الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 48، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفسر الشيخ ابن تيمية رحمه الله آية الحج: 40 ويوضح المراد بالمساجد والصوامع والبيع، مشيرًا إلى أن هدم الصوامع والبيع لتحويلها إلى مساجد هو خير وصلاح. الآية نزلت في الإذن بالجهاد ودفع الظلم.
يتناول المقطع مفهوم التقديم في القرآن وأسبابه، ويبين أن التقديم يكون للانتقال من الأدنى إلى الأعلى، ويستشهد بآيات قرآنية لتوضيح ذلك. كما يفسر أن هدم معابد الكفار واتخاذها مساجد يكون صلاحًا إذا قام به المسلمون.
يتناول المقطع الرد على شبهة مدح أهل الكتاب والمشركين وأماكن عبادتهم، ويبين أن العطف في الآية يدل على تفضيل دين الإسلام. كما يستدل على أن هدم المعابد الكفرية بأيدي المسلمين هو إصلاح بسنة النبي وصحابته.
يشرح المقطع أن العلم المتواتر يثبت حكمه بالتوافر وليس بالإسناد الصحيح، مثل حدود حرم مكة. كما يشير إلى أن بعض الاستدلالات قد تكون غير صحيحة وتشبه المجادلة بالباطل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. فالشيخ الإسلام المتهم، رحمه الله، في كتابه «الجواب الصحيح بدل دين المسيح» فصل قالوا: ثم وجدناه يعظم إنجيلنا ويقدم صوامعنا ويشرف مساجدنا، ويشهد بأن اسم الله يذكر فيها كثيرًا، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت الصوامع والبيع والصلوات والمساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا﴾. والجواب أن فيها ذكر الصوامع والبيع، وأما قوله: «يذكر فيها اسم الله كثيرًا» فإنما ذكره عقب ذكره المساجد، والمساجد للمسلمين، وليس المراد بها كنائس النصارى؛ فإنها هي البيع. ثم قوله تعالى: ﴿يذكر فيها اسم الله كثيرًا﴾ إما أن يكون مختصًا بالمساجد، فليكون في ذلك إخبار بأن اسم الله يذكر كثيرًا في البيع والصوامع، وإما أن يكون ذكر اسم الله في الجميع، فلا ريب أن الصوامع والبيع قبل أن يبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم كان فيها من يتبع دين المسيح الذي لم يبدل، ويذكر فيها اسم الله كثيرًا. وقد قيل: إنها بعد النسخ والتبديل يذكر فيها اسم الله كثيرًا، وإن الله يحب أن يذكر اسمه. قال الضحاك: «إن الله يحب أن يذكر اسمه وإن كان يشرك به»؛ يعني أن المشرك به خير من المعطل الجاحد الذي لا يذكر اسم الله بحال. وأهل الكتاب خير من المشركين. وقد ذكرنا أنه لما اقتتل فارس والروم وانتصرت الفرس ساء ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرهوا انتصار الفرس على النصارى؛ لأن النصارى أقرب إلى دين الله من المجوس. والرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان، ودفع شر الشرين بخيرهما. فهدموا صوامع النصارى وبيعهم فساد إذا هدمها المجوس والمشركون. وأما إذا هدمها المسلمون وجعلوا أماكنها مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا فهذا خير وصلاح. وهذه الآية ذكرت في سياق الإذن للمسلمين بالجهاد بقوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾. وهذه الآية أول آية نزلت في الجهاد. ولهذا قال: ﴿والذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾. ثم قال: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾؛ فيدفع بالمؤمنين الكفار، ويدفع شر الطائفتين بخيرهما، كما دفع المجوس بالروم النصارى، ثم دفع النصارى بالمؤمنين أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾. وأما التقديم في اللغة فإنه يقول لانتقال من الأدنى إلى الأعلى، لقوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. وقوله: ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه﴾. وقوله: ﴿والذاريات ذروًا فالحاملات وقرًا فالجاريات يسرًا فالمقسمات أمرًا﴾ ونظائره المتعددة. وكذلك في قوله تعالى: ﴿لهدم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا﴾؛ فبين سبحانه أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت مواضع العبادات. وهدمها فساد إذا هدمها من لا يبدلها بخير منها. وأدناها هي الصوامع؛ فإن صومعة