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأني أنظر إلى وبيص ساقيه -يعني بياض ساقيه- فركز العنزة، ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والمرأة -يعني من وراء العنزة- والعنزة هي الحرب الصغيرة تغرز لتكون سترة. كان يتخذها النبي عليه الصلاة والسلام لأغراض كثيرة كما قال العلماء: ينبش بها الأرض إذا أراد قضاء الحاجة، وهكذا كذلك يدفن بها إذا احتاج إلى دفن، وكذلك ينصبها بين يديه إذا أراد أن يصلي، وكذلك من فوائدها يجعلها في مؤخرة الرحل فيعلق عليها الأمتعة معاونة لمؤخرة الرحل، وغير ذلك من الفوائد الأخرى التي تستعمل لها العنزة. قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس عن الزهري، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن؛ فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. وهذا كذلك من أخلاقه عليه الصلاة والسلام ومن هديه. والجود إذا كان مع غنى ليس كالجود إذا كان مع فقر؛ فإن الجود مع الفقر زيادة في معنى الجود. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مسكينا ليس عنده ما عند الملوك، ولكن مع ذلك كان أجود الناس عليه الصلاة والسلام، لا يكاد يصل إليه شيء إلا وقال به هكذا وهكذا كما قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه. وكان هذا خلقه صلى الله عليه وسلم، ربما يأتيه الرجل فيجد عنده شيء فيعطيه ما بين جبلين من الغنم دفعة واحدة يتألف للإسلام، ويأتيه آخرون فيعطيهم الناقة والبعير والشاه وغير ذلك مما أفاء الله عز وجل عليه. وربما كذلك خلع ثوبه وأعطاه لغيره ممن لا ثوب عنده فيبقى بإزاره عليه الصلاة والسلام، كل ذلك من جوده، وكذلك سعة كرمه رضي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كان الصحابة من بعده رضي الله عنهم. قال البخاري رحمه الله: حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد وأسامة؟ والمدلجي كان قائفا -يعني رجلا يعلم بالقيافة- قال: إن بعض هذه الأقدام من بعض. والمعنى أن الناس طعنوا في كون أسامة ولد لزيد؛ لأن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان رجلا فيه بياض وبياضه شديد، وكان أسامة بن زيد رضي الله عنه فيه سواد وسواده شديد، فطعن بعض الناس في كون أسامة ولد لزيد، كأنهم يلمحون أن أسامة لم يكن من زيد بل كان من غيره؛ لأن أمه كانت أما. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينسب أسامة لزيد، فلما جاء المدلجي سئلا اختبارا وإعلاما للناس، أخفيت الأجساد والرؤوس وأظهرت الأقدام من أسفل، فقال: ما تقول في هذه الأقدام؟ قال: هذه الأقدام بعضها من بعض؛ يعني أب وابنه أو أخ وأخيه. وهذا يعرف به انتساب الناس بعضهم لبعض، وهكذا كذلك يعرفه أهل الخبرة من أهل القيافة. فلما قال ذلك فرح النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الشاهد؛ حتى دخل على عائشة تبرق أسارير وجهه. ومعناه أن من صفته كانت له أسارير تبرق في وجهه عليه الصلاة والسلام، وليس هذا لكل أحد. قال البخاري رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب: أن عبد الله بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن تبوك، قال: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. وهذه صفة أخرى من صفاته عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. يقول: هل صيام كفارة اليمين يكون على التوالي أو ليس على التوالي؟ ليس من شرطه على التوالي؛ يعني لو صام ثلاثة أيام متفرقات أجزأه؛ لأن الله قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ولم يذكر شرط التوالي. ولو كان مقصودا لذكر كما في كفارة الظهار: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. فلما لم يذكر هذا القيد والشرط علم أنه ليس بلازم، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. يقول: إذا خاف الإنسان من البرد وهو جنب، هل يجوز له أن يتوضأ ثم يصلي؟ الجواب: لا، لكن يتيمم، يتيمم ثم يصلي. فإذا جاء وقت الصلاة الأخرى وهو كذلك لا يستطيع الاغتسال، فيتوضأ؛ لأن التيمم رفع الجنابة، بقي في الصلاة الأخرى يتوضأ. وينبغي في هذا الباب أن يكون الإنسان وسطا لا إفراط ولا تفريط؛ يعني لا يتساهل إذا كان يستطيع أن يسخن ماء فليسخن ماء، وإن كان يخاف البرد حتى ولو سخن الماء، فأجسام الناس تختلف وقوتهم وصحتهم كذلك تختلف؛ فمنهم القوي ومنهم الضعيف، ومنهم الصحيح ومنهم السقيم، ومنهم الصحيح الذي فيه بعض السقم بعض المرض أو يخشى على نفسه المرض لضعف قوته؛ فمثل هذا إن شاء الله يتيمم.