الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 80، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تحريف النصارى لمعاني الآيات القرآنية وتشابهه مع تحريفهم للكتب السماوية الأخرى. يشير إلى شمولية الخطاب القرآني للجميع وليس النصارى فقط.
يفسر الآيات القرآنية المتعلقة بالحجة والمحاججة بين المؤمنين والكفار، ويبين هدف الكفار من المحاججة ووصفها بالظلم والعدوان.
يشرح كيفية التعامل مع أهل الكتاب والمشركين في المجادلة، ويفرق بين من لم يظلم ومن يظلم في طريقة المجادلة.
يشرح أن الآيات المكية تدل على عدم إقرار أهل الكتاب على دينهم وإلزامهم بدين الإسلام، مشيرًا إلى موقف المشركين المشابه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. النصارى خصوصا، بل هو خطاب للجميع. وهؤلاء النصارى ظنوا أن معنى هذا «لا تحاج أهل الكتاب» كما ظنوا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أن معناه لا تجادل أهل الكتاب - أي النصارى - إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا - أي اليهود - وهذا تحريف كتحريف كلم الله عن مواضعه، وهو شبيه بتحريفهم لما عندهم من التوراة والإنجيل والزبور وسائر النبوات، فإنهم أعظم تسلطا على تحريف معانيها منهم على تحريف معاني القرآن، إذ كان القرآن له أمة تحفظه وتعرف معانيه وتذب عنه من يحرف لفظه أو معناه. وأما تلك الكتب فليس لها من يذب عن لفظها ومعناها، فلهذا أعظم تحريفهم لها، وكان أعظم من تحريفهم القرآن. ومما يبين أن هذا الخطاب ليس مختصا بالنصارى أن هذه السورة مكية، والسور المكية كانت تتناول من لا يقرأ الكتاب، لا تختص بأهل الكتاب، بل كانت تعم الأمم أو تختص بالمشركين. والسور المدنية تطالبها تارة لأهل الكتاب وتارة تختص بالمؤمنين وتارة تعم. وقد قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. فالخطاب إما أن يعم المشركين وأهل الكتاب، أو يخص المشركين وأهل الكتاب - اليهود والنصارى - وبكل تقدير فلا وجه لتخصيص النصارى به. وأما قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ فهو نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. فالحجة اسم لما يحتج به من حق وباطل، فقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فإن الظالمين يحتجون عليكم بحجة باطلة. فقول المشركين لما حولت القبلة إلى الكعبة: قد عاد إلى قبلتكم، فسوف يعود إلى ملتكم، فهذه حجة داحضة من الظالمين. ومما يبين ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، فسماها حجة وجعلها داحضة. وهؤلاء الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له هم الكفار من المشركين وأهل الكتاب، فهم يحاجون المؤمنين ليردوهم عن دينهم. وقال عن النصارى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، فكان الكفار يحاجون المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم كما يؤذونهم، فهؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، ومحاجتهم للمؤمنين من باب الظلم لهم والعدوان عليهم وقول الباطل. فأمره تعالى أن يقول: «لا حجة بيننا وبينكم»، أي: ليس لكم أن تظلموا وتعتدوا علينا بحجتكم الداحضة، وليس المراد بذلك أننا نحن لا نحاجكم وندعوكم إلى الحق بالحجج الصحيحة، فإنه تعالى قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فأمره تعالى أن يجادل أهل دعوته مطلقا من المشركين وأهل الكتاب بالتي هي أحسن. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فإن الظالم باغ مستحق للعقوبة، فيجوز أن يقابل بما يستحقهم للعقوبة، لا يجب الاقتصار معه على التي هي أحسن، بخلاف من لم يظلم، فإنه لا يجادل إلا بالتي هي أحسن. وأهل الكتاب اسم يتناول اليهود والنصارى كما في نظائره في القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾، وأمثال ذلك. والظالم يكون ظالما بترك ما تبين له من الحق واتباع ما تبين له أنه باطل والكلام بلا علم، فإذا ظهر له الحق فعاند عنه كان ظالما، وذلك مثل الألد في الخصام. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، وقال: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾، وقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. وهذا الفصل جعله رحمه الله في بيان ما تقدم من أن اليهود والنصارى ألزموا بدين الإسلام، وألزم كذلك بترك ما هم عليه من الدين الذي فيه التغيير والتبديل. ومن هذا الإلزام هذه الآيات التي ظن هؤلاء - أي أهل الكتاب والنصارى خاصة - أن فيها إقرارهم على دينهم. فبين رحمه الله أنه ليس فيها إقرار أهل الكتاب على دينهم، بل على العكس في إلزامهم بدين الإسلام. ومما يدل على ذلك أن الآيات مكية في خطاب المشركين، وإن كان أهل الكتاب يقرون بأن المشركين لم يقروا في دين الإسلام على دينهم، فكذلك أهل الكتاب لم يقروا على دينهم. وما ذكره من أوجه ظاهرة واضحة تغني عن الإعادة.