تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 7

تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 7

الدرس في تفسير سورة الرحمن من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف نساء الجنة وجمالهن

تتحدث الآيات عن نعيم أهل الجنة وصفات نساء الجنة، حيث هن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. يُبين المفسر صفاتهن وكمالهن ويشبههن بالياقوت والمرجان في صفاءهن وبياضهن.

صفات نساء الجنة ووفاؤهن لأزواجهن

يصف المقطع صفات نساء الجنة وكمالهن ووفاءهن لأزواجهن، ويبين أنهن مقصورات على أزواجهن. كما يتناول مسألة جواز تزاوج الإنس والجن في الجنة وأن الله يعيد نساء الدنيا المؤمنات إلى حال أفضل.

جزاء الإحسان في الآخرة

الإحسان في الدنيا يقابله جزاء مثله أو أعظم منه في الآخرة، حيث وعد الله الذين أحسنوا بالحسنى وزيادة. يجب عدم تكذيب نعم الله وآلائه والاعتراف بإحسانه على عباده.

التفريغ النصي الكامل

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ۞ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۞ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ۞ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۞ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ۞ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قال المفسر رحمه الله: "فيهن" في الجنتين وما اجتمع عليه من العلالي والقصور "قاصرات الطرف" العين على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن، "لم يطمثهن" يفتضهن، وهن من الحور أو من نساء الدنيا المنشئات "إنس قبلهم ولا جان"، "فبأي آلاء ربكما تكذبان"، "كأنهن الياقوت" صفاء، "والمرجان" أي اللؤلؤ بياضًا، "فبأي آلاء ربكما تكذبان"، "هل جزاء الإحسان" بالطاعة "إلا الإحسان" بالنعيم، "فبأي آلاء ربكما تكذبان". بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة، سورة الرحمن، التي فيها من معاني تعظيم الله وآياته وآلائه ما يناسب اسمه العظيم الرحمن، وما فيه كذلك من أعظم العطايا والعبر والتذكير، مع ما فيه من التهديد والوعيد والتذكير باليوم الآخر، وما أعد الله للكافرين والمجرمين، وما عده من نعيمه للمؤمنين والمتقين. ومرت معنا الآيات في ذكر صفات أهل الجنة، بعد أن ذكر بعض صفات النار وأهلها، ومن نعيم أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم والسامعين من أهلها- ونجانا وإياكم والسامعين من النار وعذابها- ذكرها هنا المفسر رحمه الله. قول الله عز وجل "فيهن" قال: في الجنتين وما اجتمع عليه من العلالي والقصور "قاصرات الطرف"، والضمير اختلف العلماء في عوده من أهل التفسير، فمنهم من عاده على المذكور من الجنان: جنتان وجنتان، أي أربع جنان، ومنهم من عاده إلى الفرش؛ لأنه أقرب مذكور في قوله سبحانه وتعالى: "مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ"، والظاهر -والله أعلم- أنه يعود إلى كليهما. فمن كمال وصف نساء الجنة أنهن مقصورات، ولهذا قال "فيهن قاصرات الطرف"، وهن قاصرات بمعنى اسم الفاعل، أي فيهن هذا الوصف، أي قاصرات، فلا ينظرن إلا إلى أزواجهن؛ لهن من التعلق والاكتفاء والحب والقرب ما جعلهن لا يلتفتن إلى شيء آخر إلا إلى الأزواج، إكرامًا من الله الكريم الرحمن، وإكمالًا بتنعيم عباده سبحانه وتعالى في تلك الجنان. وعلى تقدير تعلقه باسم المفعول "قاصرات الطرف" أي مقصورات الطرف، فقد كان عندهن من الحسن والجمال ما جعل أزواج هؤلاء النساء -نساء الجنة الحور العين- يأخذن بقلوب الأزواج، فصاروا من شدة جمالهن وحسن أخلاقهن واقتصارهن على خدمة أزواجهم، أزواجهم يجعل أزواجهم مقصورين في هؤلاء النساء، ليس لهن أدنى التفات ولا خاطر في غيرهن. بخلاف حال الرجال والنساء في الدنيا، فإن الرجل مهما صلح، الشيطان يلعب بقلبه فيحرك فيه الخواطر في الالتفات -ولو بالقلب- في غير أهله، والموفق من وفقه الله، فلا يزال المؤمن التقي يجاهد قلبه بأن يغنيه الله بالحلال عن الحرام، وبما في يده عما في أيدي الناس. وقد أنزل الله عز وجل في حق رسوله عليه الصلاة والسلام ما يدل على هذا المعنى، فكيف لمن هم دون الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؟ وأما أمر الآخرة، فإنه من تمام الإنعام وإكمال الإحسان، يجعل الله عز وجل الجميع مكتفيًا بما أعطاه الله، حتى لا يخطر بباله، فضلًا أن يكون في جوارحه ما ينافي ذاك العطاء العظيم الذي يسره ومهده الرب الكريم سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين والمتقين. وعلى هذين المعنيين يكون في النساء من الصفات العظيمة ما يجعلهن سببًا في اكتفاء الرجال بهن، وفي كذلك النساء من الأدب والكمال ما يجعلهن لا يلتفتن -لا بقلوبهن ولا بأجسادهن- إلى ما سوى الأزواج، وهذا كمال في الوفاء والإكرام والإنعام للأزواج -رجالًا ونساءً- في جنته سبحانه وتعالى. وكذلك على تقدير عود الضمير "فيهن" أي على الفرش البطائن التي هي من استبرق، وما فيها، يكون زيادة في الإكمال: أنهن ليسن مقصورات في البيت، بل مقصورات في الفرش، أي يلبثن، لم يزلن لابثات في الفرش، أي أنهن يكرمن الأزواج غاية الإكرام فيما يحتاج إليه هؤلاء الأزواج في الفرش. وكذلك نظائر هذا كثيرة في كتاب الله، ومن ذلك ما أخبر الله عز وجل عن أهل الجنة في سورة يس: "إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ"، فقد شغلهم الله عز وجل بنعيمه أن تلتفت قلوبهم أو أجسادهم إلى غير ما أنعم الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله عز وجل: "لَمْ يَطْمِثْهُنَّ"، وقبل ذلك قوله: "قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ"، قال العين: تقدم معنا أنه على اعتبار اسم الفاعل أو المفعول، فكيف يكون عود هذا المعنى؟ وقوله: "على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن"، تقدم معنا أن الآيات في أولها ذكرت الإنس والجن، فيكون هذا الإنعام للإنس والجن، وأن هذا الإكرام للإنس والجن جميعًا. وقوله سبحانه: "لَمْ يَطْمِثْهُنَّ" قال: يفتضهن، وهن من الحور أو من نساء الدنيا المنشئات، وذلك أن أصل لفظ الطمث هو الدم، وما كان بمعناه، ولذلك يسمى دم الحيض طمثًا، والمراد به أنهن يكن أبكارًا لم يمسهن أحد، فتفتض بكارتهن، أو كان منهن شيء من الدم الذي هو بسبب ذلك، ومعنى أنهن أبكار غاية في النقاء والصفاء. وقال: "وهن من الحور"؛ لأن من نساء الجنة من هن من الحور، من يكرم الله عز وجل به رجال أهل الجنة، ومنهن صالحات المؤمنين من الجن والإنس، فهؤلاء كذلك من أهل الجنة، فمن كانت منهن متزوجة أو كذلك أرملة لزوجها أو مطلقة أو نحو ذلك، فهي في الدنيا ذهبت بكارتها، فالله عز وجل يعيدها أفضل مما كانت، بل تكون أفضل من الحور العين، كما قال الله عز وجل في آيات سورة الواقعة: "إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ۞ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ۞ عُرُبًا أَتْرَابًا". فيكمل الله نساء الدنيا حتى يكون أكمل من نساء الجنة الحور العين، ويكون كذلك غاية في الكمال والجمال في الظاهر والباطن، وفي الخلق والخُلق. وقوله: "لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ"، في هذا دليل أولًا على أن التنعيم والإكمال يكون للإنس والجن، فكما أن نساء المؤمنين يكون في الجنة من الإنس، فكذلك نساء المؤمنين من الجن يكون كذلك في الجنة. وهل في الآية دليل على أن الإنس الجني قد يباشر ويجامع الإنسية أو العكس، أي الجنية قد تباشر أو يباشرها الإنسي؟ استدل كثير من أهل العلم بهذه الآية على هذا المعنى، وهي مسألة فقهية مشهورة، ونفى ذلك بعض أهل العلم، وقالوا: الآية ليست صريحة في الدلالة على هذا المقصود. والظاهر -والله أعلم- أن الآية تدل على هذا المعنى، ويدل عليه ما أخبر الله عز وجل في سورة النساء وغيرها من أن الله قد يبتلي فيجعل للشياطين من الإنس أزواجًا وذرية، وهذا يكون بهذا المعنى -والله تعالى أعلم- وبما يقول من تسلط الجن على الإنس إذا لم يتحصن الإنس بما ينبغي التحصن به فيما جاءت به الشريعة. ولما ذكر الله عز وجل هذا النعيم العظيم والإحسان الكبير، أتبعه بآية التذكير بآلائه ونعمه، فقال سبحانه: "فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"، فلا نكذب بشيء من آلائه ونعمه سبحانه وتعالى. وقوله: "كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتَ" قال: صفاء؛ لأن الغالب على الياقوت -كما تقدم معنا- أن يكون زجاجيًا، ولو اختلفت ألوانه، فيكون فيه من الصفاء ما يرى ما خلفه أو ما بداخله. وكذلك من عظيم وصف الرب الكريم لنساء الجنة -من حورها وصالحي نسائها المؤمنين المتقين- أنهن فيهن من الجمال والصفاء ما هو مثل الياقوت، أي صافيات نقيات، حتى أن مخ العظام والعروق يرى كما يرى ما في الياقوت وخلفه. "والمرجان" قال: اللؤلؤ بياضًا، وتقدم معنى أن المرجان ليس اللؤلؤ، ولكن كثير من المفسرين استدلوا بذكر المرجان على جواهر البحر والماء، فكأنه قال: فيهن من الجمال ما هو أعظم من أعظم جواهر الأرض جمالًا، وما هو أعظم من جواهر البحر جمالًا. فيكون المرجان من ذكر البعض والمراد به الكل، فيدخل فيه اللؤلؤ والمرجان، واللؤلؤ جماله في بياضه وصفائه ولمعانه، والمرجان بأشكاله، فأخذ لون اللؤلؤ وأخذ شكل المرجان، فيدل على أنهن فيهن من القوام واللون ما هو أكمل الألوان والقوام. والمرجان عروق نحيفة طويلة من عروق البحر يكون فيها جمال، وكذلك تشبه المرأة الجميلة النحيفة الرشيقة بهذا الجمال، فيكون المرجان فيه إشارة إلى الشكل وكونهن من جنس البحر. وقد ذكر الله عز وجل اللؤلؤ مع المرجان في مواضع يكون فيه إشارة إلى اللؤلؤ، فقوله: "اللؤلؤ بياضًا" ذكر هذا بعض المفسرين، وليس هو مذكورًا، ولكن كما قلنا: لأن جنسه جنس ما في البحر، وهذا يدل على غيره، وهو من ذكر البعض والمراد به الكل. ولما كان هذا شيئًا عظيمًا جعل الله عز وجل هذه الآية متبوعة بآية التذكير المذكرة بنعمة الله، وإن قال قائل: هذا بالنسبة للرجال، فماذا للنساء؟ فالجواب: أن النساء يعطين من الجمال والكمال ما هو أعظم من جمال وكمال حور العين، وهذا بالنسبة للمرأة من أعظم النعيم. لو سئلت المرأة في الدنيا: ماذا تريد من نعيم الدنيا مع زوجك؟ ستقول: لا أريده إلا أن يكون لي خالصًا، لو كان هذا، فكان هذا من أعظم نعم الله عليها، فكيف إذا قصر الله زوجها عليها، وقصرها على زوجها، وأعطاها من الكمال والجمال ما يجعلها تحتفي بنفسها، ويحتفي بها زوجها؟ والله عز وجل لما وصف النساء وصفهن، وهذا هو طبيعتهن تعلقهن بالزينة، أو من ينشأ بالحلية، وهو بالقصام غير مبين، وهذا هو كمال الإنعام بالنسبة للنساء، وهكذا كذلك للرجال. فلما كان كذلك، قال الله عز وجل: "فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"، تذكيرًا بعظيم نعمه وآلائه في هذا وفي سائر ما ذكر من نعم الله وآلائه، فلا نكذب بشيء من نعم الله وآلائه. ثم ختم هذه الآيات لتشير إلى غيرها من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، فلما كان أهل الجنة هم الأتقياء الأوفياء الذين قابلوا ما كان من إحسانهم بالدنيا بالإحسان بالآخرة، ومعناه: كل إحسان كان في الدنيا يكرمهم الله بمثله وأعظم في الآخرة. فلما كان منهم العفة، وكذلك الاستقامة، قابلهم الله بهذا الجزاء، فكذلك كل ما كان من تقوى وطاعة لله في الدنيا يقابلها إحسان من الله بالآخرة، فقال سبحانه: "هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ"، أي: هل جزاء كل طاعة -كما قال- بالطاعة والإحسان؟ لا شك أنه أعم من الطاعة، معناه: إحسان قولي وإحسان فعلي، إحسان ظاهر وإحسان باطن، إحسان متعدي وإحسان لازم. فكل معاني الإحسان في الدنيا لها مثلها في الآخرة، لها مثلها في الآخرة، ومعناه: أن في الآخرة من الإحسان ما هو عدل وزيادة، ما هو عدل وزيادة في الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة المتعدية واللازمة، وغير ذلك من معاني الإحسان من الله سبحانه وتعالى الكريم الرحمن. وقوله: "إِلَّا الْإِحْسَانُ" يعني: إحسان الدنيا قابله جزاء مثله، بل وأعظم منه، وهو إحسان الآخرة، كما قال الله عز وجل: "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ"، فالإحسان القولي يقابل إحسان قولي وأفضل وأعظم منه، والإحسان الفعلي يقابل إحسان فعلي وأعظم وأفضل منه، وهكذا في كل ما سبقت الإشارة إليه. وبعد هذا جاء التذكير بقوله: "فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ"، فلا نكذب بشيء من نعم الله وآلائه سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.