كتاب الوصية  7

كتاب الوصية 7

الدرس في كتاب الوصية 7، تابع باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث ابن عباس

شرح حديث ابن عباس الذي يروي فيه مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه الثلاث قبل وفاته، وتناول معاني هذه الوصايا وأهميتها. كما تطرق إلى تفسير جزيرة العرب وحدودها.

أحكام إخراج المشركين من جزيرة العرب

يتناول أهمية إجلاء المشركين من جزيرة العرب لحماية التوحيد وتطهير الجزيرة من الشرك، مع توضيح أحكام أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين، ويبين أن وجودهم لا ينافي وصية النبي إذا كان في بقائهم مصلحة.

التدرج في التعامل مع المشركين وتأليفهم

يُناقش التدرج في إخراج المشركين من جزيرة العرب وتأليف الوفود بالمال أو الكلمة، ويستشهد بوصايا النبي في هذا الشأن. يُبرز أهمية مراعاة المصالح والمفاسد في التعامل مع المشركين والمسلمين الجدد.

تنويع الوصايا في المجالس المختلفة

يتناول تنوع الوصايا التي أوصى بها النبي في مجالس مختلفة، ويشير إلى قصة علي كما وردت في حديث عائشة، ويعدد مسائل أخرى في الحديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «يوم الخميس، وما يوم الخميس»، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: «اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه»، وأوصى عند موته بثلاث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم»، ونسيت الثالثة. قال: أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في كتاب الوصية، وهو من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان، البخاري ومسلم. ومناسبة إيراد هذا الحديث -كما رأينا- أنه أورده رحمه الله لعدم ورود معنى الوصية فيه. ولهذا قال في هذا الباب: «باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه»، فذكر الأحاديث التي فيها الوصية. وما معنى الوصية التي تركها؟ فعلمنا أنه ترك الوصية التي يقصد بها الكتابة في المال والحقوق. فما كان من أحاديث فيها نفي كتابة الوصية، فالمقصود هذا. وما كان من أحاديث فيها إثبات الوصية، فالمقصود معنى آخر من الوصايا المعنوية التي تتعلق بأمر إصلاح أحوال المسلمين. ومن ذلك هذا الحديث، حديث ابن عباس. ففي حديث ابن عباس إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث، ثم ذكر هذه الثلاث. ذكر اثنتين من هذه الثلاث، وهذا هو وجه الشاهد والجمع بينه وبين ما جاء من نفي في حديث عبد الله بن أبي أوفى ومعنى حديث عائشة رضي الله عنها المتقدمين في هذين الحديثين المتقدمين: أن يقال: النفي لمعنى خاص، والإثبات لمعنى آخر. وبهذا تجتمع الأدلة كما تقدم، وسبقت الإشارة إليه. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل في هذا الحديث: أولًا، ما يتعلق بالوصية بهذه الخصال الثلاث التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، وفي اليوم الذي مات فيه عليه الصلاة والسلام، اشتد وجعه، وكان ذلك في يوم الخميس. ولهذا بكى ابن عباس رضي الله عنه حين تذكر هذا اليوم حتى خضب دمعه الحصباء. ومعنى خضب دمعه الحصباء: يعني تقاطرت دمعاته على الأرض التي تحته، وكانت من الحصباء من الحجارة. فإذا كانت تقاطر كتقاطر الخضاب إذ يصيب الجسد سمي خضبًا. ومعنى أن القطرات كثرت حتى كادت تغطي بعض الحصى. وهذا لحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وتذكرهم ذلكم اليوم العظيم الشديد الذي أصيب المسلمون فيه بهذا المصاب الجلل. فهذه الخصال الثلاث التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر منها اثنتان مما أوصى به من الوصايا المعنوية التي تتعلق بإصلاح أحوال المسلمين، فهو مما لا ينافي ما ورد في حديث ابن أبي أوفى وعائشة. وفي هذا إشارة إلى مشروعية الوصية بما يكون به صلاح من بعده، كل إنسان بحسب ولايته. فرب البيت يوصي أهل بيته بما يرى أن ذلك يصلح أحوالهم. وهكذا صاحب الولاية التي هي كبيرة أو صغيرة، بحسب ولايته يوصي بما يرى أنه أصلح لمن تحته من أهل ولايته ورعايته: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». فالعالم يوصي بما يرى أنه أنصح وأنفع للأمة إذا رأى في تلك الوصية منفعة. وهكذا كذلك كل بحسبه. وقد بوب البخاري رحمه الله، وهذا الحديث بهذا الباب الذي أخرج فيه هذا الحديث: «هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم». وهو يشير بهذا إلى ما يستثنى من هذه الوصية الأولى التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام أوصى بإخراج المشركين من جزيرة العرب. وجزيرة العرب اختلف أهل العلم في تحديد حدها ومكانها. فقد ذكر الشراح الخلاف في تحديد جزيرة العرب. وقد جاء مفسرًا في هذه الرواية في آخرها. إذا أخرج البخاري هذا الحديث في الكتاب والباب المشار إليه من طريق شيخ قبيصة رضي الله عنه ورحمه، فقال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا ابن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فأورد الحديث، وزاد في آخره، قال: وقال يعقوب بن محمد: سألت المغير بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب، فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن. وقال يعقوب: والعرج أول تهامة. وفي هذا التفسير من هؤلاء الرواة، وإيراد البخاري رحمه الله له، إشارة منه إلى أن هذا حد جزيرة العرب. فجزيرة العرب يدخل فيها اليمن على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وأما كون عمر رضي الله عنه لم يخرج المشركين من جزيرة العرب ومن اليمن خاصة، لا يعني ذلك أن اليمن لم تكن من جزيرة العرب. فقول من قال من أهل العلم: إن في هذا دليل أن اليمن لا تدخل في جزيرة العرب، هذا خطأ وخلاف الصواب. لأن عمر رضي الله عنه الصحيح أنه فعل ما يمكن فعله في زمانه. كما أن أبا بكر رضي الله عنه لم يجلي المشركين كما أجلاهم عمر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بهذه الوصية، لكن تنفيذ الوصية يكون بحسب الإمكان وبحسب ما تقتضيه المصلحة وتندرئ به المفسدة. فلذلك لم يكن في استطاعة أبي بكر رضي الله عنه في زمانه إجلاء المشركين من جزيرة العرب، فانشغل أبو بكر رضي الله عنه بالردة وأهلها، فمنعه ذلك من أن ينفذ هذه الوصية، واعتنى ببقية الوصايا الأخرى، لأن هذا أمره أشق. وإذا كان كذلك فيقدم الأخف ويؤخر الأشق، وكذلك ينظر فيما تكون مفسدته أقل. وعلى هذا كذلك يحمل صنيع عمر رضي الله عنه. فعل عمر رضي الله عنه ما كان بإمكانه، فلم يكن بإمكانه في زمانه رضي الله عنه وأرضاه إجلاء كل المشركين من جزيرة العرب، فابتدأ بما استطاع وتيسر له رضي الله عنه وأرضاه. وأما قول من قال: إن هذا فيه دليل على أن الصحابة لم يكونوا يروا أن اليمن من جزيرة العرب، هذا خطأ وخلاف الصواب على الصحيح. وكذلك إذا علمنا أن إخراج المشركين من جزيرة العرب من وصية النبي صلى الله عليه وسلم، قال العلماء: الحكمة من ذلك حتى يكون في ذلك حماية لحمى التوحيد، وتطهير جزيرة العرب من الشرك والمشركين، اعتناء بها حتى لا يبقى فيها شيء من آثار الشرك. فإذا كان كذلك، وقد أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، فهل ينافيه وجود أهل الذمة؟ الجواب: لا. ولهذا بوب البخاري رحمه الله هذا الباب: «باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم». ومعنى أن أهل الذمة يستوثنون، خصوصًا إذا كانت لهم مصلحة، أي وجودهم في بلاد المسلمين، وفي جزيرة العرب خاصة. وقد كان في عهد عمر، بعد إجلاء المشركين، بعض أهل الذمة، بعض أهل الذمة من المشركين، ومنهم المجوسي الذي قتل عمر رضي الله عنه وأرضاه. ففي هذا كذلك بيان وإشارة من هذا الإمام، وهو الإمام البخاري رحمه الله، إلى أنه لا ينافي الوصية التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم بقاء بعض المشركين في أحوال خاصة، وتحت هذا المبحث تفاصيل كثيرة ومسائل عديدة. ولكن يقتصر في التنبيه على هذه المسائل: الأولى ما سمعنا من أهمية إجلاء المشركين من جزيرة العرب، لما في ذلك من حماية لحمى التوحيد وتطهير جزيرة العرب من الشرك والمشركين. والثانية: حد جزيرة العرب. والثالثة: جواز بقاء كذلك بعض أهل الذمة، ومن في بقائهم حاجة من المستأمنين وهكذا كذلك المعاهدين. فإن ذلك لا ينافي وصية النبي صلى الله عليه وسلم. وبه نعرف جهل دعاة التكفير الذين يستدلوا بهذا الحديث على تكفير الحكومات والولاة، بل وربما الشعوب، وأنهم بوجود المشركين كانوا مخالفين لوصية النبي صلى الله عليه وسلم. وربما دفعهم ذلك إلى الشطط، فكان ذلك معنى مع غيره يوصل إلى تكفير الشعوب والمجتمعات. وهذا من الباطل. بل هؤلاء الأئمة بوبوا بتبويبات تدل على أنه يستثنى من ذلك ما في بقائهم مصلحة للإسلام والمسلمين. ومن هؤلاء بعض أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين. والمعاهد: الكافر الذي يكون بينه وبين المسلمين عهد، أو بين دولته ودولة المسلمين عهد، ولو كانت دولته حربية، ولو كانت دولته حربية. والذمي: من يبقى في ذمة المسلمين ويدفع الجزية على ذلك، ويكون ذلك بدخوله في ذمة المسلمين، سواء بعد حرب أو غيره، المهم بقي في بلاد المسلمين يدفع الجزية على أن تكون له ذمة المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم. والمستأمن: من يدخل إلى بلاد المسلمين بأمان، ولو كان أمان واحد أو امرأة، حتى امرأة واحدة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». وبه نعلم -كما تقدم- خطأ وضلال من جعل مثل ذلك سببًا للتضليل أو أعظم من ذلك التكفير. ومن هذه المسائل كذلك: أن إخراج المشركين من جزيرة العرب، كما أنه واجب لا يمنع وجوبه أولًا من تنفيذه، وثانيًا من التدرج به. فلا يجوز للإنسان أن يقول: أنا لا أستطيع أن أخرجهم لمفاسد أن يبقي ويقر ويزيد من وجود المشركين، فإن ذلك معار. لأن ذلك معارضة ومخالفة صريحة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ووصيته. وكونه عليه الصلاة والسلام أوصى بهذه الثلاث عند موته، يدل على شدة الأمر وأهميته وخطورته. فالواجب الاعتناء به، أعظم من غيره. كل الدين أمرنا بالاعتناء بأوامره. وهذه الخصلة التي أوصى بها عند موته، مما ينبغي أن يعتنى بها على وجه أشد. فلا يجوز لولاة أمور المسلمين إدخال المشركين إلى جزيرة العرب، وليس في إدخالهم حاجة. فإن ذلك -على الصحيح- أنه من الكبائر. بل بعضهم جعله مما قد يفضي إلى الكفر والردة، إذا كان ذلك فيه إقرار لهم بإقامة شعائرهم الشركية والكفرية، وإقامة شعائرهم الشركية والكفرية والمجاهرة بها في بلاد الإسلام. كإقامة المعابد، وإظهار الأعياد، وربما أعظم من ذلك أن يتصلطوا على المسلمين. والصحيح في مثل هذه المسائل: التفصيل. فما