كتاب الوصية  6

كتاب الوصية 6

الدرس في كتاب الوصية 6، تابع باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث عائشة ونفي الوصية للنبي

يشرح المقطع حديث عائشة الذي ينفي وصية النبي لعلي، ويحلل معاني النفي والوصية في الأحاديث النبوية. يُظهر أن نفي الوصية له معانٍ متعددة مثل نفي الوصية المالية أو الخاصة.

أهمية الجمع بين الأدلة الشرعية

يتناول المقطع أهمية الجمع بين الأدلة عند التعارض ويشرح كيفية التعامل مع الاختلاف بينها. الأصل هو إعمال الدليلين معًا إذا أمكن ذلك.

فوائد مستنبطة من حديث عائشة عن مرض النبي

يستعرض المقطع فوائد ومسائل من حديث عائشة عن مرض النبي، منها جواز تمييز بعض الزوجات وفضل السلف الصالح وتسلية للمبتلى واستعمال الماء عند شدة المرض.

إكرام الله لنبيه في وفاته

يدل تكرر قول النبي "في الرفيق الأعلى" عند وفاته على إكرام الله له، حيث جاء في رواية تكرر النبي في قول هذه العبارة ثلاثًا عند رفع يده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: حديث عائشة عن الأسود قال: ذكروا عند عائشة أن عليًا رضي الله عنه كان وصيًا، فقالت: متى أوصى إليه؟ وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري، فما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه؟ قال: أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وصية الرجل مكتوبة عنده». أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث من ضمن الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم في هذا الباب: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. وعلى قاعدته، فلفظ الحديث ولفظ الإمام البخاري. وقد ذكره بهذا اللفظ في الباب المشار إليه، فقال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عمر بن زرارة قال: أخبرنا إسماعيل عن ابن عون عن إبراهيم عن الأسود قال: ذكروا عند عائشة أن عليًا... فذكر الحديث بلفظه. ومناسبة إيراد هذا الحديث للباب كون عائشة رضي الله عنها أنكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بشيء أو أوصى إلى أحد بشيء، أو أنه جعل أحدًا وصيًا على شيء. وهذا هو مناسبة ذلك للباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك الوصية لأنه ليس عنده شيء يوصي فيه. وقد مر معنا في الحديث الذي قبله أن ما ورد من نفي الوصية من أحاديث تحمل على أحد معنيين: إما أن ذلك محمول على أن ذلكم الصحابي لم يبلغه ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم فنفى الوصية مطلقًا، وإما أن يحمل على المعنى الثاني: أنه لم يوصِ عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالمال وما كان بمعناه بشيء. وأما إن أريد الوصية بالأمور المعنوية فهذا أمر آخر. وقد جاء ذلك المعنى موضحًا في قول عبد الله بن نبي أوفى: «أوصى بكتاب الله». وهكذا كذلك حديث عائشة الذي بين أيدينا، فإن عائشة رضي الله عنها نفت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بشيء أو جعله وصيًا. ويحمل نفيها رضي الله عنها وأرضاها على أحد هذين المعنيين: أنها أرادت نفي وجود الوصية مطلقًا لكونها لم يبلغها أنه أوصى عليه الصلاة والسلام. والظاهر أن هذا ليس هو المراد، ولكن المراد أحد معنيين آخرين: أن يكون مقصودها نفي الوصية فيما يتعلق بالمال ونحوه، أو كذلك نفي الوصية. ويدل على ذلك ما جاء في رواية مسلم في هذا الحديث أنها قالت رضي الله عنها: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا أوصى له» - يعني ولا أوصى لعلي