القواعد والأصول الجامعة 86

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 86، الدرس السادس والثمانون : من : ( القاعدة الثامنة والأربعون ... وإلا طال الفصل بين أبعاض الوضوء أعاده كله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح قاعدة اتصال الفعل الواحد وضوابطه

تناول المقطع قاعدة اتصال الفعل الواحد وأوضح أن الفعل يمكن أن يبنى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد، مشيرًا إلى أمثلة توضح ذلك مثل الوضوء وتطهير الماء النجس. وأشار إلى أن الانقطاع اليسير عرفًا لا يضر باتصال الفعل.

أحكام الماء إذا أصابته نجاسة وتغير

إذا أصابت نجاسة ماءً كثيرًا ولم تغير طعمه أو لونه أو ريحه، يبقى طهورًا. أما إذا تغير بفعل النجاسة، فإنه يطهر بزوال التغير بأي وسيلة.

ضابط الموالاة في الوضوء وتطبيقات الاتصال المعتاد

شرح المقطع شرط الموالاة في الوضوء وضابط الفصل القصير والطويل، وتطرق إلى أمثلة على الاتصال المعتاد في أحكام شرعية أخرى مثل الرضاع والحلف والسرقة والطواف وكسب المال.

حكم الفاصل المعتاد وتأثيره على الأحكام

إذا كان الفاصل معتادًا، يلحق به ما قبله، وإلا فلا يلحق به. وهذه قاعدة في وصل الجمل أو فصلها، وقد تم ذكرها بإيجاز.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الملك رحمه الله تعالى: القاعدة الثامنة والأربعون: «قال الفعل الواحد ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد». هذه القاعدة هي قاعدة من القواعد المختلف فيها. وقد ذكرها الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى بقواعده في القاعدة الثالثة بعد المئة. وكثير من هذه القواعد التي مرت معنا مأخوذة مما ذكره الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى بقواعده. ومعنى القاعدة أن الفعل الواحد إذا كان من جنس واحد، وبعضه يصلح أن يتصل ببعض، جاز أن يلحق بعضه ببعض إذا حصل بينها انقطاع، لكن هذا الانقطاع معتاد. وهذا الاعتياد إما اعتياد شرعي أو اعتياد عرفي، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في الأمثلة. قال رحمه الله تعالى: وذلك أن الانقطاع اليسير عرفًا بين مفردات الفعل الواحد لا يضر ولا يقطع اتصاله. وهذا شرح للعبارة، يقول: إن الانقطاع اليسير عرفًا بين مفردات الفعل الواحد لا يضر ولا يقطع اتصاله. فمثلًا لو أن رجلًا توضأ من إناء أو بئر، اغترف من هذا البئر فتوضأ، فلم يكفي الماء الذي أخذه بهذا الوعاء الذي أخرج به الماء من البئر لإكمال سائر الوضوء، فهل إذا أرسل الوعاء مرة أخرى ليكمل الوضوء صار هذا الانقطاع مما يجيزه العرف أم لا؟ الجواب: نعم، مما يجيزه العرف. وهكذا كما سيأتي ببعض الأمثلة الأخرى، يرجع بذلك إلى العرف، فضلًا عما دل الشرع على جواز الانقطاع به، مثل العطاس وهكذا، كذلك الكحة ونحوها مما يقطع الأعمال، أو كذلك كما سيأتي في الصلاة مثلًا: سهو فانقطع، ما أكمل وواصل حتى أخبر بما يتم به المواصلة، مثل حديث «لليدين». فهذا كله مما دل العرف والشرع على الانقطاع اليسير الذي لا يضر. قال رحمه الله تعالى: مثال ذلك إذا اعتبرنا تطهير الماء النجس بإضافة الماء الكثير إليه، لا يشترط أن يصب عليه دفعة واحدة، بل إذا صب عليه شيئًا فشيئًا حصل المقصود. هذه مسألة من المسائل الخلافية بين أهل العلم، وهي مسألة تطهير الماء النجس. ومسألة تطهير الماء النجس الناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يقول: إن الماء النجس لا يطهر أبدًا، ومنهم من يقول: الماء