كان منها يقتضي الردة، فهو ردة. وما لم فلا. فمما نص عليه العلماء: أنه يقتضي الردة ما كان منها يقتضي تصلط الكفار على المسلمين، وهو يعلم بذلك. فمن صلط الكافر على المسلم، فكان في ذلك: «كلمة الله هي السفلى، وكلمة الذين كفروا هي العليا»، فهذا تكون به الردة، ولو لم يقصد الردة، فهو فعل فعل الكفر، واقتضى فعله الردة. ثم بعد ذلك يستفصل في الفاعل، بعد ذلك يستفصل في الفاعل. يحكم على الفعل، ويستفصل في الفاعل. وهكذا كذلك: إظهار شعائر الكفار في بلاد المسلمين على وجه المجاهرة، ويكون بها كذلك إعلاء لكلمة الكفر، ومحادة لأهل التوحيد. فإذا كان فهذا يخشى منه كذلك معنى الردة، التي ربما تدخل على صاحبها بسبب جعله كلمة الذين كفروا هي العليا. فلذلك، ولغيره، كان الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب. فأعظم من ذلك أن يؤذن لهم بإقامة معابدهم من الكنائس، وكذلك مواضع الأوثان وغير ذلك، بحجة الديمقراطية أو الحرية الفكرية أو غير ذلك من المعاني الأخرى. فهذا مما لا يجوز أن يكون في الإسلام. بل فعل ذلك -كما سمعنا- بعض أهل العلم نص: أنه قد يكون فعله ردة. وكذلك في مقابل هذا: لا يقال: إنه إذا لم يمكن إخراجهم بالجملة، أن لا نخرجهم بما تقتضيه المصلحة. بل يخرجون ولو شيئًا فشيئًا. فما لا يدرك كله لا يترك جله. وما لا يمكن كذلك درء المفسدة فيه، فلا أقل أن تدرأ الكبرى بالصغرى. وعلى هذا يحمل صنيع السلف رضي الله عنهم في التدرج في إخراج المشركين. بل نبينا عليه الصلاة والسلام أجل المشركين واليهود خاصة شيئًا فشيئًا. فهو الذي قال هذا الكلام عليه الصلاة والسلام، مات عليه الصلاة والسلام وهو لم يجل المشركين من جزيرة العرب. لماذا؟ لأن المصلحة تقتضي التدرج في هذا. فهو عليه الصلاة والسلام يراعي هذا المعنى. ولهذا أوصى أصحابه من بعده عليه الصلاة والسلام بذلك. فهذا يعني أن المسلمين إن لم يستطيعوا أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، فالأقل أن يتدرجوا في إخراجهم. ومن باب أولى أن يحرصوا على تقليل دخولهم إلى جزيرة العرب، أن يحرصوا على تقليل دخولهم إلى جزيرة العرب، لما في ذلك من حماية جزيرة العرب من الشرك وأهله، كما تقدم. وهذه مصلحة دينية عظيمة. وكذلك من باب آخر: وهو أن فيها مصلحة كذلك دنيوية، لا يتسلط المشركون على المسلمين المؤمنين. وما من بلد يكون فيها وجود المشركين إلا ويتسلط المشركون على المسلمين في الغالب. إن لم يتسلطوا عليهم بالجملة، تسلطوا على ثنايا قضايا المسلمين في تلك البلاد. ولا أدل على ذلك: الكثير من البلاد التي غزتها تلك الطوائف الكثيرة من طوائف المشركين، حتى صار لهم تسلط في الحكومات. تجد بعض الحكومات تناوب بين المسلمين والنصارى. وفي بعض الحكومات تناوب بين المسلمين والوثنيين. وإذا كان الأمر كذلك، هذا يفضي إلى ماذا؟ ربما يفضي في يوم من الأيام أن تهدم المساجد، أن تهدم المساجد، ويكون بذلك تسلط الكفار. وكذلك تسلط هؤلاء المشركون على المؤمنين الموحدين. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وأجيز الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». في هذا كذلك الوصية بإجازة الوفد. والمعنى: العطاء الذي كان يعطيهم عليه الصلاة والسلام يتألفهم به. فمن كانت له عطية خاصة تمضى له على ما كان يعطيه النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا دليل: أنه كان عليه الصلاة والسلام يستمر بعطية بعض المؤلفة من الوفود وغيرهم. فلا بأس أن يجري الحاكم المسلم بعض الأموال تأليفًا، ولو أن تستمر. سواء أكانت تلك الأموال للكفار أو للمسلمين، حدث عهد بالإسلام يرجى أن يتقوى إسلامهم، أو يرجى وينفع الله بهم، أو يرجى أن يكفى شرهم. فإن التأليف يكون لأحد معنيين: إما لأجل أن يكون بذلك خير لهذا المؤلف، أو خير للمسلمين بكف شر هذا المؤلف. فبعضهم ربما يكون من أهل الشر الذي يكفى بمثل هذه الأموال، فيكفى شره. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجازة الوفود: يعني أن تستمر هذه الإجازة، سواء قلنا: من مضى ونعطي وجرى له شيء فيستمر، أو كذلك ابتداء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف بما تقتضيه المصلحة. وبهذا تأكيد لهذا الباب الذي لم يفقه ولم يفهمه من لم يعرف هذه الشريعة، كما فعل ذو الخويصرة حين قال ما قال: «إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». والقصة مشهورة معروفة. فإن بعض من لا معرفة له بالشرع والدين ربما يقول مثل هذه المقولات. وفي هذا كذلك تأكيد لقاعدة مراعاة المصالح من المفاسد. ومن ذلك باب التأليف. فإذا كان التأليف بالمال قد أمر به الشرع، فالتأليف بالكلمة كذلك. فالتأليف بالكلمة كذلك، فإنه مما تقتضيه المصالح وتدرأ به المفاسد. وعلى هذا عمل أهل العلم. وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «وأجيز الوفد بنحو ما كنت أجيزهم»، إشارة إلى أن لا يبخل بعده المسلمون في هذا العطاء، كما ذكر بعض أهل العلم: أنه ربما يظن أن هذا فضل، فلا حاجة للاستمرار فيه، أو إبقائه على نفس ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الوصية الخاصة: أن هذا مما هو مقصود في الشرع، مما هو مقصود في الشرع. ومعنى أنه ينتفع بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام فيمضى بمثل ما كان يمضيه. وهكذا كذلك ينبغي أن يستفيد كل من عرف مثل هذا المعنى من أهل العلم: أنهم ما تصرفوا من تصرف، فهو مقصود. فينبغي أن يعتنى به كما كانوا رحمهم الله، وما كانت عليه سيرتهم وفتاويهم وأعمالهم رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. وأما الثالثة التي نسيها: فالناس هو سعيد الأحول، أحد رواة الحديث. كما جاء في بعض الروايات: أنه هو الذي نسي الثالثة. قال: «ونسيت الثالثة». والحديث مخرج من طريقه. قيل: إن هذه الثالثة: الأمر بإنفاذ جيش أسامة، كما جاء معناه في بعض ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الأخرى. وقيل: وهذا الثاني هو الأرجح: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تتخذوا قبري عيدًا». «لا تتخذوا قبري عيدًا». فإنه جاء مع هاتين الوصيتين، مع أحد هاتين الوصيتين في حديث علي بن الحسين. فروي هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاث عند موته، فذكر منها ذلك: أن لا يتخذ قبره عيدًا عليه الصلاة والسلام. والحديث حسنه بعض أهل العلم بمجموع طرقه، وله شواهد ومتابعات كثيرة يرتقي أصل الحديث بها إلى الحسن. فدل أن هذه هي الوصية الثالثة. وسواء كانت هذه أو إنفاذ جيش أسامة، فكله مما أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام. وسيأتي معنى في الحديث الذي بعده: أنه عليه الصلاة والسلام أوصى بأكثر من هذه الثلاث. أوصى بأكثر من هذه الثلاث. لكن يحمل: أنه أوصى في مجلس واحد بهذه الثلاث، ثم أوصى في مجلس آخر بغير ذلك، أو مجالس أخرى بغير ذلك. ومنها ما جاء في قصة علي المشار إليها في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وفي الحديث مسائل أخرى كثيرة، لكن نكتفي بهذه المشار إليها، ولانتهاء الوقت، نقف لهنا. والله تعالى أعلم.