الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع عداوة الكفار للمسلمين وتمنيهم لهم الكفر، ويبين كيف أن الكفار يبغضون المسلمين ويتمنون زوال دينهم. يوضح المقطع أيضًا اعتداء الكفار على المسلمين بألسنتهم وأيديهم.
يفسر المقطع الآيات التي تشير إلى أن القرابة والأولاد لن تنفع يوم القيامة، ويوضح أن أهل الإيمان أولى بالاحتراز. كما يبين جواز الاستعانة بالكافر في أمور الدنيا بشروط معينة.
الله رقيب مطلع على كل شيء، ويحذرنا من مخالفة ولاءه وبراءته. يُنبه إلى خطورة مخالطة الكفار والتنازل عن دين الله، حيث يسعى الكفار لجر المسلمين إلى الكفر تدريجياً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، قال المفسر رحمه الله: "إن يثقفوكم يغلبوكم، يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم بالقتل والضرب، وألسنتهم بالسوء بالسب والشتم، وودوا لو تكفرون، لن تنفعكم أرحامكم قراباتكم، ولا أولادكم المشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر، من العذاب في الآخرة، يوم القيامة يفصل بالبناء للمفعول والفاعل بينكم وبينهم، فتكونون في الجنة وهم في جملة الكفار في النار، والله بما تعملون بصير". بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في أوائل سورة الممتحنة، وآياتها العظيمة التي فيها فصول الولاء والبراء، وميزان المحبة والمعاداة بين أهل الإسلام والإيمان، وغيرهم من أهل الشرك والكفران. ففي الآية الثانية يقول الله عز وجل: ﴿إِن يَفْقَهُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، قال المفسر رحمه الله: "يظفروا بكم، وهذا من التفسير ببعض المعنى، والمعنى إن يكن لهم عليكم أي معنى من معاني الأخذ، ويكون لكم أعداءً، ويبسطوا إليكم أيديهم، والمعنى تظهر عداوتهم، ويكون تطاولهم بالأيدي، والمعنى كما قال بالقتل والضرب". فالمقصود هو ظهور البغي والاعتداء بأي نوع من أنواع البغي والاعتداء بالجوارح، فقد يكون باليد، وقد يكون بالرجل، وقد يكون بالرمي، أو حتى بما يكون مثل ما يفعلون في هذا الزمان كالتفجيرات وغيرها. وألسنتهم بالسوء، قال: "بالسب والشتم"، وهذا كذلك من التفسير ببعض المعنى، والمقصود أي نوع من أنواع البغي والاعتداء بما يكون بهذا المعنى، سواء كان باللسان أو كان بالكتابة أو كان كذلك بغيره مما يذكر مثل اليوم، وسائل الإعلام بأنواعها المسموعة والمقروءة والمرئية. ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، أي تمنوا أن تكفروا مثلهم، كما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، أي في الكفر، وهذا هو منى أهل الكفر، كما قال الله عز وجل كذلك عن أهل الكتاب: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم». وقول سبحانه: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾، قال: "قراباتكم"، والقرابات أوسع من الأرحام، والأرحام المقصود بها كل ما بينك وبينه ولادة، ولهذا قيل: "رحم" أي فيه معنى الولادة، والمعنى لن تنفعكم قراباتكم القريبة، فمن باب أولى القرابات البعيدة، وهذا أبلغ من أن يقال: "لن تنفع القرابة"، فإذا قيل: "لن تنفعكم قراباتكم القريبة التي بينكم وبينهم ولادة"، فمن باب أولى أن القرابات البعيدة لن تنفع. وهكذا قوله: ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾، وهذا من عطف الخاص على العام، الأولاد من الأرحام، بل من خواص الأرحام، لكنه من باب التأكيد، مثل قول الله عز وجل: «حافظوا على الصلاة والصلاة الوسطى»، من باب التأكيد، فالصلاة الوسطى من الصلوات، والأولاد من الأرحام. والمعنى كما قال المفسر رحمه الله: "المشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة"، والمعنى احرصوا على أهل الإيمان ولو كانوا من الأبعدين، وإياكم وأهل الكفر والشرك ولو كانوا من الأقربين، لأن هؤلاء لا يرجى منهم منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا لأن قلبه وهواه مع أهل الكفر، ولذلك لن ينصرك وأنت على خلاف دينه، ولا ينافي ذلك إذا كان قد ثبت عن إنسان بعينه واحتيج إليه لخبرته بشروط وقيود أن ينتفع منه وبه، فالنبي صلى الله عليه وسلم استعان برجل مشرك في هجرته لأجل أن يخرج من مكة إلى المدينة، فهذا