تكون لواحد أو لطائفة قليلة. فبدأ بأدنى المعابد وختم بأشرفها، وهي المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا. ففي الجملة حكم هذه المعابد حكم أهلها، وأهلها قبل النسخ والتبديل مؤمنون مسلمون. وهدم معابد المؤمنين المسلمين فساد. وبعد النسخ والتبديل إذا غلب أهل الكتاب من هو شر منهم كالمجوس والمشركين وهدموا معابدهم كان ذلك فسادًا. وإذا هدمها من هو خير منهم كأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأبدلوها مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولا يشرك به، ويذكر فيها الإيمان بجميع كتبه ورسله، كان ذلك صلاحًا لا فسادًا. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ المساجد مواضع معابد الكفار، كما كان لثقيف أهل الطائف معبد يعبدون فيه اللات التي قال الله فيها: ﴿فرأيتم اللات والعزى﴾. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدم ذلك المعبد ويتخذ مكانه المسجد الذي يعبد الله وحده فيه. فإن المساجد هي بيوت الله في الأرض. قال تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون﴾. وقال تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾. وقال تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم﴾ إلى قوله: ﴿والمهتدين﴾. وقال تعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره﴾ الآية إلى قوله: ﴿بغير حساب﴾. ثم لما ذكر المؤمنين ذكر الكفار من أهل الكتاب والمشركين، فذكر أهل الجهل المركب والبسيط، فقال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور﴾. فقد تبين أنه ليس لهم حجة في شيء مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، بل ما جاء به حجة عليهم من وجوه متعددة. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل بالجواب على هذه الشبهة. كما سمعنا قد أجاب عليها من ثلاثة أوجه، هذا خلاصة ما ذكره رحمه الله. الأول: أن العطف أو الوصف لآخر معطوف، وهو قول: «ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا»، فليس في ذلك مدح للبيع ولا الصوامع. وعلى القول بأنه وصف لجميع المعطوفات، فإنه كذلك يقال: أنه أحق وألصق بأقرب معطوف، وهو لغيره. وإن أعطي فلن يعطى بمثلي أقرب مذكور. وهذا التفضيل يوجب شيء، وهو معنى مقصود، وهو تفضيل دين الإسلام عن غيره؛ لأنه ناسخ له. ولهذا مثل كما قال رحمه الله بأن هدم هذه المعابد بأيدي المشركين فساد، وبأيدي المسلمين إصلاح؛ لأنه إلى الدين الحق إبدال إلى الدين الحق. وهكذا كذلك ذكر ما بعده مما فيه بيان أن المعنى الآخر لو قدر أن هذا الوصف صحيح، فهو باعتبار زمان خاص أو وصف خاص مقيد، ليس معناه بعد بعث النبي عليه الصلاة والسلام. فهي كذلك يثنى عليها وعلى أهلها لا. فالقرآن يفسره السنة، والقرآن يفسر بعضه بعضًا. قد مرت معنا الأدلة الصريحة التي فيها دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وأن من لم يفعل فهو كافر. فإذا لا تنفعه صلاته ولا عبادته في معبده ولا شيء. وهكذا كذلك ما أشار إليه رحمه الله تعالى بعد ذلك في أن إزالة هذه المعابد وإقامة المساجد مكانها مما دل عليه الشرع؛ يعني مما كان من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك سنة الصحابة من بعده. وأشار إلى ما روي في قصة معبد أهل الطائف، وأنه قيم مكانه مسجد، كما ذكر ذلك أهل السير باتفاقهم. كما أشار المعلق إلى أن المعبد أو إلى أن اللات كان في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم؛ يعني في زمان ابن القيم. وهذا وصف دقيق يدل على صحة الخبر في ذلك. وبعض الأشياء قد لا تروى فيها أسانيد صحيحة، لكنه من العلم المتواتر الذي ينقله أمة عن أمة بما لا يمكن جحوده، مثل حدود الحرم. ليس عندنا في حدود الحرم إسناد صحيح يقول لنا: الحرم من هنا إلى هنا، ومن هنا إلى هنا، ليس من الحرم حرم مكة، لكنه متواتر روته أمة من الناس، فيثبت هذا الحكم بذلك. فكذلك هذا. فالشاهد ما ذكره رحمه الله فيه بيان أن هذا الاستدلال ليس باستدلال صحيح، وأن هذا ما هو إلا تشغيب مجادلة بالباطل. والله أعلم.