الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 26، الدرس السادس والعشرون:من( قال الإمام أحمد رحمه:حدثنا يعقوب حدثنا أبي ... حتى قدمنا على رسول الله وهو بمكة.هذا حديث حسن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
أرسلت قريش وفدًا إلى النجاشي لاسترجاع المسلمين المهاجرين، وحمل الوفد هدايا لتحييد بطارقة النجاشي ومحاولة إقناعه بتسليم المسلمين دون الاستماع إليهم. كان الوفد بقيادة عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص.
استقبل النجاشي المسلمين المهاجرين بترحاب، والتقى بجعفر بن أبي طالب الذي تحدث معه، مما أدى إلى رفض النجاشي تسليم المسلمين. حاول الوفد القرشي إثارة الشكوك حولهم، لكن النجاشي آثر الاستماع إليهم.
أيد النجاشي المسلمين في مواجهة أعدائهم، ورد هدايا المبعوثين ضده، وتغلب على منازعه في الملك بفضل دعائهم. آمن النجاشي برسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام سرًا لما وجد من التوافق بين رسالتها ورسالة عيسى عليه السلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، عم أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، قال: عن أم سلمة، ابنة أبي أمية بن المغيرة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، آمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشًا، اعتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة. ومعنى «مما يستطرف»: يعني يدخل الطرفة على صاحبه، ولو كان ليس بثمين، يعني غرائب الهدايا. قال: وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم -يعني الجلد-، فجمعوا له أدما كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية كالرشوة؛ حتى يكونوا معهم فيما يريدون من الملك. قال: ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم -إما أمروهما من الأمر، وإما أمروهما يعني تآمروا معهم على مكيدة-، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. قالت: فخرج، فقدم على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفع إليه هديته قبل أن يكلم النجاشي، ثم قال لكل بطريق منهم: إنه قد صبأ إلى بلد الملك منه غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرف نحن ولا أنتم. قال: وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليه، فإذا كلمنا الملك فيهم، فتشيروا -يعني تشاوروا- عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلم بهم وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قربا هداياهما إلى النجاشي، فقبلها منهما، ثم كلماه، فقال له: أيها الملك، إنه قد صبأ إلى بلدك من غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرف نحن ولا أنت. قال: وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم. فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم به. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقة حوله: صدقوا، أيها الملك، قومهم أعلم بهم وأعلم بما عابوا عليه، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلدهم وقومهم. قال: فغضب النجاشي، ثم قال: لا، ها الله، أيم الله، إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد. قومًا جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقولون في أمرهم. فإن كانوا كما يقولان، أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول له والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، كائن في ذلك ما هو كائن -يعني ليكن ما يكون بعد ذلك-. فلما جاءوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة. وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وشق علينا وحال بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك، أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأ علي. فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، يا عين صاد. فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والله الذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة -يعني من مكان واحد، يعني من عند الله-، إن طلقًا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد. قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لأخبرنهم غدًا عيبهم عندهم، ثم أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرن النجاشي أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا. فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت: فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده على الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود -يعني ما يفارق هذا العود-، يعني ما قلته هو الحق بأكمله. قال: فتماخرت بطارقته حوله حين قال ما قال. فقال: وإن نخرتم، والله اذهبوا، فأنتم سيوم بأرض -والسيوم: الآمنون-، من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم. فما أحب أن لي دبرًا ذهبًا وأني آذيت رجلًا منكم -والدبر: بلسان الحبشة الجعل-، يعني لا أحد يغريني بشيء من الذهب. قال: ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها. فكأن من الهدايا شيء من الذهب. قال: فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فأخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في، فأوطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جار. قالت: فوالله إن على ذلك إذ نزل به -يعني من ينازعه في ملكه-. قالت: فوالله ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم، ثم يأتينا بالخبر -يعني إن كان هناك شيء استعددنا له-. قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. قالت: وكان من أحدث القوم سنًا -يعني صغيرًا-. قالت: فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل -يعني الطرف الآخر التي بها ملتق القوم-، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة. قال: هذا حديث حسن. وهذا الحديث قد جاء بطرق وروايات كثيرة، ومنها أن النجاشي انتصر على ذاك الملك المعادي له، وأن كذلك ما أشار إليه من رد ملكه، ما كان من محاولة قوم نزع الملك له، فرد الملك إليه في قصة طويلة، حاصلها أن الله عز وجل رد عليه الملك بعد أن نزع، فكون أن الله عز وجل رده له، لا أحد من المخلوقين، فكذلك هو يلتجئ إليه في كل وقت وحين. هذا معنى كلامه وخلاصته، والشاهد منه لهذه الترجمة هو أن النجاشي -وكان من ملوك النصارى ومن علمائها- فكان ملكًا عالما، أقر بأن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عين ما جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام، ولهذا آمن به سرًا حين لم يستطع أن يجهر به خوفًا من النصارى حوله، فصلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام عند موته كما هو معروف.