لا ينافي ما ذكر في هذه الآية وأمثالها. فإنه إذا وجد من كان مظنة الثقة بشروطه المعلومة في الشرع فيجوز الاستعانة به ولو كان مشركًا، والاستعانة شيء والمودة والحب شيء آخر، كوني أستعين بمشرك أو كافر لحاجة إلي لا يعني ذلك أن أتساهل بالتعامل معه فيدخل في قلبي مودة أو محبة أو مداهنة في المعاملة. لابد أن نفرق، الإسلام لا يمنع أن تستعين بالكافر إذا احتجت إليه بحدود ما يعرف وبشروط أن لا يضرك ولا يضر دينك، لا ضرر ولا ضرار، لكن تحذر أن تتعدى هذه المعاملة الجائزة إلى ما هو ممنوع من حصول المودة والمحبة والمداهنة في دين الله عز وجل. وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾، قال: "يفصل بالبناء للمفعول والفاعل"، يعني جاء يفصل ويفصل، كما أشار قراءتان سبعيتان مشهورتان، وقرأ كذلك بالتجريد يفصل، وكل لفظ له معنى، الله يفصل، والله سبحانه وتعالى يجعل من يفصل في الدنيا، والله عز وجل كذلك يفصل ويجعل من يفصل أن يفرق بين طريق أهل الإيمان وأهل الكفر، ومصير أهل الإيمان وأهل الكفر. وهذا من فوائد إيراد بعض الآيات ببعض الأوجه من القراءات، فتنضاف معاني أخرى فوق المعنى المذكور. وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾، قال: "وبينهم"، قال: "فتكونون في الجنة وهم في جملة الكفار في النار"، والصحيح أن هذا من التفسير ببعض المعنى، بل الله عز وجل يفصل فيما يختلف فيه أهل الإيمان وأهل الكفر، ويفصل فيما كذلك يكون عليه حال أهل الإيمان والكفر. وختم هذه الآية بعلمه سبحانه وتعالى واسمه البصير، إشارة إلى مراقبة الله عز وجل وإحاطة علمه بكل شيء، فكما أن الله سبحانه أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الغيب من صنيع حاطب ومن معه رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم، فالله سبحانه وتعالى رقيب مطلع على كل ما يكون بين الناس حتى ولو كان في قلبك فإن الله مطلع عليه. بعض الناس قد يكون في قلبه شيء من الضعف في الإيمان، فإذا كان بين أهل الإيمان أظهر القوة والمفاصلة، وإذا كان بين أهل الكفر ضعف فأظهر المداهنة والمجاملة، وبعضهم ربما في قلبه كذلك ميل ولو كان لأجل الدنيا، فالله مطلع عليه، وسيأتي معنا التحذير من أن يكون في قلب مؤمن ما ينافي هذا الولاء والبراء وضوابط المودة والمحبة. فالله عز وجل يحذرنا من أن نفعل هذا الفعل الذي يورث غضب الله في الدنيا وعقابه في الآخرة، وذكر أهل التاريخ والسير أن رجلًا مؤذنًا من المسلمين كان يؤذن على حدود ثغور الكفار، فأذن في أحد المرات وهو على المأذنة في أعلى مكان يؤذن، فاطلع على امرأة كافرة من خلف الحصن، فوقع في قلبه جمالها، فلم يزل يتتبعها، وانقدح في قلبه حبها، وهي كافرة، حتى حاول الوصول إليها على حساب دينه، فكان نهاية أمره أن ارتد عن دين الله عز وجل، بقصة مشهورة ذكرها ابن كثير رحمه الله. فنهاية ذلك ربما يكون والعياذ بالله الكفر والإلحاد ونزع الإيمان من قلبه بسبب أنه لم يقف عند حدود الله، فاستدرجه الشيطان خطوة خطوة حتى أخرجه من دين الإسلام، وهذا الذي يطمع به أعداء الدين، لا يكتفون بأن يكون منك لهم ولاء وطاعة، بل واحترام وتعظيم، لا يقفون عند هذا، بل لا يزالون بك يا أيها المؤمن حتى يسلب منك هذا الإيمان. كما قال الله عز وجل: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وهذا هو الواقع، انظروا إلى أثر الابتعاث كيف أثر على كثير من طلابنا ممن يذهب للابتعاث في بلاد الكفر، فإن الكثير إلا من رحم الله يسلب دينه وإيمانه، ومن لم يذهب دينه بالكلية ذهب بعض وقليل من يرجع وهو ثابت على دينه وإيمانه الذي كان عليه. وهكذا كل من يختلط بهم فيتنازل عن شيء من دين الله، فإنه لا يقف عند ذلك التنازل، وتلك الطاعة والمودة والمداهنة، لأن الكفار لا يقفون عند هذا، كما قال الله في هذه الآية: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، فإنهم لن يقفوا عند هذا، بل سيطمعون ويطلبون منك ما هو أعظم من ذلك حتى يخرجوك من دين الإسلام. فلا يستدرجك الشيطان بخطواته فتتنازل لأجل دنيا بشيء يسير، فيتبعه الكثير الذي نهايته والعياذ بالله نزع الإيمان من قلبك. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.