الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بتمهيد إسلامي تقليدي يشمل الحمد لله والشهادتين والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يعد إشارة إلى بدء حديث أو خطبة دينية.
يصف جزاء من خاف مقام ربه في يوم القيامة، حيث له جنتان ذواتا أفنان وعينان تجريان، ويتضمن وصفا للنعيم الذي يتنعم به أهل الجنة، ويُفسر الخوف من مقام الله بالتقوى والابتعاد عن المعاصي.
يتضمن وصفا مفصلا لنعيم الجنة وفواكهها، حيث ذكر أن فيها من كل فاكهة نوعان، وتحتوي على ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر، مع وصف لطريقة تنعم أهل الجنة بثمارها وفرشهم ولباسهم.
يؤكد على أن من خاف مقام ربه ومراقبته استحق جنتين ذواتا أفنان، وفيهما عينان تجريان، مع التأكيد على أن التوبة تجب ما قبلها والإسلام يجب ما قبلها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال المفسر رحمه الله: «ولمن خاف مقام ربه جنتان»، أي لكل منهم أو لمجموعهم مقام ربه، قيامه بين يديه للحساب، فترك معصيته جنتان، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. «ذواتا» تثنية ذوات على الأصل، ولا مهاياء. «أفنان» أخصان، جمع فن كطلل، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فيهما عينان تجريان، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فيهما من كل فاكهة، في الدنيا أو كل ما يتفكه به، زوجان، نوعان رطب ويابس، والمر منهما في الدنيا كالحمض لحلو، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. «متكئين» حال عامله محذوف، أن يتنعمون، على فرش بطائنها من استبرق، ما غلظ من الديباج وخشن. والظهائر من السندس. «وجنى الجنتين» ثمرهما دان، قريب يناله القائم والقاعد والمطنع، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة، وفي هذه الآيات بعد أن ذكر الله عز وجل أهوال يوم القيامة وما فيه من أمور عظام، وما تضمنه من العظات والعبر والتهديد والوعيد للمشركين والكافرين والمجرمين، ذكر بعده سبحانه وتعالى، بعد أن ذكر حال أهل النار، ذكر جل وعلا هنا حال أهل الجنة. وهكذا هي آيات القرآن مثاني، يذكر أهل الجنة وأهل النار، أو أهل النار وأهل الجنة، أهل النعيم وأهل العذاب. وقال الله عز وجل: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، قال: أي لكل منهم أو لمجموعهم، يعني روايتان ووجوه عند أهل التفسير. ومن قال بالأول لزم منه التفريق بين أهل الجنة الأولى وأهل الجنة الثانية. وظاهر الأحاديث أنه يجمع لمن وفقه الله لهذا الوصف بين الجنتين، وجنتين من دونهما، كما جاء عند الطبراني وغيره، الحديث «بالدرداء» أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، وذكر الجنتين كما في حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري وغيره: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» الحديث. فقال أبو الدرداء: «وإن زنا وسرق يا رسول الله؟» فكرر النبي صلى الله عليه وسلم الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فرد السؤال أبو الدرداء رضي الله عنه: «وإن زنا وسرق يا رسول الله؟» فرد النبي صلى الله عليه وسلم الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فرد السؤال أبو الدرداء مرة ثالثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن أبى» -أو «وإن رغم أنفه»-، أبو الدرداء. ومعناه: أنه طاهر، بأن من وفقه الله لمن خاف مقام ربه جل وعلا، وإن كانت له ذنوب سابقة، فمن خاف ربه خوفا حقيقيا صادقا، معناه أنه يتوب توبة صادقة صحيحة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبلها. فإن تاب الإنسان توبة صادقة صحيحة بشروطها، فإنه لا يحرم -ما دام خاف الله ومقام ربه- من هذا الفضل العظيم والنعيم المقيم الذي جعله الله عز وجل لمن وصل إلى هذه المنزلة العظيمة. ولكن يستلزم الاستمرار على هذا الخوف وهذه المراقبة. ولهذا قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾، ومعناه خوف ومعه ماذا؟ مراقبة. ولما أتى بهذين الوصفين استحق هاتين الجنتين. جنتان في مقابل عبادتين يتعبد بهما العبد لربه سبحانه وتعالى، ويلازمهما حتى يتوفاه الله سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله: «مقام ربه» قيامه بين يدي الحساب، ترك معصيته جنتان. والظاهر أن «مقام ربه» أعم من قيامه بين يدي الله سبحانه وتعالى، بل المقصود والله أعلم -كما قاله بعض المفسرين- مراقبة الله وملازمة ذلك حتى يلقى الله سبحانه وتعالى. ولما في هذا من عظيم نعمة الله لمن حقق هذا الوصف، فيلزمه هذا الجزاء، أتبعها بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، وهذا تذكير بنعمة الله، فلا نكذب بشيء من آلائه ونعمه سبحانه وتعالى. وقوله: «ذواتا» قال: تثنية «ذوات» على الأصل، ولا مهاياء. يشير إلى خلاف مشهور معروف عند اللغويين من أهل الصرف وغيرهم. أشار في التعليق إلى هذا الخلاف في أصل «دي»، لأن «ذات» أصلها «دي»، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصارت «ذا»، فهو يشير إلى هذا المعنى. ثم أشار في تثنيتها: «فإن هاهنا ذواتا»، وقد اختلف في تثنيتها: هل تثنى على «ذاتان» أو «ذواتا»؟ وأشار هنا إلى أن ما جاءت به الآية على الفصيح. وقال بعض أهل العلم: هما لغتان، أي طريقتان في نطق هذه الكلمة، وينطق على «ذات ذاتان»، وينطق على كذلك «ذات ذواتا»، أي تثنية «ذا». وكلاهما سمع عن العرب، والأفصح ما جاء به القرآن، فقد نزل القرآن على أفصح لغة العرب، أي تثنيتها «ذواتا». وقوله: «أفنان» قال: أغصان، جمع «فن» كـ«طلل». وكما تقدم معنا وتقرر وتكرر: أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فـ«أفنان» هو الغصن وغيره مما يكون فيه معنى الجمال والكمال. ومعنى «أغصان كاملة» في جمالها، وكذلك ما تحمله من ثمارها، فلذلك سميت «أفنان». ولذلك لا يقال لجنة أغصانها لا تحمل ثمارا ولا جمالا بأنها «أفنان»، وإنما يقال «أفنان» للأغصان الممتلئة بالثمار والورق والأزهار، ومعنى الجمال ومعنى الكمال الذي يكملها ويجملها. فيكون معنى «أغصان مكملة» في الجمال والكمال، وما تحمله من الأوراق والثمار وغير ذلك. ولهذا كُرر التذكير بنعمة الله بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، فلا نكذب بشيء من آلائه ونعمه سبحانه وتعالى. ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾، أي الجنتان، والضمير يعود إلى أقرب مذكور، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. «عينان» دون عيون أخرى. وقد أخفي هذا المذكور، وذكر في سورة محمد وغيرها من السور الأخرى أنواع العيون الجارية التي ينعم الله عز وجل بها أهل جنته ونعيمه سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ﴾، قال: في الدنيا أو كل ما يتفكه به. وكما مر معنا: ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء. هذا إضافة إلى أنه فيها ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. فكل ما في الدنيا من فواكه على كثرتها، وكذلك اختلافها، فالآخرة وجنة الله سبحانه وتعالى لا تحرم من شيء منها، بل وفيه أكمل وأعظم مما في الدنيا، وشيء زائد عن ذلك مما لم يخطر بقلب بشر، ولم تره عين إنس ولا جان. وقوله: «زوجان» قال: نوعان، رطب ويابس. والمر منهما في الدنيا كالحمض لحلو. ومعناه: «زوجان» أي نوعان. والمراد بالأزواج أي الأجناس المتقاربة المتشابهة. وهذا من نعيم الله وإتمامه لإكرامه لأهل جنته ورضوانه سبحانه وتعالى، أنه يكرمهم بأن يوجد لهم من كل فاكهة مما في الدنيا ما هو أعظم مما في الدنيا. أولا في وصفه وجنسه، وثانيا في كونه يوجد منه أزواج، يوجد منه أزواج أي أنواع متنوعة في الطعم والحلاوة وغير ذلك من الصفات التي يكون بها التلذذ والتنعم. وقوله: «والمر منهما» يشير إلى أن حتى ما في الدنيا مما فيه مر، فإنه يكون على أكمل وجوه في الآخرة، فلا يكون مرا بل يكون حلوا. وهذا تقريب للمعنى، وإلا فإن نعيم الله أعظم من ذلك. فإن الله يكرم عباده بما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر. ولهذا كذلك ذكروا بهذه الآية: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، تذكيرا بعظيم إنعامه وآلائه، فلا نكذب بشيء من نعم الله وآلائه سبحانه وتعالى. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ قال: حال عاملهم محذوف، أن يتنعمون متكئين. والمعنى أن هذا الوصف هو لحال التنعم الذي يكون لأهل الجنة. «على فرش بطائنها من استبرق» قال: ما غلظ من الديباج وخشن. وكما تقدم وتقرر وتكرر: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فـ«الاستبرق» أفخر أنواع الديباج، أي الحرير. وليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء. قال: والظهائر من سندس. يعني لها باطن وظاهر، كما جاء في الآيات الأخرى. «وجنى الجنتين» قال: ثمرهما دان، أي قريب يناله القائم والقاعد والمتكئ. ومعناه وصف لكيفية تنعم أهل الجنة، فإنما تنعمون في فرشهم ولباسهم وطريقة أكلهما. ومن ذلك ومن ذلك أن ما يجنونه من الثمار سهل ومتيسر على كل أحوالهم. «دان» نكرة في سياق الإثبات، تفيد الإطلاق، أي أنه دان مطلقا على كل الوجوه. ولهذا قال: «يناله القائم والقاعد والمتكئ». وجاءت السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسر ذلك، فإنه يتناول من تلك الأفنان -أي ما في تلك الجنان من غصون وثمار وغيرها- على كل أحواله. من تمام وكمال الإنعام لأهل جنته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم السامعين من أهلها، وأن يعيدنا وإياكم من النار وعذابها، اللهم آمين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.