رضي الله عنه بشيء - ولا أوصى لعلي بشيء. وعلى هذا، فيكون معناه أن عائشة فهمت من قول هذا المحدث لها - أنهم ذكروا عند الأسود، ولم يذكر من الذي ذكر - فأرادت عائشة أن تنفي هذا الذي ذكر بهذا المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوصِ في أمر المال بشيء. ويحتمل أن يكون المعنى معنى آخر: أنها نفت أن يكون أوصى لعلي خاصة بأي شيء مطلقًا، بأي شيء مطلقًا، وصية خاصة، سواء فيما يتعلق بالمال ونحوه أو كذلك ما يتعلق بالأمور المعنوية أو ما يتعلق بالأمور المعنوية كالوصية بكتاب الله أو غير ذلك. وعلى هذا المعنى الثاني يكون هذا بحسب علمها، ويؤيد ذلك أنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات في حجرها، ولقد انخنث في حجرها فما شعرت أنه مات. ومعنى انخنث: يعني ارتخت أعضاء جسده فتساقط عليها ميتًا عليه الصلاة والسلام، وهي لم تشعر إلا وقد مات. وما علمت أنه أوصى في ذلك الوقت ولا قبله بقليل لعلي رضي الله عنه بشيء. وهذا بحسب علمها. فما جاء عن علي رضي الله عنه - ما سيأتي معنا إن شاء الله - إنما هو في موضع آخر، لا يلزم أن يكون في هذا الموضع نفسه. ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي. وعائشة رضي الله تعالى عنها تكلمت بحسب علمها، تكلمت بحسب علمها. فيكون نفيها إما على المعنى الأول وإما على المعنى الثاني. وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على ترك الوصية لمن ليس له شيء. ولهذا أورده البخاري رحمه الله في هذا الباب المشار إليه: «وصية الرجل مكتوبة عنده» - يعني إذا احتاج أن يكتب - فإذا لم يحتاج أن يكتب فلا حاجة لأن يكتب شيئًا. لأن في الحديث نفي كتابة الوصية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب وصية بهذا المعنى. ويحمل على ما سبق وتقدم لمن ليس له شيء يوصي فيه أو حق من الحقوق لله أو لأحد من الآدميين. وأما إذا كان هناك شيء فيوصي، كما أن الأحاديث الآتية إن شاء الله سيأتي معنا في الدروس اللاحقة التي فيها إثبات الوصية للنبي عليه الصلاة والسلام فيها إشارة إلى معنى آخر: وهو أن من لم يكن عنده مال واحتاج أن يوصي بغير المال فليوصِ. فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بغير المال. وبهذا تجمع الأدلة التي فيها إثبات الوصية والأدلة التي ليس فيها إثبات الوصية. وفي هذا الحديث مسائل أخرى من أهمها: في هذا الحديث الاختلاف، وذكر وجه من أوجهه. فإن الخلاف واقع لا محالة، وله أسباب كثيرة. ومن أسبابه عدم العلم، فإنه قد لا يعلم الإنسان بالأمر فيكون ذلك سببًا لوقوع الخلاف كالعلم بالدليل. فإذا كان كذلك فمن علم حجة على من لم يعلم. وقد يكون له أسباب أخرى، ولكن ها هنا يظهر أن السبب في ذلك أن عائشة رضي الله عنها لم تدري بما قد بلغ علي رضي الله عنه أو ما وقع لعلي رضي الله عنه من أمر الوصية التي أوصاه بها النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك في هذا الحديث معنى آخر مما ينبغي أن يسلكه طالب العلم، وكذلك كل من يتعامل مع الأدلة فيما قد يقع فيما يظهر لأن ناظر فيها من اختلاف وتعارض: أنه لا تعارض بينها، بل يمكن الجمع. وهذا هو الأصل، فالأصل أن يعمل بالدليلين جميعًا، فإعمال الدليلين أولى من إهمالهما. فما أمكنك أن تعمل بالدليلين فاحرص على إعمال الدليلين، لأن إعمال الدليلين هو المطلوب وهو المقصود. وكونك تهمل أحد الدليلين بترجيح أحدهما على الآخر مع إمكان الجمع وعدم وجود مرجح واضح ظاهر يقتضي ترجيح أحدهما على الآخر، هذا مسلك خاطئ. فهذا المثال الذي بين