الدرس في تفسير سورة الممتحنة من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع تفسير الآيات الأولى من سورة الممتحنة وسبب نزولها في قصة حاطب بن أبي بلتعة. كما ناقش المقطع مفاهيم الولاء والبراء والمحبة المذمومة والمحمودة.
الآية الكريمة تنهى عن اتخاذ الكفار والمشركين أولياء مع مودة في القلب، وتؤكد أن المحبة والمودة لهم محرمة. كما تتناول قصة حاطب بن أبي بلتعة واستثناء أهل بدر من القتل.
يتناول المقطع تفسير آية الممتحنة ويشرح حكم موالاة الكفار، ويستدل بقصة حاطب بن أبي بلتعة لبيان التفصيل في حكم المودة للكفار. يبين أن موالاة الكفار قد تكون كفرًا وقد تكون كبيرة.
تم اختتام الدرس بسبب انتهاء الوقت مع التأكيد على تأجيل استكمال الموضوع لدرس قادم. ختم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال المفسر رحمه الله: سورة الممتحنة، مدنية، ثلاث عشرة آية. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: كفار مكة ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾. قصد النبي صلى الله عليه وسلم غزوهم الذي أسره إليكم، وورى بحنين بالمودة بينكم وبينهم. كتب حاطب بن أبي بلتعة إليهم كتابا بذلك؛ لما له عندهم من الأولاد والأهل المشركين. فسترده النبي صلى الله عليه وسلم ممن أرسله معه، بإعلام الله تعالى بذلك، وقبل عذر حاطب فيه. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ أي: بالإسلام والقرآن. ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ من مكة، بتضييقهم عليكم. ﴿أَن تُؤْمِنُوا﴾ أي: لأجل أن آمنتم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي: فلا تتخذوهم أولياء. ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ أي: إسرار خبر النبي إليهم. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أخطأ طريق الهدى، والسواء في الوسط. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذه سورة الممتحنة، سورة عظيمة من سور هذا الجزء، ومن هذه السور في المفصل. وكما قال رحمه الله: سورة مدنية، ثلاث عشرة آية. ويدل على ذلك سبب نزول أول هذه السورة؛ فإنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة على الصحيح، ونزلت بعد بدر بإجماع. وسبب نزول هذه السورة -أي: أوائل هذه السورة- كما جاء في البخاري معلقا، وجاء مسندا خارج البخاري، عن ابن عباس وغيره، في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وما كتب من كتاب. وأصل القصة في الصحيحين، من حديث علي رضي الله عنه، ولكن ليس فيها ذكر سبب النزول. وأما ذكر سبب نزول هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات، فقد جاء كما قلنا في البخاري معلقا، وجاء موصولا خارج البخاري، من عدة أسانيد. وقد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله في «الصحيح المسند من أسباب النزول»، وتراجع عن تصحيحه في آخر حياته رحمه الله، وأعلّه بالإعضال من سفيان بن عيينة. ولكن بعد البحث والتحقيق، الراجح -والله أعلم- أن سبب النزول صحيح، وذلك بعدة أمور. أولها: أصل القصة في الصحيحين، من حديث علي رضي الله عنه. وثانيها: ذكرها البخاري رحمه الله على وجه الجزم. وما ذكره البخاري في صحيحه على وجه الجزم من المعلقات، فالغالب أنه صحيح. ويؤيده أنه جاء بأسانيد عن ابن عباس وغيره، يرتقي بها إلى الحسن. وكذلك يؤيده أنه جاء من طريق عروة بن الزبير، يرويه عن مشائخه وعلمائه، ومشائخ عروة: الصحابة رضي الله عنهم. وجهل الصحابة لا يضر، وهو بإسناد صحيح، رواه ابن جرير، وابن إسحاق وغيرهما، وفيه سبب نزول هذه الآية، وأنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة -أي: هذه الآيات في أول سورة الممتحنة-. فلهذه الأسباب وغيرها ترجح -والله أعلم- صحة سبب نزول هذه الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وأرضاه. وفي هذه الآيات عدة مواضع من العظات والعبر والفوائد، وتعتبر هذه السورة، وأوائلها -في هذه الآيات- من أعظم مباحث المحبة والولاء والبراء. ففيها التفريق بين المحبة المحمودة والمحبة المذمومة، والتأصيل لقاعدة الولاء والبراء بين أهل التوحيد وأهل الشرك، وأهل الإيمان وأهل الكفر، وأهل السنة وأهل البدعة، وأهل الطاعة وأهل المعصية، بحسبها. فقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نداء لأهل الإيمان بهذا المسمى، وتقدم معنى كلام ابن مسعود رضي الله عنه، ومعناه: أن ما بعده من لوازم الإيمان، فلا يليق بالمسلم أن يأتي ما نهي عنه؛ لأنه ينافي الإيمان. وهل معناه أنه يؤدي إلى الكفر؟ الصحيح: أن في هذا تفصيلا، فمنه ما يوصل إلى الكفر، ومنه ما لا يوصل إلى الكفر. وهل فعل حاطب، وما كان بمعناه، يعد كفرا كذلك؟ الصحيح في هذا: تفصيل. أصل مثل هذا الفعل يكون كفر ردة، ولكن إذا وجدت قرينة تدل على عدم الكفر والردة -وهذه القرينة ظاهرة- يدل عليها سابقة لذلك الفاعل، فإنها لا تكون كفرا وردة، بل يكون كبيرة. ويؤيده حديث علي رضي الله عنه في الصحيحين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قبل قول حاطب بن أبي بلتعة لما قال: «والله يا رسول الله، ما فعلته كفرا بعد إيمان، ولا ردة». وقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «إنه قد صدقكم». وفيه كذلك: أن مثل هذا الفعل عظيم، يوجب القتل في الإسلام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر لما قال: «دعني أضرب عنقه». ولكنه جعل مانعا من هذا الفعل: وهو كونه من أهل بدر، فقال: «يا عمر، إنك لا تدري، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فإني قد غفرت لكم». فالحديث فيه إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لحكم عمر، ولكن فيه كذلك: أنه وجد مانعا من العمل بقول عمر، وهو كون الرجل رضي الله عنه من أهل بدر، وأن أهل بدر لهم سابقة تمحي ما يكون من خطايا. وهل من فعل مثل هذا الفعل يكون له استثناء في هذا؟ خلاف بين أهل العلم. والصحيح: أن الشرع لا يفرق بين مجتمع، كما لا يجمع بين متفرق، والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. فالصحيح: من كان حاله كحال حاطب، ودلت القرينة والسياق والسباق على صدق حاله، وأنه لم يفعل ذلك خيانة وكفرا وردة، فإنه يقبل منه. ويؤكده: أن يكون له من السابقة ما يناقض فعله الذي فعل؛ مثل حاطب: قاتل المشركين يوم بدر، وأرسل الكتاب. فقتاله للمشركين يمحي عنه أنه ينافقهم، أو أنه يريد سلامتهم؛ لأنه شارك في قتالهم رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا على الصحيح: من كانت له سابقة، فإن ذلك يمنعه من القتل، ولكن تكون له عقوبة أخرى، بحسب ما يراه الإمام. ومن لم تكن له سابقة، فيكون حكمه القتل في الإسلام؛ لأجل أن يكون عبرة وعظة لغيره، ورادع لمن تسول له نفسه أن يعمل مثل هذا العمل العظيم. وفي قوله جل وعلا: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ فيه التعليم لعدم اتخاذ المحبة مع غير المسلمين، من المشركين والمنافقين والكافرين وغيرهم؛ أنهم أعداء لله ولرسوله ولدينه، ولا يجتمع عدو، لا يجتمع محبة من هو عدو لله ورسوله ودينه في قلب مؤمن، مع إيمانه. ولهذا جاءت هذه الآية مصدرة بنداء الإيمان. وقول المفسر رحمه الله: «أي: كفار مكة»، هذا من التفسير ببعض المعنى. والصحيح: أن الآية عامة، صحيح: سبب النزول في كفار مكة، لكن الآية عامة في كل عدو لله ورسوله ودينه، من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين والملحدين، بل حتى أهل البدع والمعاصي؛ فبحسبهم تكون العداوة. فهناك عداوة وبراءة لا يجتمع معها أدنى محبة؛ كالكفار والمشركين ونحوهم. وهناك من عنده أصل الإيمان، فيبقى له أصل الإيمان، ويبغض بقدر ما كان من بعده عن هذا الإيمان والتوحيد والسنة؛ مثل أهل البدع والمعاصي. وهذا ينبغي أن يتقرر في قلب كل مؤمن، ويطبقه في حياته. وقوله: «أولياء تلقون»، قال رحمه الله: «توصلون». يعني: هذا من التفسير ببعض المعنى كذلك. فالمنهي عنه هو حصول المودة الحسية والمعنوية. المودة الحسية والمعنوية، وليس معناه: أن يكون المسلم فظا غليظا، سيئ الخلق. لم يكن هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن معناه: أن لا يعطي المسلم الدنيا في دينه، وأن لا يدخل الحب -وكذلك المودة- إلى القلب. أما أن تكون باللسان، من باب استعطافهم لدخولهم في دين الإسلام، ومن باب الخلق الحسن، رد الحسنة بمثلها، وأفضل منها إن استطاع؛ تحسينا وتجميلا للإسلام، فهذا لا يمنع منه الإسلام. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام -كما جاء في حديث عائشة وغيرها في الصحيحين- يرد السلام على أهل الكتاب، وعلى الكفار إذا سلموا، ولكن بالمثل لا يزيد. وكان يقبل دعوتهم، ويقبل ضيافتهم، وغير ذلك مما كان من النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين والكافرين، لكن بغير أن تكون هناك محبة ومودة في القلب. المودة محرمة، والمحبة محرمة. وكذلك لا ينافي ذلك المحبة الفطرية التي لا تنافي الدين؛ فالمحبة الفطرية التي لا تعارض الدين مأذون فيها، في حدود ما أذن فيه الشرع. وأما، أن يكون معها ما ينافي الدين؛ مثل: الاستغفار، والتنازل عن بعض الدين لأجل هذه المحبة الفطرية، من قرابة ونحوها، فهذا حرام في الإسلام. وفي الصحيحين، من حديث أنس: «أكثروا على النبي صلى الله عليه وسلم مرة بالسؤال، حتى سأله رجل -وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة المسألة- فقال: أين أبي؟ قال: أبوك في النار». فلما وجد في وجهه تأثرا، قال: «أبي وأبوك في النار»؛ لأجل أن يبين له: أن هذا الحكم ليس خاصا بأبيه، فكل من مات على الكفر والشرك فهو في النار. وجاء كذلك: «أبي». الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها، فأذن لي» الحديث. فإذا كان أبواه صلى الله عليه وسلم في النار، ونهي عن أن يستغفر لهما، فغيره من باب أولى. وقوله رحمه الله: «تلقون إليهم»، قال: «قصد النبي صلى الله عليه وسلم غزوهم الذي أسره إليكم، وورى بحنين». والمعنى: أنه أراد في عام الفتح أن يخفي غزوه عليه الصلاة والسلام للمشركين في مكة، فلم يخبر الناس؛ لأجل أن يبغت أهل مكة. وفعلا أعانه الله على ذلك، ووفقه. ولكن وقعت هذه الخطيئة، حيث كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا. وفي الرواية: أن معه آخرين، فقد جاء في بعض الروايات: حاطب ومن معه. والظاهر: أنهم كانوا جميعا من أهل بدر، وأرسلوا الخطاب مع امرأة. فأوحى الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وأمر عليا، ورجلا آخر أن يذهب إلى روضة -أي: بستان- وحديقة اسمها «خاخ». قال: «إنكم ستجدون امرأة معها كتاب، فخذوه منها». أوحى الله لنبيه في هذا: علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فذهب، ووصل إلى الحديقة، ووجد المرأة، فقالوا لها: «أخرج الكتاب». قالت: «ما عندي من كتاب». فقالوا لها: «أخرج الكتاب، لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتابا». قالت: «ما عندي من كتاب». فقالوا في الثالثة: «والله لتفرجن الكتاب، أو لننزعن الثياب». فخافت، فأخرجت الكتاب. وفي هذا دليل على جواز هذا الفعل لمن كان حاله كحالها؛ فإن الضرورة تبيح المحظور. الضرورة تبيح المحظور. فأخرجت الكتاب، فكان فيه: أنه كتاب من حاطب بن أبي بلتعة. القصة. وقوله رحمه الله تعالى: «بالمودة»، قال: «بينكم وبينهم». كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى آخره، يعني: هكذا جاء في حديث علي، وفي سبب نزول الآية، عن ابن عباس، وعروة بن الزبير، وجماعة. وكما تقدم: معنى الصحيح: أن أصل القصة أولا ثابت في الصحيحين، وسبب نزول الآية كذلك -على الصحيح- ثابت. وعلمنا كذلك: أن هذا الفعل ما حكمه؟ وأن الراجح: أنه في حق حاطب لا يعتبر كفرا وردة، وأن ذلك؛ لأن عنده من البينة ما يدل على ذلك. وفي هذا رد على دعاة التكفير، الذين يكفرون بموالاة المشركين مطلقا. والصحيح: أن موالاة المشركين فيها تفصيل؛ فإن من الموالاة ما يوصل إلى الكفر والردة، وإن من الموالاة ما لا يوصل إلى الكفر والردة. فإذا دلت القرينة الصحيحة، والسابقة على عدم الردة، فإنه يكون ليس بكفر والردة، ولكنه يكون كبيرة. ويدل على ذلك: فعل حاطب، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يفعل ذلك ردة، ولا كذلك نفاقا. وقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾ قال: «دين الإسلام». قال: «دين الإسلام والقرآن»، هذا بعض أسباب الكفر والعداوة. وإلا فكل من كفر بشيء، أو جحد شيئا من دين الإسلام، فإنه يكون له حكمه، بما يستحقه، والعداوة بما يستحقها. وقوله سبحانه: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ قال: «من مكة، بتضييقهم عليكم». وهذا من التفسير ببعض المعنى؛ فإن العداوة معانيها كثيرة، ومنها: أذية المؤمنين. ومعناه: من وقعت منه عداوة لبعض المؤمنين، لا ينبغي أن يقول البعض الآخر: «ما وقعت العداوة والأذية عليها، إنما وقعت على غيري». هذا ليس بصحيح، بل أهل الإيمان شيء واحد. مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد. فعداوتهم لبعض أهل الإيمان، هي عداوة لأهل الإيمان جميعا. وهذا الولاء والبراء الذي ينبغي أن يكون بين أهل الإيمان فيما بينهم، ومع من عداهم. وعاد بعضهم. وهكذا كذلك قوله: ﴿أَن تُؤْمِنُوا﴾ قال: «لأجل أن آمنتم». يعني: العداوة لأجل الإيمان. وفيه دليل: أن لا يكون خلط في المسائل؛ فلا نجعل الخلافات الدنيوية سببا للعداوات الدينية. وهذا حرام، ولا يجوز. وهذا من الظلم: يختلف إنسان مع آخر -كافر، أو مبتدع، أو عاص- لأجل دنيا، أو مال، أو شراكة، فيبدأ يحكم عليه بالردة والكفر، وغير ذلك من الأحكام، ويخلط المسائل. يخلط المسائل الدنيوية بالمسائل الدينية، هذا ظلم، ولا يجوز؛ لأن الله عز وجل جعل التعليل بهذه العلة، والتأكيد عليها: ﴿أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ يعني: كانت عداوتهم لأجل الإيمان. أما من كانت عداوة لأجل الدنيا، فيعامل بحسبها؛ إن كان ظالما، أو كان مظلوما، فهذا شيء آخر. وقوله سبحانه: ﴿خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ يعني كذلك: عادوكم لكونكم تقاتلون في سبيل الله، وابتغاء مرضات الله. والجواب: جواب الشرط هو: أن لا يتخذ هؤلاء أولياء، كما ذكر رحمه الله في التفسير. وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ﴾ يعني: أن الله عز وجل أخبر، وبين، وفضح هؤلاء؛ لأنهم فعلوا شيئا ينافي الظاهر. وحذر ربنا سبحانه وتعالى من هذا الفعل؛ أي: لا يجوز لمؤمن أن يفعل هذا الفعل: الإسرار بالمودة، مع الإظهار بالعداوة. القتال: إظهار بالعداوة، والخطاب: إسرار بماذا؟ بالمحبة. قد تكون المحبة غير موجودة في القلب، لكن إذا وقع من الفعل ما هو من معاني المحبة، فإنه لا يجوز، ويكون على ظاهره. وهل فيه دليل على التكفير لوجود المودة؟ الجواب: نعم، على التفصيل الذي تقدم. فمن كان في قلبه مودة، وفي فعله مودة تنافي أصل الإيمان، فإن هذا يكون كفرا وردة. ومن كان ذلك لا ينافي أصل الإيمان، لكن كان لغرض من الأغراض الدنيوية؛ مثل ما وقع ها هنا: أراد أن يحمي أولاده وماله، فهذا ضعف في الإيمان، وهو مما يكون كفرا دون كفر، كما جاء عن ابن عباس وغيره: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ كل الأحكام الثلاثة صحيحة. ففي حق بعض الناس: كفر، وفي حق بعض الناس: فسق، وفي حق بعض الناس: ظلم. هذا هو الصحيح في حكم المودة، وفي حكم الحكم بغير ما أنزل الله، وما كان بمعناه. ويدل على ذلك: أدلة الكتاب والسنة، وسيرة الصحابة، والأئمة. وقوله سبحانه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قال: «أخطأ طريق الهدى، والسواء والمطلوب هو الوسط». يعني: أن يكون عنده تحقيق للتوحيد والعقيدة، والولاء والبراء، ومراعاة المصالح من المفاسد. ومن ذلك: أنه إذا رجى الكفار -يدخل في دين الإسلام، ويذفع شرهم- عاملهم بالضوابط الشرعية، من التأليف والترغيب والمداراة -ليس المداهنة-. ولهذا فرق أهل الإسلام بين المداهنة، وبين المداراة. وفرق أهل الإسلام بين التأليف، وبين التنازل، وتضييع الدين، وغير ذلك من التفاصيل المذكورة. طيب، نقف في هذا القدر لانتهاء الوقت، ونترك الباقي في درس لاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.