الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 64، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع تفسير قول المسيح عليه السلام حول مصداقية التوراة والإنجيل، ويوضح اتفاق المسلمين واليهود والنصارى على تحريف معاني الكتب السماوية. كما يبرز اختلاف اليهود والنصارى في تقييم بعضهم البعض واتفاقهم على أن المسلمين خير منهم.
يشرح المقطع أن شهادة الأنبياء والأمم السابقة على الحق لا تمنع كفر من لم يؤمن بالرسالة اللاحقة، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء بشرع مستقل كامل. كما يستدل على أن شهادة محمد وأمته للإنجيل والمسيح لا تمنع كفر النصارى.
يؤكد النص على أن من كذب بشيء مما جاءت به الرسل فهو كافر، مستشهدا بالآيات القرآنية. يبين النص أيضا أن هذا المبدأ يستخدم في الرد على ادعاءات النصارى الذين يحاولون تبرير دينهم الباطل بثناء القرآن على الإنجيل وعيسى عليه السلام.
المقطع يبين بطلان تقليد المتصوفة للنصارى في اعتقاداتهم وتصرفاتهم، ويشير إلى أن هذا التقليد يعتبر تشبها بضلال أهل الكتاب. يستدل على ذلك من خلال إيراد حديث معين يدل على تحريم التشبه بهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، فثبت بهذا ما معنا، نعم، ونفي عن إنجيلنا وإنجيلهم التي في أيديهم التهم والتبديل والتغيير، لما فيها بتصديقه إياها. إن أراد به أنه ثبت ما جاءت به الأنبياء قبله عن الله، فهذا حق. وإن أراد به أنه ثبت ما هم عليه بعد مبعثه من الشرع الذي خالف شرعه، أو ما ابتدعوه مما لم يأت به الأنبياء عليه السلام قبله، فهذا باطل. وإن أراد بذلك أنه صدق ألفاظ الكتب التي بأيدينا، أي التوراة والإنجيل، هذا مما يسلمه لهم بعض المسلمين، وينازعهم فيه أكثر المسلمين. فأما تحريف معاني الكتب بالتفسير والتأويل، وتبديل أحكامها، فجميع المسلمين واليهود والنصارى يشهدون عليهم بتحريفها وتبديلها، كما يشهدون هم والمسلمون على اليهود بتحريف كثير من معاني التوراة وتبديل أحكامها. وإن كانوا هم واليهود يقولون إن التوراة لم تحرف ألفاظها. وحينئذ فلا ينفعهم بقاء حروف الكتب عندهم مع تحريف معانيها، إلا كما ينفع اليهود بقاء حروف التوراة والنبوات عندهم مع تحريف معانيها. بل جميع النبوات التي يقرون بها هي عند اليهود، وهم مع اليهود ينفون عنها التهم والتبديل لألفاظها، مع أن اليهود عندهم من أعظم الخلق كفرا واستحقاقا لعذاب الله في الدنيا والآخرة. وهم عند النصارى الذين يكفرون المسلمين أكثر من هؤلاء وشر منهم، فإن النصارى متفقون على أن المسلمين خير من اليهود، وكذلك اليهود متفقون على أن المسلمين خير من النصارى. بل جميع الأمم المخالفين للمسلمين يشهدون أن المسلمين خير من سائر الأمم والطوائف، إلا أنفسهم، وشهادتهم لأنفسهم لا تقبل. فصار هذا اتفاق أهل الأرض على تفضيل دين الإسلام. فعلم أن بقاء حروف الكتاب مع الإعراض عن اتباع معانيها وتحريفها لا يوجب إيمان أصحابها، ولا يمنع كفرهم. وحينئذ فليس شهادة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته للمسيح عليه السلام ولما أنزل عليه من الإنجيل في تثبيت ما عند النصارى بأعظم من شهادة المسيح عليه السلام والحواريين وسائر من اتبع موسى ولما أنزل عليه من التوراة في تثبيت ما عند اليهود. فإن المسيح أمر أتباعه باتباع التوراة إلا القدر اليسير الذي نسخه منها. وأما محمد صلى الله عليه وسلم فبعث بكتاب مستقل وشرع مستقل كامل، لم يحتج معه إلى شرع سابق تتعلمه أمته من غيره، ولا إلى شرع لاحق يكمل شرعه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر». فجزم أن من كان قبله كان فيهم محدثون، وعلق الأمر في أمته. وإن كان هذا المعلق قد تحقق لأن أمته لا تحتاج بعده إلى نبي آخر، فلأن لا تحتاج معه إلى محدث ملهم أولى وأحرى. وأما من كان قبله فكانوا يحتاجون إلى نبي بعد نبي، فأمكن حاجتهم إلى المحدثين الملهمين. ولهذا إذا نزل المسيح من مريم في أمته لم يحكم فيهم إلا بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. وإذا كان مع هذا فاشهادة المسيح والحواريين وكل من آمن بالمسيح للتوراة بأنها حق، ولموسى بأنه رسول، لا يمنع كفر اليهود لكونهم بدلوا شرع التوراة وكذبوا بالمسيح والإنجيل. فكيف تكون شهادة محمد وأمته للإنجيل بأنه منزل من عند الله، وللمسيح بأنه رسول الله مانعة من كفر النصارى مع تبديلهم شرع الإنجيل وتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرع القرآن؟ وأما إيمان من يؤمن منهم بأن محمدا رسول الله إلى العرب أو بكثير مما جاء به القرآن، فلا يمنع كفرهم إذا كفروا ببعض ما جاء به. بل من كذب بشيء مما جاءت به الرسل عن الله فهو كافر، وإن آمن بأكثر ما جاءت به الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقد صرح بكفر النصارى في غير موضع، وأمر بجهادهم وقتالهم، وحكم بكفر من لا يوجب جهادهم وقتالهم أو لا يرى ذلك عبادة لله وطاعة له، كما تقدم التنبيه على ذلك. فإذا كان من لا يرى جهادهم عبادة لله كافرا عند محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف حالهم عنده صلى الله عليه وسلم؟ هذا الفصل جعله رحمه الله في بطلان دعوى النصارى الاستدلال بثناء القرآن على الإنجيل وعيسى عليه الصلاة والسلام، وأن ذلك لا يستلزم تصحيح ما عليه النصارى من دين باطل. وهذا ظاهر وواضح كما بيّنه رحمه الله، وهو عند جميع العقلاء ليس بحجة يصح الاستدلال بها، فإنه لا يصح لمسلم فضلا عن كافر أن يستدل بثناء على حق على باطل. والكلام الذي ذكره رحمه الله ظاهر وواضح. وأما قوله: «فجزم أن من كان قبله كان فيهم محدثون» إلى آخره، في تعليقه على الحديث، يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى في الحديث أن يكون هناك محدثون في الإسلام، وهذا النفي يدل على كمال الإسلام في نفسه، فلا يحتاج إلى ما قبله، ولا يحتاج إلى شيء بعده. وبه يعلن بطلان ما عليه المتصوفة الذين سلكوا مسلك النصارى مثلا بمثل، وذهبوا مذهبهم جملة وتفصيلا في كثير من القضايا الاعتقادية وغيرها، وهم بهذا مقلدون متشبهون بضلال أهل الكتاب. وجه الدلالة هذا الذي سمعناه، يعني من إيراد هذا الحديث.