أيدينا يبين لنا أنه حصل في هذه المسألة خلاف، ويمكن الجمع على الوجه الذي قد بين. فكذلك غيرها من المسائل، ولكن بالقيد الذي سمعنا: إذا لم يكن هناك دليل ظاهر واضح صحيح يقتضي ترجيح أحد الدليلين، مثل النسخ إذا تبين أن أحدهما منسوخ بالآخر بدليل صحيح صريح، فإننا نلجأ إلى القول بترجيح أحد الدليلين على الآخر. وهكذا كذلك من معاني النسخ التخصيص، إذا ثبت بالنص الصحيح الصريح تخصيص أحد الدليلين بالآخر، فإننا كذلك نلجأ إلى هذا المعنى. وهذا كذلك يدلنا على أهمية دراسة، وكذلك القراءة والوقوف على كلام أهل العلم في مباحث تعارض الأدلة، وهو مبحث من مباحث علم الأصول. لأنك به تنظر ما استقرأه العلماء، وليس هذا بالأمر السهل، بل هذا أمر عظيم أن تقف على ما استقرأه العلماء من أوجه التعارض وكيف الجمع بينها. وفي هذا الحديث من المسائل: فضل عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ففي هذا الحديث ملازمة عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام، وقيامها بتطبيبه في مرض موته عليه الصلاة والسلام. وقد ورد في روايات أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رغب في ذلك، ولكنه أراد الإذن من نسائه، فأذن له لعلمه أنه يحب ذلك. وفي هذا دليل كذلك على وجوب العدل، فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام - وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع علم نسائه برغبته ببقائه عند عائشة، لم ينطق بذلك ولم يأمر به حتى جاء الإذن، لما علموا من رغبته في ذلك. فيلزم كل أحد يقتدي به عليه الصلاة والسلام ومن دونه من باب أولى أن يحرص على العدل بين الزوجات، والعدل في كل موضع يقتضي العدل. فلا تقول: أنا مريض، وما دمت مريضًا يسقط حقوق الأخريات، هذا خطأ وليس بصحيح. وهذا قد يقع، وقد يصور الشيطان لبعض الناس مثل هذا المفهوم فيصرفه عن العدل. وليس هذا بصحيح، بل ينبغي عليها أن يعدل في كل الأحوال، بل عليها أن يعدل في كل الأحوال. كما أن فيه كذلك: أن من حسن عشرة المرأة مع زوجها أن تؤثره بما يحب، خصوصًا في مثل هذه المواضع إذا كان في وقت المرض أو كان كذلك في وقت الشدة، وعلمت أحد الزوجات أو طرف من الزوجات أن هذا الرجل يحب في مثل هذا الحال أن يكون عند فلانة من زوجاته، فمن حسن العشرة والخلق وإكرام الأزواج بعضهم لبعض أن يؤثروا ما يحب ويتفضلوا بذلك. وهذا أقل ما يمكن أن يكون في مثل هذه المقامات، وهو كذلك فيه اعتراف بما قدره الله، فالله عز وجل جعل ميله لهذه المرأة فيما لا يناف العدل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فقد يكون ميله لامرأة باعتبار، وميله لامرأة أخرى باعتبار آخر، وميله لثالثة باعتبار آخر. فإذا وطنت المرأة نفسها على مثل ذلك سلاها هذا أن تؤثر في مواضع الإيثار، لأن لكل امرأة وصفها، وكذلك منزلتها بحسب ما هو لها. وكذلك من باب أولى إذا كان هناك تفضل بما لا يناف العدل، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفيه كذلك جواز ظهور بعض ما لا حرج فيه مما لا ينافي العدل من تمييز بعض الزوجات على بعض إذا ظهر مثل ذلك، فإنه لا ينافي ذلك العدل. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له ميل لعائشة رضي الله عنها، لكن هذا الميل لا ينافي العدل، لأنه مما لم يؤمر بالعدل فيه. وفيه كذلك من المسائل: فضل السلف الصالح وحرصهم على العلم، فقد كانت مجالسهم مليئة بالعلم رجالًا ونساء. عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت تبث العلم ويأخذ الناس العلم منها، ومذاكرتهم في مسائل العلم. انظر مسألة من مسائل الوصية الخفية تتكلم فيه امرأة ويسأل عنها رجال ويتفقهون ويحبون أن يعرفوا دقائقها. اليوم مثل هذه المسائل ربما حتى بعض من ينتسب إلى العلم ما خطرت بباله، ولا كذلك در عنها. والسلف الصالح رضي الله تعالى عنهم من غور علمهم وحرصهم على دين الله عز وجل حرصوا على التفقه ومعرفة حكم مثل هذه المسألة. وانظروا إلى تبويبات أهل العلم لهذا الحديث نعرف به فضل السلف وسابقتهم في الخير، وكذلك عظيم نفعهم لمن بعدهم. وفيه كذلك من المسائل: جواز تحديث المرأة فيما بينها وبين زوجها مما لا ينافي الدين والمروءة. فإن ذلك يجوز التحديث به، فقد حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهي مسندته إلى صدرها. ومثل هذا فيما يكون بين الرجل وامرأته في حال المرض أو كان مما فيه معنى العلم، هذا مما لا يستحيى منه، بل لا يدخل في معنى الحياء. وإلا فالحياء كله خير، ولكن إذا كان يظن إنسان أن هذا من الحياء فهو خطأ، بل هذا من الخور، لأن فيه منع شيء من العلم قد ينتفع الناس به. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام مما أراد الله عز وجل أن يرفع درجته في الدنيا وفي الآخرة، فقد كان يوعك وعكًا شديدًا كما يوعك الرجلين من شدة ما كان يوعك - يعني يشتد عليه المرض عليه الصلاة والسلام - أراد الله عز وجل له رفعة درجته في الدنيا وكذلك في الآخرة. فمن شدة مرضه عليه الصلاة والسلام أنه في مرض موته كان يغمى عليه ويهاد بين الرجلين حتى يخرج للناس للصلاة، وما استطاع مع شدة حرصه أن يخرج، بل كان يتوضأ يطلب الماء فيغمى عليه، يطلب الماء فيغمى عليه، يتوضأ ويغمى عليه من شدة ما به عليه الصلاة والسلام. وفي هذا كذلك تسلية لكل من يبتلى في هذه الدنيا: أن ذلك بإذن الله سبب لتكفير سيئته ورفع درجته، وكونه يخرج من الدنيا مطهرًا، وكذلك ترفع له درجته خير له من أن يسلم في الدنيا وبعد ذلك يلقى ما يكره في الدار الآخرة. ولا يعني ذلك تمني البلاء، ولكن معناه الصبر عند البلاء، إذا ابتليت فاصبر، والخير فيما يختاره الله عز وجل لك. وفيه كذلك مشروعية استعمال الماء عند شدة المرض، فإنه يبرد المحموم، وكذلك ينشط من قد أصابه شيء من أرق وتعب المرض. فلذلك كما ذكر في الطب النبوي، في نفع الماء في مواضع كثيرة، فلا بأس إذا كان هناك مريض أن يمسح عليه بالماء، يكون الماء قريبًا منه بين الحين والآخر، خصوصًا إذا كان محمومًا يبرد عليه بالماء، أو كان يغمى عليه فإنه ينشط بالماء، أو كان كذلك به شيء من الجفاف أو الفتور أو كذلك الخمول، فإن الماء يعطيه من الحيوية، وهو سبب عظيم من أسباب الحياة، ما يعين المريض على استعادة قوته ونشاطه. وهكذا كذلك في هذا الحديث: جواز التعبير بالانخناث بهذا السياق وهذا المعنى، فمعنى اللفظ في اللغة قد يكون له ما هو أوسع مما هو في عرف الناس. وبهذا كذلك يعلم أن معرفة المدلول اللغوي شيء مهم ينبغي أن يعتني به المسلم عمومًا وطالب العلم خصوصًا حتى لا يحصل له اللبس. وفي هذا الحديث كذلك: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من أمر شدة المرض حتى توفاه الله عز وجل في حجر عائشة رضي الله تعالى عنها، فكان وفاته عليه الصلاة والسلام يسير عليه حتى ما شعرت عائشة بوفاته. وهذا يدل على إكرام الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام. وفي رواية أخرى: أنه رفع يده فقال: «في الرفيق الأعلى» ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. هذا خلاصة ما يذكر في الحديث، به نكتفي، والله تعالى أعلم.