النجس يطهر مطلقًا، ومنهم من يقول: الماء النجس يطهر لكن بشرط. ثم اختلفوا بهذا الشرط، فمنهم من قال: أن يصب إليه الماء إذا كان بالتكثير دفعة واحدة، أو إزالة النجاسة دفعة واحدة. ومنهم من قال: بل لا بأس أن تزال النجاسة ولو دفعات، إما بنزح وإما بتكثير. وذلك أن بعض النجاسات أو بعض الماء النجس يطهر بإزالة النجاسة منه، مثل العيون والغدران الصغيرة. العيون والغدران الصغيرة إذا وقعت فيها ميتة، فإن الماء يتغير بوجود هذه الميتة وينجس، ولو كان هذا الماء جاريًا، لكنه جاري ضعيف، جريانه ضعيف، ما يكاد يجتمع الماء في هذه العين الصغيرة إلا ومباشرة يتأثر بالنجاسة، فلا يستطيع إنسان يجده طاهرًا. فكيف يطهر هذا الماء؟ بإزالة النجاسة، تخرج هذه الميتة ويترك الماء قليلًا، فإذا به يطهر بعد ذلك. ومنها يكون بتكثيره، مثل الماء الموضوع في بركة ونحوها، إذا وقعت فيه نجاسة يسيرة لا يضر، لا ترمى بهذا الماء الباقي. مثلا: بال كلب أو نقول: بالة هرة، نخفف الحكم في محل فيه ماء، مثل بعض الأحواض التي يستخدمها بعض أهل القرى والبادية. بعضهم يأتوا له باسم آخر، سمعتم: مركد، مقلد. طيب، مقلد كما قال عمنا خميس. فهذه البركة الصغيرة التي هي تكفي بيت واحد، إذا وقعت فيها نجاسة وبقي في هذه البركة ماء، وهم يجلبون الماء من مكان بعيد، فلا حاجة أن يرموا بهذا الماء، ما داموا يحتاجون إليه، يكثرون هذا الماء، يصفون الكثير فوق هذا القليل ويذهب أثر النجاسة، فالماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه. قال رحمه الله: ولكن الصحيح أن الماء إذا تنجس بالتغير يطهر بزوال التغير بأي حالة تكون. وهذا الثاني والصحيح. فذلك الخلاف معتمد على أنه لا بد أن تزول عين النجاسة بماء أو بمطهر أو بإزالة النجاسة. والصحيح أن حكم النجاسات هو من التروق، ومسائل التروق كما مر معنا هي من المسائل التي تقوم بعللها، والحكم يدور مع علة وجودًا وعدمًا. فإذا زالت هذه النجاسة زال حكمها. ومن ذلك أنها لو لم تزل وبقيت، لكن ذهب أثرها فيذهب حكمها، مثل قطرة بول في وعاء كبير. قطرة بول في وعاء كبير لا يبقى لها أثر، لا قعر ولا لون ولا ريح، هل يتنجس هذا الماء؟ الصحيح أنه لا يتنجس، لا نحتاج إلى تكثير ولا نحتاج إلى إزالة، فالحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. الماء طهور لا ينجسه شيء، هكذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإن غلب عليه أثر النجاسة بلون أو طعم أو ريح، فتزال هذه الآثار الباقية للنجاسة إما بنزح وإما بتكثير أو غيره، فإن زالت بدون ذلك زال الحكم. قال رحمه الله تعالى: ومنها إذا ترك شيئًا من صلاته فسلم قبل إتمامها، ثم ذكر ولم يطل الفصل، أتى بما تركه وسجد لسهو. ولو طال الفصل عرفًا أعادها كلها. وهذه المسألة كذلك مسألة خلافية بين أهل العلم، والأحوط ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. فحديث «دي اليدين» فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى ركعتين، ثم قعد حتى أخبر عليه الصلاة والسلام -قد خرج الناس من المسجد- أنه إنما صلى ركعتين، فنادى الناس فرجعوا، فصلى بهم تتمة الأربع، ولم يعد الصلاة من جديد. فصار هذا الفارق والفاصل في حكم المتصل، لأنه من الانقطاع المعتاد، يعني مثل هذا يقع أن الإنسان ينسى ثم يذكر، ثم ينادي الناس، فمثل هذا شرعًا وعرفًا قضى بأنه لا يضر. وهكذا كذلك كل ما كان بمعنى مما فيه وقت يكون لعمل مثله يكون لعمل مثله، مثل إنسان صلى فتبين له أن في ثوبه نجاسة، صلى ركعتين مثلًا، فأخرج فأزال هذه النجاسة وأتم صلاته، هل يصح أو لا يصح؟ الصحيح أنه يصح، ولو عاد الصلاة كاملة صحت. وهكذا كذلك رجل توضأ فنقص عليه الماء، ولا يوجد الماء في مكان قريب، إنما الماء إما في بئر أو فوق سطوح، فذهب يأتي بالماء من البئر أو من السطوح، فهذا لا يضر، فهو وقت قضى الشرع والعرف بالتجاوز عنه لمثله. قال رحمه الله تعالى: ومنها يشترط في الوضوء الموالاة، فإن غسل بعض أعضائه ثم انفصل غسل الباقي عن الأول بفصل قصير لم يضر. وما هو الضابط بالقصير والطويل؟ فمنهم من قال: يرجع بذلك إلى العرف. ومنهم من قال: قبل أن تنشف الأعضاء. والصحيح بذلك أنه يرجع بذلك إلى الشرع والعرف، فدل الشرع أن الوقت المعتاد لعمل مثل هذا مما لا بد منه، ذلك في حكم الاتصال المعتاد. قال رحمه الله: وإلا طال الفصل بين أعضاء الوضوء أعاده كله. إذا طال الفصل بين أعضاء الوضوء أعاده كله، على التفصيل الذي سبق. هذه مسائل ذكرها رحمه الله تعالى، ومما ذكره الحافظ ابن رجب رحمه الله في قواعده. ومن المفيد أن يشار إليها إشارة. كذلك من هذه المسائل التي يكون فيها الاتصال يرجع في ذلك للاتصال المعتاد. المرضع يترك الولد الذي يرضع الضرع بغير اختياره، كصوت يسمعه أو شيء يخيفه أو غير ذلك، ثم يواصل، فإذا واصل وأتم حسبت له رضعات واحدة كاملة، لأن هذا الفاصل من الفاصل المعتاد. وهكذا كذلك من حلف أن لا يأكل من طعام في ذلك اليوم إلا أكلة واحدة، ثم أكل وقطع وأكل وقطع وأكل، فهذا الانقطاع إن كانت العادة تقضي بأنه مما يتصل عرفًا فهو في حكم الأكلة الواحدة، وإن لم يكن فهو في حكم الأكلات التي به يقع فيه الحنث وتجب عليه الكفارة. واضح هذا المثال: الرجل حلف أن لا يأكل من هذا الطعام الذي أمامه -إما مثلًا لحم أو نحو هذا- إلا مرة واحدة، فأكل فجاء ضيوف، فقام يسلم عليهم ويتكلم معهم، ثم رجع لي واصل، هل نعد هذا الثاني الأكل الثانية أكل أخرى يقع فيها الحنث وتجب عليه به الكفارة؟ ننظر إلى هذا الوقت الذي انقطع فيه، فإن كان هذا الوقت مما يقضي العرف بأنه لا يضر فهو في حكم الاتصال المعتاد، وإن كان لا، مثل يأكل بالظهر ثم يرجع ويأكل بالعشاء، تجب عليه الكفارة أو لا تجب؟ تجب عليه الكفارة، لأن هذا ليس مما يقع به الاتصال المعتاد. وهكذا كذلك من ذلك السارق يسرق ما دون النصاب، يسرق الشيء من حرزه ما دون النصاب، هل تقطع يده؟ الجواب: لا تقطع يده، لأنه دون النصاب. لكن إذا عاد فسرق مرة أخرى، فهل يقال: إن هذه السرقة الثانية باعتبار أحدها لم يوجب النصاب فلا يقطع بالأولى ولا في الثانية؟ أم أن الثاني يضم إلى الأول فتقطع بها يده؟ قال العلماء: إن كان الوقت بين الأول والثاني في حكم المتصل فإنه يضم الثاني إلى الأول فتقطع يده إذا بلغ النصاب بهما. وإن كان الوقت ليس بحكم المتصل فإنه لا تقطع يده. وهذا التفصيل صحيح. ومنه كذلك انقطاع الطواف، إذا انقطع الطواف لصلاة أو انقطع الطواف كذلك لجنازة أو لسبب من الأسباب، فإنه في حكم المتصل، هذا على من يقول باشتراط الاتصال في الطواف وأنه فرض وليس بسنة. وبعض أهل العلم يقول: إنه سنة، وهذا هو الأقرب، الله تعالى أعلم، على أنه ينبغي أن لا يفرط في ذلك، أن لا يفرط في ذلك. وهكذا كذلك في العمل إذا كان رجل عمل عملًا استوجب في ذلك المال بعض النصاب، فإذا كسب مالًا آخر كجمع مال من معدن ونحوه، فهل يلحق بالأول؟ كذلك يقال: إذا كان الفاصل مما هو معتاد فيلحق به، وإلا فلا. طيب، هذا خلاص ما يذكر في هذه القاعدة، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.